المقال رقم 6 من 8 في سلسلة التمايز في شرح العقيدة المسيحية

• المسيحي هو من ينتسب إلي المسيح و يؤمن أن المسيح هو الله الذي ظهر في الجسد وأنه هو ابن الله الأزلي الذي أرسله الآب إلي العالم وحلَ بلاهوته في أحشاء العذراء القديسة مريم واتَخذ منها جسدًا بواسطة الروح القدس. ثم صُلب بإرادته وصعد بجسد القيامة المُمَجَد ليجلس به عن يمين الآب، وأنه أكمل ذلك كله لنا ومِن أجلنا وفينا نحن البشر ومن أجل خلاصنا.

• ولأن جسد المسيح كان فريدًا وليس من زرع بشر أي بدون تدخل رجل، بل من زرع الله أي بتدخل الروح القدس، لذلك اعتُبر جسد المسيح -كما كان جسد الأول- أصلًا جديدًا في ذاته لكل بشر مولود منه: لأَنَنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ [1].

• وعلى مثال آدم الأول الذي أخذنا منه جسدنا الأول الذي نسميه الجسد العتيق، وأخذنا فيه الطبيعة الساقطة بسبب عصيانه الله وبالتالي الموت، كذلك المسيح -آدم الثاني- صار كل ما أكمله المسيح في جسده -الذي أخذه ِمن العذراء- محسوبًا لنا، لأنه أكمله من أجلنا وفي جسدنا. فقد صرنا شركاء في تجسده وموته وقيامته وميراثه في السماء.

إن كان واحد قد مات لأجل الجميع، فالجميع إذا ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام.

إذا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة: الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا.

(كورنثوس الثانية ٥: ١٤-١٥، ١٧)

فتجسُد المسيح وحلول الروح القدس علي جسد المسيح في نهر الأردن انتهاء بالقيامة والصعود كان تأسيسًا للإنسان الجديد فيه، عوضًا عن الإنسان العتيق نسل آدم الأول الذي أخذناه بالميلاد من الأب والأم.

والمسيح يعطينا الشركة في هذه الطبيعة الجديدة -جسده المقدس- علي مرحلتين: الأولي هي ما نسميها الولادة الروحية من جسد المسيح الروحي في :

لأنه كما أن الجسد [جسد الإنسان] هو واحد وله أعضاء كثيرة، وكل أعضاء الجسد الواحد إذا كانت كثيرة هي جسد واحد، كذلك المسيح أيضا. لأننا جميعنا بروح واحد أيضا اعتمدنا إلى جسد واحد [جسد المسيح السري].

(كورنثوس الأولى ١٢: ١٢-١٣)

لذلك َيرجع الروح القدس بَعد أن فارق الإنسان ب الأول أبيه، ويعود ليسكن في الإنسان مرةً أخري بعد أن تَجدد في جسد المسيح أصله الجديد، وذلك يتم للمؤمن في سر مسحة زيت الميرون المقدس للطفل المُعَمَد، فيصبح جسده هيكلًا جديدًا للروح القدس. هذا هو معنى وحقيقة شركة المؤمنين في جسد المسيح: هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ [2]، وهذا هو معنى وحقيقة أن الكنيسة هي جسد المسيح السري: وَأَخْضَعَ [الآب] كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ [الابن]، وَإِيَاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُل [3].

أما المرحلة الثانية فهي في اليوم الأخير حين تقوم أجساد المؤمنين بالمسيح على شبه جسد المسيح المُمَجَد وقت أن قام بعد الصليب الَذِي سَيُغَيِرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ [4].

• وقد استغرب أحدهم قائلًا: هل معنى هذا أن الكنيسة هي التي ُولِدَت في بيت لحم وهي التي صُلِبت على الصليب وليس المسيح، إذا كنتم تقولون إن الكنيسة هي جسد المسيح السري!؟ ومِن الواضح ممّا سبق أنه بعد قيامة الرب يسوع وصعوده إلي الآب في المجد، صرنا لا نعرف المسيح كظاهرة بيولوجية بل المسيح الروحي، فَإِنَّ الْمَسِيحَ […] أَيْضًا تَأَلَمَ مَرَةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ […] يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُوحِ [5]. ولذلك قلنا أعلاه إن ولادتنا من جسد المسيح في المعمودية هي روحية، ونسميها سر لأن الرب المتجسد يسوع المسيح هو الآن مستتر في مجد الله:

إذا نحن من الآن لا نعرف أحدا حسب الجسد [سواء نحن أم المسيح، لأن حياتنا الحقيقية مستترة في المسيح الروحي]. وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد.

(كورنثوس الثانية ٥: ١٦)

لذلك يعلن لنا الكتاب المقدس أن شركتنا في جسد المسيح الحي الآن هي على مستوى الروح و مستترة في الله بالسر: وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ [6]، إلي أن تُستَعلَن في القيامة في اليوم الأخير على مستوى المنظور الأخروي. ومنذ الآن فإن المسيح يُحَوُل طبيعتنا الروحية نحن إلي حياته هو في الأسرار المقدسة كما سبق وشرحنا بعاليه.

• وبنفس مفهوم الإيمان هذا، نتكلم عن سر التناول من جسد الرب ودمه (سر ال) أنه لا يندرج تحت المستوى البيولوجي حسب الجسد ولكن سريًا بحسب الروح. فالروح القدس الذي كوَن جسد المسيح في أحشاء العذراء القديسة مريم، هو ذاته بالتقديس ينقل الخبز والخمر -تقدمة الكنيسة في الإفخارستيا- ليوحِدها بالخبز السماوي، المسيح، المن العقلي، لتصبح تقدمة واحدة. ثم يَضُمُنا الروح القدس إلي ذات الجسد. ففي القداس يحل الروح القدس على القرابين والمصلين.

• فلننتبه يا أخوة إلي ما نتناوله في الإفخارستيا: هوذا كائنٌ معنا علي هذه المائدة الآن عمانوئيل إلهنا [7]. فإن المسيح منذ الآن يُحَوُل طبيعتنا الروحية نحن إلي حياته هو بتناولنا من ”خبز الحياة“ الإفخارستيا، وليس العكس بأن يتحول هو إلى جسدنا.

كان اعتراض التفكير العقلي المادي لأحدهم أنه إذا كانت الكنيسة هي جسد المسيح فإن الكنيسة تأكل نفسها في الإفخارستيا. وهو لا يختلف عن فهم الشيخ عن المسيحيين (أنهم يُحَضِرون جسد إلههم ثم يأكلونه). إن إيماننا الأرثوذكسي وبحسب الإنجيل يعلمنا أننا -الكنيسة- بالتناول نتثبت في أصلنا المسيح الذي هو أصل الكنيسة بحسب قوله: أنا الكرمة وأنتم الأغصان [8]، اثبتوا في وأنا فيكم [9]، فهو الأصل ونحن نتطعم فيه.

• إن تجسُد الله الكلمة وحلوله في أحشاء العذراء هو مقدمة لحلوله فينا. فاللاهوت لم يَحِل بالتجسد الإلهي لكي يبقي حلولًا قاصرًا على الرب يسوع وحده. فعندما يسكن ويحلّ اللاهوت فينا -في المسيح- نُعطَي ”“ لله الآب في المسيح والقيامة من الأموات وشركة الحياة الأبدية.

إن علم لاهوت العصر الوسيط في أوربا -والذي أخذ عنه بعض الأقباط- يقول بأنه بمجرد سكني أو حلول اللاهوت في الإنسان يتحول إلى إله. ولا يعلمون أن اتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح هو اتحادًا أقنوميًا، أما الإنسان فاللاهوت يَحِل فيه كنعمة على قدر استيعاب الطبيعة الإنسانية. وأن هناك فارق بين الاتحاد الأقنومي في المسيح وحلول النعمة الإلهية في الإنسان.

إن أفعال المسيح الإلهية تمَت إنسانيًا أي مِن خلال ناسوته. فالمعجزات التي صنعها الكلمة المتجسد هي عمل إلهي صادر من اللوغوس بوسيلة إنسانية من خلال الناسوت المتحد بلاهوته. أما في حالتنا فأفعالنا الإنسانية تأخذ معونة مِن النعمة الإلهية. إن بشريتنا قد تمتلئ منه، لكنه يبقى متفوقًا كرأس وينبوع، ويظل الابن خالق والبشر خليقته. هو واهب الحياة أما نحن فنأخذ نعمة الحياة والقيامة منه ولا نقدر أن نوهبها أو نعطيها إلا مِن خلاله، فهو الذي يعطي لأنه هو المصدر. هو وحده الواحد مع الآب والروح القدس في الجوهر أما نحن فنتشبه بتلك الوحدة على قدر ما تعطينا النعمة، ولكن يظل الفرق بين الأصل والصورة بين الطبيعة و النعمة الممنوحة [10].

• ثم يعترضون بتعليم لا يَمُت للمسيحية بِصلة قائلين بأن الله لا يسكن ولا يحل فينا ولا يمكن أن نشترك فيه لأننا خطاة. فاخترعوا ما أسموه ”حلول الثبات“. لذلك تجد الأفعال اليونانية والقبطية الخاصة بالسكنى والحلول في العهد الجديد والتي تفيد كينونة الرب يسوع (أي وجوده الذي نحن نثبت فيه) قد تحولت إلي فعل آخر في الترجمة البيروتية يختص بالثبات:

  • من يأكل جسدي ويشرب دمي يكون فيَ وأنا أكون فيه [ترجمة يونانية/ قبطية] [11].
  • من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَ وأنا أثبت فيه [ترجمة بيروتية] [12].
  • وليست لكم كلمته كائنة فيكم [ترجمة يونانية/ قبطية] [13].
  • وليست لكم كلمته ثابتة فيكم [ترجمة بيروتية] [14].

ولما أُسقط في يدهم لجأوا إلى اختراع آخر هو” “. أي أن الأقنوم الإلهي للابن أو أقنوم الروح القدس لا يحل فينا بل فقط مواهبه.

وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكنا فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح، فذلك ليس له.

وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم.

(رومية ٨: ٩، ١١)

تشير الآيات إلي أن دليل سكني الروح القدس فينا هو قيامتنا. ونعرف أن قيامة المسيح من الأموات وبالتالي قيامتنا (فيه)، أنها ليست نتيجة عمل مواهبي بل نتيجة سكني وحلول أقنوم مَن هو الحياة ذاتها.

المسيح لا يمكن أن يُعطِي للمؤمنين أكثر ممّا أَعطَي، لأن كل مَن هو في المسيح فهو مملوءٌ من فيض ألوهيته

(قول مأثور منسوب إلي ق.، أسقف ميلان)

والسُبح لله.

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. أفسس ٥: ٣٠ [🡁]
  2. رومية ١٢: ٥ [🡁]
  3. أفسس ١: ١٨ [🡁]
  4. فيلبي ٣: ٢١ [🡁]
  5. ى ٣: ١٨ [🡁]
  6. كولوسي ٣: ٣ [🡁]
  7. جزء من صلاة القسمة في القداس الإلهي ب الأرثوذكسية. [🡁]
  8. يوحنا ١٥: ٥ [🡁]
  9. يوحنا ١٥: ٤ [🡁]
  10. في تقليدنا اللاهوتي الأرثوذكسي السكندري، العلاقة الطبيعية التي كانت قائمة بين العذراء وابنها الإله المتجسِد لم تُضيف على شخصية العذراء حالة اشتراك في الإلهية، حتى بالرغم من حلول الروح القدس عليها أولًا، الذي أعدَها فقط لحَمل الإله، ولكن لم يهبها امتياز الشركة في طبيعة الله (بطرس الثانية 1: 4)، التي ظلَت تنقصها وتنتظرها بالصلاة، إلى أن نالتها مع الرسل يوم الخمسين بمعمودية الروح القدس ونار (أعمال الرسل 2: 4-3) حسب وعد الآب، ثم بالشركة في الجسد والدم وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُسُلِ، وَالشَرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَلَوَاتِ (أعمال الرسل 2: 42). وحينئذ فقط كَمُلت قامة العذراء مريم إلى قامة ملء المسيح إلى إنسان كامل في المسيح يسوع. [🡁]
  11. يوحنا ٦: ٥٦ [ترجمة يونانية/ قبطية]. [🡁]
  12. يوحنا ٦: ٥٦ [ترجمة بيروتية]. [🡁]
  13. يوحنا ٥: ٣٨ [ترجمة يونانية/ قبطية]. [🡁]
  14. يوحنا ٥: ٣٨ [ترجمة بيروتية]. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ التمايز في شرح العقيدة المسيحية[الجزء السابق] 🠼 الموت كحالة، لا عقوبة، في فكر أثناسيوس الرسولي[الجزء التالي] 🠼 التبرير في المفهوم الأرثوذكسي
رؤوف إدوارد
[ + مقالات ]