
- كتاب “بولس الرسول” للأب متى المسكين
- اقتراب محفوف بالتربص
- فك رموز العهد القديم
- تشكيل شاول لقبوله الإيمان
- ☑ شاول الفريسي وحال الكنيسة
- شاول يضطهد الكنيسة
- حادث دمشق
- مسيحية بولس الرسول (١)
- مسيحية بولس الرسول (٢)
- صفات القديس بولس
- الفكر اللاهوتي للقديس بولس
- مصادر تعاليم بولس الرسول (١)
- مصادر تعاليم بولس الرسول (٢)
- لاهوت بولس الرسول: تمهيد ومدخل
- حكمة تعلو فوق كل شيء
- سبق وجود المسيح
- ربوبيّة المسيح
ما بين سفر الأعمال ورسائل بولس المتعددة يلتقط الكاتب من لسان بولس نفسه تعريفاً دقيقاً لخلفياته الفكرية وتوصيفه لنفسه وموقفه الواضح من الكنيسة التي كان يضطهدها بإفراط ويتلفها، فيما كان يتقدم في الديانة اليهودية متقدماً على رفقاءه، لكن اللافت قوله إنه "حسب مذهب عبادته الأضيق عاش فريسياً".
ويعرفنا الكاتب ـ في هامش مطول ـ على جماعة الفريسيين؛ النشأة والمبادئ، فهي تجمع بين القدرية وبين حرية اختيار الإنسان، ويذكرهم سفر ملاخي بأنهم “متقو الرب“، فيما يشير إليهم مزمور 119 أنهم ذوو تقوى وغيرة على وصايا الله، وكلمة “فريسي” من أصل قريب من كلمة “يفرز” و “فرًيز”، (فرِّيز = فريزي = فريسي)، وهى تعني تماماً جماعة المعتزلة، بمعنى اعتزالهم كل ما هو غير طاهر، سواء كان أخلاقياً أو في العبادة، وهذا يعد الجانب السلبي للقداسة التي اعتبروا أنفسهم أنهم إليها مدعوون، وفي عرفهم أن الله قدوس بمعنى معتزل أو مفروز، وهم أشد ما يكون حرصاً على حفظ السبت وتجنب الأطعمة المحرَّمة بكل تدقيق، وهم الذين أضافوا على الناموس تعاليم ووصايا، وجعلوها في مقام الناموس، والرب وبخهم على ذلك إذ حمَّلوا الناس أحمالاً عسرة والزموهم بوصايا هي تعاليم الناس، وكان تشددهم مثار إعجاب جموع الشعب. ولعل هذا يفسر سر عدائهم للمسيح.
في رسالته لأهل غلاطية يذكر ق. بولس أنه كان “أوفر [أكثر] غَيْرَة في تقليدات آباءه“، ويربطها الكاتب بما كتبه ق. بولس في رسالته لأهل فيلبي “من جهة الناموس فريسي، من جهة الغَيْرَة مضطهد الكنيسة من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم“، وكانت ملاحظة الكاتب أن ق. بولس “يحاول أن يوضح أن الفريسية هي التي دفعته لكل هذه الأعمال الجنونية، ويدعم هذه الملاحظة باعتراف ق. بولس نفسه حسب ما سجله سفر الأعمال:
“فَأَنَا ارْتَأَيْتُ فِي نَفْسِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ أُمُورًا كَثِيرَةً مُضَادَّةً لاسْمِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ. وَفَعَلْتُ ذلِكَ أَيْضًا فِي أُورُشَلِيمَ، فَحَبَسْتُ فِي سُجُونٍ كَثِيرِينَ مِنَ الْقِدِّيسِينَ، آخِذًا السُّلْطَانَ مِنْ قِبَلِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ. وَلَمَّا كَانُوا يُقْتَلُونَ أَلْقَيْتُ قُرْعَةً بِذلِكَ [لتعيين من الذي يبدأ بالرجم]. وَفِي كُلِّ الْمَجَامِعِ كُنْتُ أُعَاقِبُهُمْ مِرَارًا كَثِيرَةً، وَأَضْطَرُّهُمْ إِلَى التَّجْدِيفِ. وَإِذْ أَفْرَطَ حَنَقِي عَلَيْهِمْ كُنْتُ أَطْرُدُهُمْ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي فِي الْخَارِجِ.
(سفر أعمال الرسل 26: 9- 11)
ثم يعرض الكاتب كيف يصير اليهودي فريسياً، عبر تحفظات وقيود سلوكية ومحاذير وخوف:
“تجعله في حالة استنفار ويقظة بل وربكة ذهنية كفيلة أن تشل عقله، وهكذا تتلف حواسه الأخلاقية الطبيعية… وهكذا تضمحل روح العبادة في خضم الشكليات، وتذوب حاسة التقوى الروحية الصحيحة… لذلك فالفريسية تُغذى النفس بروح الذاتية والغطرسة، بخداع الذات والرياء”.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول “حياته”، “لاهوته”، “أعماله”)
ويكشف الكاتب سر عنف ق. بولس، قبل مقابلة الرب يسوع، وهو فشله في تأدية الواجبات المفروضة عليه:
“هنا يشعر بالفراغ ولا يعوضه إلا التظاهر وإتيان الأعمال العنيفة والغيرة الزائدة لإرضاء ضميره، كالاضطهاد والتعنيف وملاحقة الخطاة ـ في نظره ـ الذي نسميه في علم النفس مُركَّب النقص …”. وهو عين ما شعر به ق. بولس فصرخ “ويحي أنا الإنسان الشقي! من ينقذني من جسد هذا الموت“.
(الأب متى المسكين، القديس بولس الرسول “حياته”، “لاهوته”، “أعماله”)
فالفريسية أوقعته في صراع بين سروره بناموس الله وقيود وإلزامات الناموس حسب إضافاتهم وأثقالهم.
وعندما تدرك استنارة المسيح ذهن وقلب ق. بولس ينتفض في مواجهة ازدواجية الفريسيين وخداعهم:
“الَّذِي تَكْرِزُ: أَنْ لاَ يُسْرَقَ، أَتَسْرِقُ؟ الَّذِي تَقُولُ: أَنْ لاَ يُزْنَى، أَتَزْنِي؟ الَّذِي تَسْتَكْرِهُ الأَوْثَانَ، أَتَسْرِقُ الْهَيَاكِلَ؟ الَّذِي تَفْتَخِرُ بِالنَّامُوسِ، أَبِتَعَدِّي النَّامُوسِ تُهِينُ اللهَ؟ لأَنَّ اسْمَ اللهِ يُجَدَّفُ عَلَيْهِ بِسَبَبِكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ.”
(رسالة بولس الرسول إلى رومية 2: 21- 24)
قبل أن يستطرد الكاتب في تتبع دخول بولس إلى دائرة الإيمان يتوقف بنا عند حال الكنيسة آنئذ، في سعيه أن يتعرف إلى ما حدث بعد موت الرب، إذ بادر يوسف ونيقوديموس بإنزال الجسد من فوق الصليب، فيما كان رؤساء الكهنة وأتباعهم يشعرون براحة التخلص ممن علق نفوسهم على مدى ثلاث سنوات ويزيد، متأرجحين فيها بين المبادرة برجمه، والتخلص منه، وبين أن يجدوا عنده إجابة لأسئلتهم الحائرة، من يكون؟
جاء موت المسيح على الصليب ودفنه ليؤكد عند قاتليه أنه مدَّعى، لأن الناموس عندهم يقول أن المسيا لا يموت
«نَحْنُ سَمِعْنَا مِنَ النَّامُوسِ أَنَّ الْمَسِيحَ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ ابْنُ الإِنْسَانِ؟ مَنْ هُوَ هذَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟»
(إنجيل يوحنا 12: 34)
لكن قيامة المسيح صبيحة الأحد جاءت لتعيد الأمور إلى صحيحها، فقد قام من الموت “إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ” حسب تعبير ق. بطرس في يوم الخمسين، وتتوالى ظهورات الرب القائم لتلاميذه مرات عدّة، ولمدة أربعين يوماً، ويأتي ق. بولس ليوجز هذا كله في سطور قليلة في رسالته الأولى لأهل كورنثوس:
“فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ. وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا. لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ.”
(رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس 15: 3-9)
وهو ما كتبه ق. لوقا في مستهل سفر الأعمال:
“اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ”.
(سفر أعمال الرسل 1: 3)
ينبهنا الكاتب إلى أن الإيمان المسيحي لم يبدأ بـ “القيامة” كبرهان أن يسوع هو المسيح ابن الله، لكن القيامة كانت خاتمة أو حصيلة تجليات سابقة واستعلانات متوالية” يورد منها :
* لقاء المسيح مع نثنائيل: “أجاب نثنائيل وقال له: يا معلم أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل“، فيجيبه المسيح: «سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هذَا!» وَقَالَ لَهُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ».
* اعتراف بطرس في أوائل أيام إتباعه للمسيح: “فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ:«أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!». وكان رد المسيح عليه أيضاً وعلى نفس مستوى نثنائيل هكذا: “طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا.”. ويعلق الكاتب “معنى قول المسيح هو أن اعتراف بطرس بأن يسوع هو المسيح ابن الله إنما جاء بإعلان مباشر من الله، ثم تأكيد المسيح أنه سيبنى كنيسته على هذه الصخرة أي على صخرة الإيمان القائم على الاستعلان السماوي“.
* كذلك في أول آية صنعها المسيح في إنجيل يوحنا بتحويل الماء إلى خمر، يشير إلى ذبيحته المستقبلة، يقول ق. يوحنا: “هذه بداية الآيات التي فعلها يسوع فى قانا الجليل وأظهر [استعلن] مجده“.
* وتتكرر الآيات والمعجزات حتى نصل إلى إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام في القبر، وهي في مجملها تشير بقوة إلى الاستعلان الذي تحمله نحو لاهوته: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟» قَالَتْ لَهُ:«نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، الآتِي إِلَى الْعَالَمِ»
ويأتى حلول الروح القدس ليمنح الكنيسة قوة خاصة لأنه: “روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق … ويعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم … ويمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم … وهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضاً“.
ويواصل الكاتب توضيح: “القيمة الفعلية الثمينة لمعنى أخذنا الروح القدس أخذاً فعلياً، بمفهوم (عربون خلاصنا)، الذي نعيشه الآن جزئياً لنحياه هناك كلياً“.
ويوضح الكاتب كيف ابتدأت الكنيسة تنمو وتمتد بسرعة هائلة، وبدايات ظهور كنيسة الأمم، بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين، ودور استفانوس أول شهيد في المسيحية ودفاعه وجسارته في مواجهة رؤساء الكهنة وأعضاء المجمع آنذاك، لينتهى الأمر بقتله “استشهاده”.
وفي كلمات قليلة يوصِّف الكاتب معنى كلمة شهيد؛ “ويلذ لي أيها القارئ أن تعلم أن كلمة “شهيد” بمعنى شَهَدَ للمسيح تحت الموت وشاهده قد نحتت أول ما نحتت وأطلقت أول ما أطلقت في المسيحية على القديس استفانوس (أنظر أع 20:22: “استفانوس شهيدك”)
يعود الكاتب ليقترب من شاول المضطهِد للكنيسة وهو ما نتناوله في المقال التالي.
صدر للكاتب:
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨