Search
Close this search box.
في عالمنا اليوم نعاني من ضغوطات يصعب احتمالها بين أزمات اقتصادية وأخبار الصراعات والحروب، في وقت لم نفق فيه مما سببه لنا فيروس كورونا، إضافة للضغوط التي تتسبب فيها المعاملات اليومية مع البشر، ولكي يتمكن الإنسان الطبيعي من التعامل مع هذه الضغوط يحتاج لإعادة شحن طاقته النفسية، وهو ما يصعب تحقيقه في نمط حياة سريع يجبرنا على الجري بأقصى طاقتنا واللهث وراء "لقمة العيش"، أو النجاح في العمل.

منذ سنوات الجامعة وما بعدها كانت تستنزفني الضغوط، فالتفكير في المستقبل والرغبة في تحقيق الذات والنجاح على المستوى العملي كانت تستهلك كثيرًا من طاقتي في وقت كانت الأحداث الجارية في البلد تستنزفنا دون أن ندري، ولكن ما بدأ في تغيير تلك الحالة هو عودة واحدة من اهتمامات الطفولة تطفو على السطح من جديد وهي الاهتمام بالحيوانات خصوصًا الكلاب.

منذ نهاية 2013 وبعض أحداث عصيبة، حاولت الابتعاد عن الأحداث الجارية والعودة للحياة العادية من جديد، وكان من حظي أن شرف في بيتنا بالصدفة “ديكستر” الذي أدين له بالكثير من مساعدتي على شحن طاقتي واستعادة التوازن النفسي مع ضغوط الحياة، وكان يفعل ذلك بمنتهى التلقائية فهذه طبيعة الكلاب، تقدم الحب والحنان لأصدقائها دون انتظار مقابل.

تحول الاهتمام بـ”ديكستر” إلى اهتمام بكلاب الشوارع، فبدأت الشعور بقربي منهم وأجد في التعامل معهم رفقة تعيد لي سلامي، خاصة عندما أمر بشارع وأجد أحدهم ينظر لي فاذهب للطبطة على رأسه وإجراء حديث ودي معه، ويكون حظه جيدا إذا كان معي ما يمكن أن أقدمه له ليأكل.

الاندماج مع عالم الكلاب، جعلني شديد الحساسية تجاه الأذى والغدر الذي يتعرضوا له مننا نحن البشر، ورغم الشعور بالسلام من التعامل معهم  ومع قطط الشارع أيضًا، إلا أني لا أحتمل أن يعانوا بسببنا بالرغْم مما يقدمون  من حب مجاني تجاهنا، ولكن كما يوجد بشر يتسببون بالأذى كذلك يوجد من يقدمون الرحمة.

صارت الكلاب والقطط مقياس مهم لتقييم الأشخاص، فمن الصعب أن يكون هناك شخص محبًا للكلاب والقطط ويهتم بهم وبسلامهم  ويكون شريرًا، وعلى النقيض فيمن لا يرغب في مساعدتهم ويتندر على محبي الحيوانات ويرى أن ذلك تفاهة أو رَفَاهيَة، أو فراغ يكون بالفعل شخص مؤذي للآخرين.

أشعر أن الحيوانات والطيور تكافئ من يهتم بها بأن تقترب منه، لذا فمن حظي الجيد أن في شرفة بيتي قررت يمامة أن تبني عشًا وتضع بيضها وترقد عليه لحين موعد خروج صغارها،  فأصبحنا في البيت نتحرك بهدوء عند الاقتراب من الشُّرْفَة حتى لا نزعج اليمامة، فتطير وقد لا ترجع إلى عشها مجددًا، وأشعر أنها بدأت تطمئن لنا فاعتادت على أصواتنا ولم تعد فزعة، نتابعها دوما، وبدأت زوجتي بالقراءة عن اليمام لمعرفة طبيعة حياتها، ونرى أنها تقدم حب ورعاية هي وشريكها بالتبادل للبيض بمنتهى الهدوء والتفاني لفترة تمتد إلى 18 يومًا.

النظر إلى اليمامة يمنح شعورًا بالسلام،  وسماع صوتها وأصوات العصافير حولنا يمنحنا إحساسًا بالراحة، وكما ابتهجت من النظر لها والتأمل في تصرفاتها، هكذا تعلمت درسًا منذ يومين من كلبة أم لديها 8 جراء، تعيش في مربع سكني قريب من الذي نسكن فيه فقد أحضرت لها طعامًا، وبمجرد أن وضعت الكيس أمامها وبدأت تأكل، هب صغارها إلى الطعام فابتعدت راضية ترمقهم بنظرة كلها عطف وحنان بالرغم من شعورها بالجوع وتركتهم يأكلون، وكانت تنتظر الفتات منهم وما لا يستطيعون أن يأكلوه.

أتمنى من كل قلبي أن نعي نحن البشر أننا لسنا أفضل من بقية الكائنات وأن نتوقف عن شعورنا الزائف بالاستحقاق بأن الكوكب لنا دون بقية شركائنا من الكائنات، وأن نحاول الحفاظ على استمراره من أجلنا ومن أجلهم أيضًا، لأنه إذا استمرت أنانيتنا مسيطرة على تصرفاتنا في تدمير توازن الكوكب، ستنتقم مننا الطبيعة أشر انتقام لتحقيق العدالة بنفسها، ولنا في التغيير المناخي مثال.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

[ + مقالات ]

باحث وكاتب صحفي ومتابع للشأن الكنسي وشئون الأقليات