المقال رقم 6 من 17 في سلسلة القديس بولس الرسول
كان شاول (بولس) يحرس ثياب القاتلين وهم يرجمون إستفانوس، بل وراضياً عن فعلهم هذا، ولكن لماذا إستفانوس، ولماذا تحول موقف الفريسيون وكانوا قد انسحبوا من محاكمة المسيح، لتحولها من محاكمة عقيدية إلى محاكمة سياسية وحماية لمصالح رؤساء الكهنة؟

يقدم لنا الكاتب أسباب التحول “بعد أن أشعل إستفانوس شرارة الهجوم على الناموس والعوائد والسبت والهيكل وموسى نفسه، وضع الفريسيين ـ وشاول [بولس] بالذات ـ في موضع الحركة والهجوم المضاد، إذ وفر له من الأسباب العقائدية ما هو كفيل للمقاومة، حسبما تنبأ يعقوب أبو الآباء عن طبيعة ومسلك بنيامين رأس السبط، وهو جد بولس الأول، “بنيامين ذئب يفترس، في الصباح يأكل غنيمة، وعند المساء يُقَسِّم نهباً(تك 27:49)، ويستطرد الكاتب: “فقد تحرك الذئب بعد أن سُفِكَ دم أول حمل من خراف القطيع: “وأما شاول فكان لم يزل ينفث تهدُّداً وقتلاً على تلاميذ الرب(أع 1:9).

كان عنف شاول وتحالف الأضداد؛ الفريسيين والكهنة والدولة الرومانية، عاتياً فى تعقب واستهداف الكنيسة الوليدة:

وحدث في ذلك اليوم [يوم استشهاد إستفانوس] اضطهاد عظيم على الكنيسة التى فى اورشليم، فتشتت الجميع في كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل

(سفر أعمال الرسل 1:8)

لكنه كان حافزاً لخروج الكلمة والبشارة حرَّة إلى كل أقطار الأرض:

فالذين تشتتوا جالوا مبشرين بالكلمة، فانحدر فيلبس [زميل استفانوس] إلى مدينة من السامرة وكان يكرز لهم بالمسيح

(سفر أعمال الرسل 8 :4-5)

ويتتبع الكاتب اعترافات ق. بولس في ثنايا رسائله وفى أحاديثه التي سجلها له سفر الأعمال، بما اقترفه في حق الكنيسة قبل أن يباغته لقاء الرب يسوع في لقاء طريق دمشق. ويكشف لنا الكاتب سر عداء شاول [بولس] للمسيح واضطهاده للكنيسة “بجنون وبلا رحمة” أو بحسب تعرف بولس نفسه: “حتى الموت”، نقرأ معاً:

قال بولس عن هذه الفترة : نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة (1كو 23:1). فهو يرى أن اليهود إنما فقدوا فرصة الإيمان بالمسيح بسبب هذه العثرة ألعلهم عثروا لكى يسقطوا (رو 11:11). وهنا يفرق بولس الرسول بين العثرة والسقوط، بمعنى أن اليهود عثروا فى المسيح ولكن لم يسقطوا من رحمته نهائياً مثلما صنع المسيح فيه هو، أى فى بولس

(الأب : ال: حياته، لاهوته، أعماله)

ويستطرد الكاتب:

كذلك يرى ـ بولس ـ أن المسيح صار لليهود حجر صدمة وصخرة عثرة [ولكن] كل من يؤمن به لا يخزى ـ رو33:9، وقد أوضح نوع هذه العثرة التى شخصها الناموس، ولكنهم أخطأوا فهمها: المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار “لعنة” لأجلنا لأنه مكتوب ملعون كل من عُلق على خشبة ـ (غل 13:3). هنا يكشف لنا بولس الرسول كيف صار صليب المسيح هو محور العثرة عنده، إذ ترجمه على حياة المسيح وموته أنه مجرد إنسان أفرزه الناموس وصلبه وحكم عليه باللعنة. ولا يهم بعد ذلك إن كان الذين حكموا عليه كانوا خادعين أو مخدوعين، فطالما رضى الله أن يتم فيه حكم الناموس باللعنة فقد صار مفروزاً وملعوناً، فإن كان هؤلاء المسيحيون ـ اصحاب “الطريق” ـ ينادون به رباً ومسيحاً فهم يجدفون على الله وعلى الناموس ويحلَّ دمهم، وتصح فيهم كل عقوبة رادعة لإخراسهم أو لردهم للصواب

(الأب متى المسكين: القديس بولس الرسول: حياته، لاهوته، أعماله)

ثم يوضح الكاتب: “أما صورة المسيا التي يؤمن بها بولس ويترقبها كعلامة فهي ما جاء عنه “ويحل عليه روح الرب(إش2:11) وليس اللعنة، لذلك صارت كل حجج أهل الطريق ودفاعهم مرفوضة

كان مقتل إستفانوس دافعاً لأن يفر المؤمنين خارج أورشليم، وتشتتوا في البلاد المحيطة، لبنان وسوريا وقبرص، فكان قرار بولس إن يتعقبهم، ويلقى القبض عليهم وسوقهم موثقين إلى أورشليم، مدعوماً بخطابات توصية من رئيس الكهنة، وهم فروا من عنفه وفرط حنقه عليهم (أعمال11:26)، وعاد ليطاردهم حيث ذهبوا ويقدمهم للمحاكمة في أورشليم، في رحلات مكوكية.

في واحدة من هذه الرحلات كان اللقاء الأخطر في حياة بولس وفى مسار الكنيسة. يرصد الكاتب هذه الرحلة الأخيرة في مسيرة اضطهاد بولس للكنيسة الوليدة:

هكذا كانت رحلة بولس إلى دمشق! ولم يكن في تاريخ الكنيسة ما يضارع هذه الرحلة في أثرها الممتد عبر الدهور كلها، خرج بولس من أورشليم ميمماً شطر دمشق، محملاً بخطابات توصية لذوى الحيثية، سواء في مجامع دمشق الكثيرة أو لدى أصحاب النفوذ في إدارة شئون البلاد على قدر ما ملكت أيدى حنّان وقيافا وزمرتهم من نفوذ، لكى يُمنح شاول سلطات فائقة يستطيع بها أن يصنع بالمسيحيين كل ما اشتهت نفسه، والقصد أن يطفئ النيران المشتعلة في قلوب أتباع يسوع

(الأب متى المسكين: القديس بولس الرسول: حياته، لاهوته، أعماله)

ويتوقف الكاتب متأملاً هذا المشهد:

لم يَدْرِ بولس أن هذه النيران ستلتهمه، والذئب الذي اصطدم بالراعي الصالح سيحوِّله إلى غنمه. أما رؤساء الكهنة الذين ظنهم بولس سنداً وعضداً، فدارت الأيام ووقع تحت جلداتهم التسعة والثلاثين إلى ثلاث مرات، حتى تهرأ ظهره وحمل سمات الرب!!

(الأب متى المسكين: القديس بولس الرسول: حياته، لاهوته، أعماله)

يتوقف الكاتب ملياً عند حادثة دمشق، والتي وثقها سفر الأعمال ثلاث مرات، مرة بقلم كاتب السفر ورفيق القديس بولس، القديس لوقا، ومرتين على فم بولس الرسول نفسه، ويسعى الكاتب ليسبر غور اهتمام الوحي الإلهي بهذه الواقعة.

تستحق هذه الحادثة أن يفرد لها الكاتب فصلاً وأن نعرضها في المقال القادم.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ القديس بولس الرسول[الجزء السابق] 🠼 شاول الفريسي وحال الكنيسة[الجزء التالي] 🠼 حادث دمشق
كمال زاخر
كاتب ومفكر قبطي في التيار ال المصري   [ + مقالات ]

صدر للكاتب:
كتاب: : صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎