المقال رقم 2 من 8 في سلسلة التمايز في شرح العقيدة المسيحية

اللاهوت المسيحي، بدايةً، شرَح عمل المسيح علي الصليب كما قال آباء الشرق بحسب ما جاء في الإنجيل من أن الصليب هو إعلان عن محبة الله: لأَنّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيّةُ. [1].

وفي القرن السادس عشر لجأ قادة حركة الإصلاح في أوروبا إلي نظريات عقلية قانونية استحدثوها، تقول بأن الصليب كان لاستيفاء العدل الإلهي مستخدمين في ذلك نفس المصطلحات اللاهوتية المشترَكة التي وردت في الكتاب المقدس مثل : فداء – كفارة – بر .. إلخ، وذلك بهدف القضاء على انحرافات كنيسة العصر الوسيط والتي تمثلت في: المطهر – صكوك الغفران – المفهوم الخاص عن ال [2]،  والفهم الخاص عن سلطان الكهنوت [3].

و عن طريق استحداث نظرية ”عقيدة الكفارة“، استطاع قادة حركة الإصلاح  هدم: المطهر، صكوك الغفران، سلطان الكهنوت في كنيسة العصر الوسيط:

إذا كان المطهر هو عبارة عن تكفير للخطايا أو أن يوفي الإنسان ديونه للعدل الإلهي، فما لزوم الكفارة وهي عمل الذي وفَي كل مطالب العدل الإلهي؟

( )

و قد أدي هذا الاستحداث بقادة حركة الإصلاح إلي التساؤل: إذا كان الرب قد أكَمل و أتم الخلاص في الصليب يوم الجمعة، فما هي فائدة ودور الأسرار الكنسية مثل التناول؟

و بذلك وَ ضَع المذهب البروتستاني نهاية حاسمة لتعليم لاهوت العصر الوسيط، وذلك بالتأكيد علي نظرية لاهوتية قانونية بأن المسيح دفع ثمن خطايانا علي الصليب لله الآب ترضيةً له ولعدله ولغضبه علي خطية الإنسان، وذلك بأن تحمّل العقاب عوضًا أو كبديل عن الخطاة. وهكذا ظهرت النظرية اللاهوتية  ”موت المسيح النيابي” أو “البدل العقابي“.

و استمر هذا الاستحداث اللاهوتي النظري الذي بدأ بفكرة أن الله دفع الغرامة إلى الله، أي أن العمل يبدأ بالله وينتهي بالله، وبالتالي ليس على الإنسان إلا أن يؤمن بما حدث على الصليب. وهكذا نشأ  ”التبرير بالإيمان“ عند ال  والذي أدي إلي اقتلاع الأسرار الكنسية من جذورها في تعليمهم. فالأسرار -وبشكل خاص الإفخارستيا- هي رموز و علامات فقط، ُتذَكِر المؤمنين بما فعله المسيح علي الصليب.

أما اللاهوت الشرقي فلا يَعرف على الإطلاق مفاهيم العصر الوسيط الخاصة بهذه الكلمات (فدية؛ كفارة..) ، و إنما انسجامًا ظاهرًا بين معاني هذه الكلمات ومعانيها في الكتاب المقدس. لذلك لم تذكر الصلوات الأرثوذكسية (ال)  تلك المعاني التي استحدثتها تلك النظريات. فمن المعروف أن  الليتورجية  هي مرآة عِلم اللاهوت في الشرق. فالتعليم  وشرح العقيدة الذي لا أساس له في الليتورجية لا أساس له في الأرثوذكسية، لأن الإيمان الذي لا يُعبَر عنه في صلاة إنما هو إيمان عقلي وفكر خاص. هذا على الرغم من إضافة صلاة قسمة كاثوليكية في ال المقدس المطبوع بمعرفة بعد عام ١٩٧٠م. وهي ليست موجودة بالخولاجي المقدس المحَقَق بيد القمص عبد المسيح   في طبعته الأولي ١٩٠٢م. ومن بعده  على نفقة القمص عطا الله أرسانيوس المحرقي ولا حتى طبعته الثانية ٢٠٠٢م. الصادرة من .

و كمثال لما سبق، نجد أن صلاة القداس الأرثوذكسي توضح أن الصليب جاء  بعمل إيجابي و ذلك بتجديد و إحياء الخليقة، وردَّ الحياة لها بعد أن كانت مستعَبَدة للموت: والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس هدمته بالظهور المحيى الذي لابنك الوحيد ربنا و إلهنا و مخلصنا يسوع المسيح [4]، ونجد أن إعلان العهد الجديد هو مصدر هذا الفهم الأرثوذكسي لعمل المسيح علي الصليب:

فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللّحْمِ وَالدّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيّةِ.

(عبرانيين ٢: ١٤-١٥)

فبينما نرى مما سبق أن المسيح مات علي الصليب لكي يبيد الموت، فإن نظرية الكفارة حسب إخوتنا البروتستانت تقول بأن الابن قدَّم نفسه فدية للآب أو أرضَي مطالب العدل و قدَّم للآب فديةً  هدَّأت غضبه و جعلته يرضى عن الإنسان. إن اللاهوت الأرثوذكسي يَفهم   ”الفدية“ و”الكفارة“ التي قام بها المسيح – أقنوم الابن المتجسد- ليس علي أنه ثمن يدفعه الإبن للآب كعمل سلبي يعلو فوقه صلاح الله، لأنه يُحَوّل المسيح من الأقنوم  المتجسد إلي ثمن -وهو مفهوم ساد في الفكر الغربي البروتستانتي أكثر من الكاثوليكي- ولكن يَفهم الفدية أنها عمل وقوة المسيح التي تحرر الإنسان  وليست ثمنًا يُدفَع  أو دَيناً يُرَّد. وأيضاً َيفهم ”الكفارة“ أنها تَعبير عن التطهير والغفران. فالله يكفر عن شعبه. أي يغفر ويستر الخطايا. وهو أيضًا يفتديه، أي يخلصه من يد الأعداء ومن السقوط في وهدة الهلاك.

فالمسيح أقنوم مساوي للآب و ليس ثمناً يُدفع للآب. و موت الرب على الصليب هَدَم الموت و أزال العداوة. هذا هو المسيح ”الفادي“ الذي يَفدي، يَفُك، يُخلّص قوتك فكَكَت بذراعك شعبك [5]. أو قل المسيح ”الفدية“ إن شئت، ولكن ليس بمفهوم الثمن بل بمفهوم عمله علي الصليب في عتق وتحرير واقتناء الإنسان. كلها معاني تُعَبّر عن الخلاص  في معناه الشامل.

وللعلم فإن العهد القديم لم يستخدم الاسم ”فدية“ في الكلام عن خلاص وفداء الله بل استخدم دائمًا الفعل ”يَفدي“، وأطلق اسم الفاعل ”فادي“ علي الله نفسه. ولعل أول ما يخطر على فكر القارئ بخصوص الفدية هو مفهوم ذبائح العهد القديم. ولكن هذا يتطلب  بعض الشرح فيما بعد لا يتسع له المقال الآن.

وكمثال آخر، يصلي الأرثوذكس في صلاة باكر: يا من سُمرت علي الصليب من أجل الخطية التي تجرأ عليها أبونا في الفردوس، مزق صك خطايانا أيها المسيح إلهنا و نجنا.. قتلت الخطية بالخشبة، أحييت الميت [آدم] بموتك.. من أجل هذا نمجد المسيح إلهنا لأنه قوي [6]. هنا أيضًا نري اللاهوت الشرقي مستمدًا من إعلان العهد الجديد:

وإِذْ مَحَا الصّكّ الّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الّذِي كَانَ ضِدّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمّرًا إِيّاهُ بِالصّلِيبِ

(كولوسي ٤: ٢)

وفي هذا كله يُظهِر اللاهوت الشرقي أن المسيح مزق (ليس دفع) الصك. أهمية هذا الفهم هو موضوعنا القادم.

والسُبح لله.

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. يوحنا ٣: ١٦ [🡁]
  2. شرحت الكنيسة الرومانية في منشورها عام ١٠٥٩: الإفخارستيا بشكل منظور وليس بطريقة سرية نرى دم المسيح في يد الكهنة ويُمضَغ جسده بأسنان المؤمنين. [🡁]
  3. تقول صلاة التحليل اللاتينية القديمة: بموجب السلطان المعطى لي من الكنيسة؛ أنا أحللك من خطاياك باسم الآب والإبن والروح القدس. وهي تختلف عن الصيغة الأرثوذكسية: اللهم حاللنا وحالل كل شعبك. [🡁]
  4. صلاة الصلح في القداس الباسيلي بالقبطية الأرثوذكسية. [🡁]
  5. مزمور ٧٧: ١١ [🡁]
  6. صلوات قطعة الساعة السادسة (صلاة باكر) في ال الأرثوذكسية. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 2 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ التمايز في شرح العقيدة المسيحية[الجزء السابق] 🠼 التمايز في شرح العقيدة المسيحية [١][الجزء التالي] 🠼 التمايز في شرح العقيدة المسيحية [٣]
رؤوف إدوارد
[ + مقالات ]