Search
Close this search box.

أتى أخٌ إلى الأب مقاريوس وقال له: «يا معلم قل لي كلمةً تنفعُني». فقال له القديسُ: «امضِ إلى المقابرِ واشتم الموتى». فمضى الأخُ وشتمهم ورجمهم وعاد وأخبر الشيخَ بما عَمِله. فقال له الشيخُ: «أما خاطبوك بشيءٍ»؟ فقال: «لا». فقال له الشيخُ: «امضِ غدًا وامدحهم». فمضى الأخُ ومدحهم قائلًا: «يا قديسينَ، يا أبرار، يا صديقين». وعاد وأخبر الشيخَ بما صنعه. فقال له: «أما أجابوك بشيءٍ»؟ قال: «لا». قال الشيخُ: «إن كنتَ حقًا قد مُتَّ مع المسيحِ ودُفنتَ معه فاصنع هكذا مثلَ أولئك الأمواتِ، لأن الميتَ لا يحسُ بكرامةٍ ولا بإهانةٍ. وبذلك تستطيعُ أن تخلصَ». فانتفع الأخُ بذلك.

(، طبعة دير أنبا مقار، قول رقم 43)

هكذا درج آباء البرية على أن يعلموننا المبادئ الروحية التي تفيد الإنسان المسيحي الذي يسعى إلى خلاص نفسه. وكانت كلماتهم صادرة عن خبرة في الحياة عاشوها على مدى عشرات السنين، ثلاثون وستون ومئة، كما ذكر الرب يسوع في أمثاله. ولكن هذه الأقوال أيضًا لها مرجعها في كتابنا المقدس، ينبغي أن ننتبه إليها.

فالآية التي تقول:

أم تجهلون أننا كلَّ من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدُفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جِدَّة الحياة [καινοτητι ζωης]

(رسالة بولس إلى رومية 6: 3و4)

هذه الآية تفيد معنى حالة جديدة للحياة مقابل حالة الموت التي كنا نحياها في الخطية قبل المعمودية.

فقوله: “اعتمدنا لموته” تعبير واقعي من كل الوجوه:

فمن جهة المسيح، نعلم إن المسيح مات فعلًا من أجل خطايانا، حاملًا إيَّاها في جسده على الخشبة، آخذًا في جسده عقوبة الموت واللعنة عنها.

ومن جهتنا، فنحن متنا أولًا بالذنوب والخطايا موتًا حقيقيًا واقعيًا بالروح:

“ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح”

(رسالة بولس إلى أفسس 2: 5)

ثم بالإيمان بالمسيح ومعموديتنا باسمه، اعتمدنا لموته، أي جزنا في المسيح -في المعمودية-  كل ما جازه من آلام وصلب وموت ودفن وقيامة، لأنه أخذ جسدنا واتحد به بلاهوته، وتقبَّل فيه كل عقوبة الخطية من أجل أن يقيمنا معه في جدة الحياة. لذلك يقول :

“فدفنا معه بالمعمودية حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة”.

(رسالة بولس إلى رومية 6: 4)

والدفن مع المسيح مبدأ روحي ولاهوتي يملأ فكر القديس بولس وقلبه:

“مدفونين معه في المعمودية التي فيها أُقمتم معه بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات”

(رسالة بولس إلى كولوسي 2: 12)

حيث يُلاحظ دائمًا أن كلمة “الدفن” تُعدُّ الفكر اللاهوتي للقيامة مباشرة، كما أنها تأكيد شديد للموت. لذلك وضعت الكنيسة أن يكون التعميد بالتغطيس في الماء ثلاثًا، حيث يصير الدفن للجسد إعدادًا له للقيامة بالخروج من تحت الماء. لذلك أصبحت المعمودية وهي تحمل الشركة الكاملة مع المسيح في موته وقيامته، السرَّ الأول الذي يدخله المؤمن لينال حياته في المسيح؛ بل اسمه وهويته باعتباره الميلاد الجديد للإنسان والخلقة الجديدة.

ولكن لا يُفهم من هذا أن الذي يشترك في موت المسيح يشترك في حياته بالكمال؛ بل يُعطى الآن عربون الحياة الجديدة، استعدادًا للانفتاح الأعظم على الحياة الأبدية في حضرة الله. لذلك اختار القديس بولس هذا الاصطلاح الجديد، وهو “السلوك في جدة الحياة”.

وهذه الكلمة (جدَّة الحياة) تشير إلى بداية جديدة للحياة، أو حياة من نوع جديد. وهي أيضًا الكلمة المستخدمة في (2كو 5: 17): “إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة = καινη κτισις، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا τα παντα καινα”. وهكذا ينبغي على مَنْ صار خليقة جديدة أن يسلك بثبات بمقتضى هذه الحياة الجديدة التي تتعارض تمامًا مع أسلوب حياته السابق.

ونفس الكلمة اليونانية التي تعبِّر عن التجديد و”الجدَّة” تستعمل أيضًا للإشارة إلى تجديد الروح، كما وردت في الآية:

“وأما الآن فقد تحررنا من إذ مات الذي كنا ممسَكين فيه حتى نعبد بجدَّة الروح [καινοτητι πνευματος] لا بعتق الحرف”

(رسالة بولس إلى رومية 7: 6)

وهذه الكلمة أيضًا تشير إلى شيء جديد غير معتاد أو غير متعارف عليه، ليس جديدًا أو حديثًا بالنسبة للزمن، ولكنه جديد من حيث المضمون والنوعية، أي من طبيعة مختلفة = السلوك حسب الروح؛ عن تلك التي تضادها وهي الطبيعة العتيقة = السلوك حسب الجسد.

فكل ما هو جديد بالروح للإنسان هو من فعل الروح القدس، وكل ما هو قديم في المقابل هو من الناموس والجسد. وعوضًا عن كوننا مُتنا عن حياتنا العتيقة، فإننا نتقبل قوة الله الآب التي قيل عنها إنها قوة قيامة المسيح الذي يمنحنا “جدة الحياة”. فالله هو الوحيد الذي يقيم الميت لجدة الحياة.

وكما أن قيامة المسيح استَعلَنت مجد الآب، إذ تحققت فيه كل مواعيد الله التي نطق بها جميع الأنبياء، هكذا أيضًا جدَّة حياتنا وسلوكنا الجديد في الحياة يَستعلِن عمل الروح القدس وقوته فينا، مبيِّنًا أننا بالحقيقة قد قمنا معه. لأنه فيما بين موت المسيحي عن الخطية السالفة وقيامته من الموت في الحياة الآتية، فإنه مدعوٌّ للسلوك في جدَّة الحياة.

فالإنسان الذي يدخل الحياة المسيحية -من باب المعمودية- يُستدعى لنوع مختلف من الحياة. فالموت يحدث لنوعٍ من الحياة، والميلاد يبدأ لحياة أخرى عليه أن يحياها ويسلك فيها.

والكلمة اليونانية περιπατεω التي تُرجمت “يسلك” هي نفس الكلمة الواردة في الرسالة إلى العبرانيين للتعبير عن السلوك الروحي للحياة الأبدية:

“اصنعوا لأرجلكم مسالك مستقيمة”

(رسالة بولس إلى العبرانين 12: 13)

وهي أيضًا نفس الكلمة الواردة في رسالة يوحنا الأولى:

“ولكن إن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يطهِّرنا من كل خطية”

(رسالة يوحنا الأولى 1: 7)

ذلك لأن السلوك بمقتضى الناموس الأدبي والأخلاقي للمسيحية هو أوضح دليل عن حياتنا الجديدة.

وقد أشار بولس الرسول إلى قوانين خاصة للحياة المقدسة التي تصبح مؤشرًا واضحًا لذاك الذي قام مع المسيح ليسلك في جدة الحياة. ففي رسالته إلى كولوسي، يقول بولس الرسول:

“فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله. اهتموا بما فوق لا بما على الأرض لأنكم قد متُّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. متى أُظهر المسيح حياتنا فحينئذٍ تُظهرون أنتم أيضًا معه في المجد”

(رسالة بولس إلى كولوسي 3: 1-4)

وفي كو 3: 5 يعطي بولس الرسول قائمة بتلك الأشياء التي يجب أن تموت في حياة المسيحي الذي له هذه الحياة الجديدة، وتتضمن هذه القائمة: الزنا والنجاسة والهوى والشهوة الردية والطمع الذي هو عبادة الأوثان. وهو يقول إن هذه الأمور هي التي تجلب غضب الله على مرتكبيها، وهذه هي خطايا الجسد التي يجب أن تموت فينا عندما نُدفَن مع المسيح.

ثم يورد الرسول بعد ذلك الأمور التي يجب أن نتركها، وهي الأشياء التي ينزعها الروح القدس من سلوك المؤمن المسيحي. وهذه الخطايا هي خطايا النفس الإنسانية، وهي ما تُسمى بالميول أو النزعات. وهذه القائمة تشمل الغضب والسخط والخبث والتجديف والكلام القبيح. ويضيف بولس الرسول قائلاً:

“لا تكذبوا بعضكم على بعض إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه”

(رسالة بولس إلى كولوسي 3: 9 و10)

ونحن، إذ نميت أعضاءنا التي على الأرض التي هي خطايا الجسد، ونطرح عنا كل الخطايا الناشئة عن ميولنا ونزعاتنا النفسية، حينئذ نلبس كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفًا وتواضعًا ووداعة وطول أناة، محتملين بعضنا بعضًا ومسامحين بعضنا بعضًا إن كان لأحد على أحد شكوى، كما غفر لنا المسيح هكذا نغفر نحن أيضًا للمسيئين إلينا. وعلى جميع هذه نلبس المحبة التي تربط كل الفضائل معًا في وحدة كاملة (كو 3: 12-14)

فإننا عندما نبدأ في مقاومة الغضب والسخط والظلم والخبث والوشاية، يجب أن يكون ذلك بنفس مقدار مقاومتنا للزنا والنجاسة والشهوة والرغبات الشريرة، وعندما تتصف حياتنا بالحنو والعطف والتواضع واللطف والوداعة والصبر، وعندما نحمل بعضنا أثقال بعض، ونصفح عن الظلم والإساءة كما صفح الرب لنا، وفوق الكل نلبس المحبة؛ حينئذٍ فقط سوف يلحظ العالم حياتنا الجديدة، أي جدَّة الحياة التي نحياها في المسيح يسوع ربنا. آمين.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

راهب في دير القديس الأنبا مقار الكبير [ + مقالات ]