
- القداس الإلهي (١)
- القداس الإلهي (٢)
- القداس الإلهي (٣)
- القداس الإلهي (٤)
- القداس الإلهي (٥)
- القداس الإلهي (٦)
- القداس الإلهي (٧)
- ☑ القداس الإلهي (۸)
- القداس الإلهي (٩)
- القداس الإلهي (١٠)
- القداس الإلهي (١١)
- القداس الإلهي (١٢)
هناك حقيقة أساسية عن علاقة الله بالإنسان، صارت خافية عن البشر منذ أن سقط آدم ودخل الموت طبيعته فضاعت الرؤية منه، أن الله لم يخلق الإنسان من العدم لكي يخفي عنه ذاته وشخصه بل العكس. فلقد خلق الله الإنسان لكي يُظهِر له ذاته ليعرفه ويلتصق به البشر في شركة حياة مقدسة:
”الله جعل الإنسان قادرًا على أن يرى ويعرف الحقائق (الخاصة بالله) بواسطة المشابهة لله (بنعمة العقل الذي يتأمل في الصورة الإلهية داخل الإنسان)… وحيث لا يمنع معرفةَ الإنسان باللاهوت شيء، فإنه يري دائمًا بواسطة نقاوته صورةَ الآب -أي الله الكلمة- الذي خُلِقَ (الإنسان) على مثاله“.
(القديس أثناسيوس الرسولي، رسالة إلى الوثنيين 2)
فدليل ذلك أن الله خلق الإنسان ليعيش بقربه و لم يتخل عنه بعد سقوطه بل خلصَّه ليعود إليه.
هذه الحقيقة التي ربما ما زالت غير واضحة في وعي البشر، أن الله في الأصل منظور ومعروف لأنه “النور”، والنور بطبيعته إعلان عن نفسه، ولقد وهب الله العقل للإنسان دون باقي المخلوقات، والعقل من صفات الطبيعة الإلهية التي بها يتأمل الإنسان ”صورة الله“ داخله التي خلقه الله عليها لكي ينمو في علاقته بالله بأن يتحول على شبه الصورة ويصير على ”مثال الله“ وليس فقط ”على صورة الله“. فخطة الله من البَدْء: ”نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا“ (سفر التكوين). والمسيح هو ”صورة الله ورسم جوهره“ حسب وحي الكتاب المقدس.
إن صورة الله المخلوق عليها الإنسان هي علاقة كيانية بين الخالق ومحبوبه الإنسان. والخطية في تعريفها حسب اللاهوت المسيحي الشرقي هي تدرُّج -بغواية الشيطان- من الابتعاد عن الله وتأمله الروحي العقلي، إلى تأمل حسي قريب للذات بعيدًا عن الله. فأنهمك الإنسان في رغبات جسده متغربًا عن الصورة الإلهية فيه. وحجب السقوط رؤية الله عن الإنسان (ق. أثناسيوس).
ولأن الله خلق آدم من العدم ولكي يحتفظ بنعمة الوجود والحياة طالمَا استمرت علاقته بواهب الحياة. فلمَّا تغرَّب في علاقته بالله وعن التأمل في صورة الله داخله تسرَّب الموت إليه بانسحاب الحياة منه وبدأ أول خطواته للعودة إلى العدم من حيث أتى. والعدم هو الفساد في التعبير اللاهوتي المسيحي. وتلاشت منه نعمة العقل والتأمل في صورة الله داخله وفسدت مخيلته وبدأ في اختراع الشر.
وصار الإنسان يستخدم أوصافًا لله تتناسب مع ما صار إليه كمخلوق أعمى روحيًا. واستدعى ذلك إعلان الله لشخصه للإنسان الذي تغرَّب عنه. ومن هنا بدأت البشرية تسمع كلمات “إعلان”، ”يُعلن“، “يُظهِر” عند الحديث عن الله. فلم يكن تعبير “غير المنظور” مستعملًا في وصف الله قبل السقوط.
ولكن جدير بالذكر أن القداس الغريغوري عندما يستخدم هذه الأوصاف عن الله “غير المرئي، غير المُحوَي، غير المبتدئ، غير الزمني، الذي لا يُحَّد”، فإنما لكي ينفي عن الله معرفة فاسدة ورثها الإنسان من الوثنية التي صنعت وعبدت الأصنام آلهة مرئية زمنية للإنسان.
نرجع ونقول إن الله لا يترك الإنسان في ظلمات الجهل، وإلا كان من الأولى أن لا يخلقه من العدم. لذلك حرص الله أن يُظهِر ويُعلِن ذاته وشخصه للإنسان الذي سقط.
هذا هو ما قام به الله ويعرفه التاريخ البشري بأنه “عهد الله” مع الإنسان بأن يُعلِن عن ذاته ويُظهِر شخصه للإنسان الذي تغرَّب عنه بغواية الشيطان. وقد تسجل هذا الإعلان في كتاب مقدس هو “العهد القديم” وأكتمل بكتاب “العهد الجديد”.
فظهور الله للإنسان هو أمر أساسي منذ خلقه وخلال سيرة الله ومسيرته معه:
“وَجَاءَ رَجُلُ اللهِ إِلَى عَالِي وَقَالَ لَهُ: «هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: هَلْ تَجَلَّيْتُ لِبَيْتِ أَبِيكَ وَهُمْ فِي مِصْرَ فِي بَيْتِ فِرْعَوْنَ”
(سفر صموئيل الأول 2: 27)
“قَدْ شَمَّرَ الرَّبُّ عَنْ ذِرَاعِ قُدْسِهِ أَمَامَ عُيُونِ كُلِّ الأُمَمِ، فَتَرَى كُلُّ أَطْرَافِ الأَرْضِ خَلاَصَ إِلهِنَا.”
(سفر إشعياء 52: 10)
صحيح أن الله يعلن كلمته للإنسان ويكشف عن الوصية، ولكنه قبل نزول الشريعة كان الله يعلن عن شخصه:
“ثُمَّ كَلَّمَ اللهُ مُوسَى وَقَالَ لَهُ: «أَنَا الرَّبُّ. وَأَنَا ظَهَرْتُ لإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِأَنِّي الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ”.
(سفر الخروج 6: 2، 3)
إن الإعلان ليس هو الشريعة. فالإعلان هو عن شخص الله، أما الشريعة والوصايا فهي خارطة طريق ترشد الإنسان إلى أوصاف الله التي تحملها وصاياه ليتشبه بشخص الله. وحتى بعد نزول الشريعة على جبل سيناء، لم يتوقف الله عن الإعلان عن نفسه، إما بظهورات مباشرة أو بأعمال الخلاص التي تؤكد أن الرب حاضر “Present”.
إن من الأخطاء القاتلة للحياة الروحية أن يتصور إنسان إننا نعبد إلهًا مجهولًا، أو إلهًا يُعلن وصاياه فقط. فالله يعلن عن نفسه كشخص. فهو يقول دائمًا: ”أنا الرب إلهك“. وكلمة “أنا” هي كلمة تعريف بذات وشخص المتكلم، وهي كلمة تستدعي العلاقة، وتتطلب رد الإنسان عليها، ولذلك يقول الإنسان لله “أنت“. وكملحوظة فإن الله في القرآن لا يعلن عن ذاته، فلا نجد كلمة “أنا” في الكلام عن الله.
لذلك فإن إعلان الله هو عن شخصه وليس كلام أخلاقي. هذا هو الفرق الجوهري بين المسيحية وغيرها. فالمسيحية هي إعلان الله لشخصه في العهد القديم وكماله أي قمة إعلان الله لشخصه وظهوره في العهد الجديد: “والكلمة (ابن الله) صار جسدًا وحل بيننا… الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبَّر“ (إنجيل يوحنا:١). وما الإنجيل إلا” إعلان يسوع المسيح” (غلاطية١). هذا الإعلان يتم بالروح القدس. الله يعلن نفسه في يسوع المسيح ابنه المتجسد بواسطة الروح القدس “لا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلِن له (بواسطة الروح القدس)” (متى ١١).
واضح جدًا أن المسيح لم يأت إلينا بكلام عن الله، فهذا عمل ووظيفة الأنبياء، إنما جاء بشخصه هو ”كلمة الله” متجسدًا حتى نقبل “حياة يسوع في جسدنا“ (٢كور٤). ذلك هو السر الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية، ولكن ظهر الآن (في يسوع المسيح) وأُعلِمَ به جميع الأمم بالكتب النبوية“ (رو١٦). ذلك السر أن “الله ظهر في الجسد“ (١تيمو٣). فإن كان الأنبياء والرسل حملوا إلينا كلمة الله في كلمات ووصايا، فإن المسيحية هي إعلان شخص المسيح ”كلمة الله“ ذاته الذي ظهر في الجسد وأعلن لنا نور الآب بالروح القدس. وتسجَّل هذا الحدث الإلهي -الحاضر في الزمن- في الكتاب المقدس الذي هو “إعلان يسوع المسيح”. والكتاب المقدس بعهديه يؤكد ذلك “أن (شخص) يسوع المسيح هو روح النبوة (المكتوبة في هذا الكتاب)” (سفر الرؤيا).
ويشير الوحي المقدس أن المسيح يُعلن ذاته وشخصه لكل واحد في الكنيسة ”له إعلان” من خلال الكلمات المكتوبة والتعاليم المسموعة بعمل روحي داخل الإنسان في سر، كان في صدر المسيحية يفيض بطريقة ملموسة بالتكلم بالألسنة “متى اجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور، له تعليم، له لسان، له إعلان” (١كور ١٤).
إنني أتألم بمقارنة بدايات علاقة الله بالإنسان في الفردوس وكيف كانت حضور شخصي لله قريب من آدم، وكيف أنه وفي ”ملء الزمان“ الآن بعد تجسد المسيح وخلاصه للإنسان، يعارض البعض عمق الحضور الإلهي وقربه من الإنسان متمثلًا في حضور شخص المسيح في سر الإفخارستيا حيث ينقل من كيانه -الذي تم فيه كمال الإنسانية- إلى الإنسان المحتاج لأن يثبت فيه هذا الكمال.
فبحسب تشبيه ق. أثناسيوس الرسولي أن صاحب الصورة الإلهية -أي المسيح صورة الآب- يحضر بنفسه ويساعد الرسَّام على تجديد الصورة على نفس لوحة كيان الإنسان الداخلي.
فالإفخارستيا هي نقل ملامح صاحب الصورة إلينا من أجل تجديدها إذ ”تلطخت بالأدران“. فقضية حضور المسيح على المذبح في سر الإفخارستيا وضرورة الاتحاد به لا يمكن تجاوزها بسبب نظريات لاهوتية اخترعها الغرب في عصوره الوسطي بسبب ابتعاده عن منابع اللاهوت المسيحي في الشرق الذي مارس سر الإفخارستيا كحضور شخصي للمسيح منذ تأسيس الرب لهذا السر ليلة صليبه.
تلك النظريات جعلت من خطية آدم، بالتالي فداء الإنسان، أمورًا خارج كيان الإنسان وليست داخله حيث فساد طبيعته. لقد تاه اللاهوت الغربي في العصر الوسيط في المتاهة التي اخترعها بعيدًا عن الكتاب المقدس وتاريخ المسيحية. تاه فيما وصفوه أن الخطية إهانة لله. وأن الله أختار أبنه بديلًا عن الإنسان العاجز ليحل المشكلة من خلال الصليب كترضية لعدل الآب من خلال رحمة الأبن. بالتالي حولوا مأساة الإنسان الداخلية التي تخص كيان الإنسان الذي تغرب عن أصله المخلوق عليه وأصبح مهددًا بالعودة إلى العدم، حولوها إلى أزمة خارجية تخص الله وكيف يستعيد كرامته – سبحانه.
إن الإفخارستيا هي مناسبة طقسية يجري فيها سر تقديس الطبيعة الإنسانية بتثبيت الصورة الإلهية في كيان المتناولين لجسد ودم صاحب الصورة الحاضر بنفسه ليقوم بهذا العمل حتى تنجلي الصورة الإلهية فينا أكثر وأكثر فنرى كلمة الله ونرى فيه الآب أيضًا، ونصير في تحوُّل مستمر نحو الكمال، أي التشبه بالله الواحد الثالوث.
هذه هي المسيحية وإعلان الله لشخصه من خلالها. وهذه هي الإفخارستيا التي تُعلِن و يُثبِّت من خلالها صورته الإلهية فينا التي هي علاقته الكيانية المخلوقين عليها، التي يرعاها المسيح بحضوره سريًا في القداس الإلهي لتثبيتها فينا حيث الخبز والخمر ليسا بَعد رمز معنوي بل دلالة ظاهرة على حضوره سريًا.
والسُبح لله.
بقلم د. رءوف إدوارد مع الاستعانة بكتابات للعلامة د. جورج بباوي.