يتعرض هذا المقال لموضوع زيارة المواطنين المصريين المسيحيين إلى الأماكن المقدسة في فلسطين وخصوصا مدينة القدس، وهو حديث أصبح متكرر كل عام قبيل الاحتفال بأسبوع آلام السيد المسيح وعيد القيامة، أو مع زيارة أحد أساقفة الكنيسة للقدس، وأخرها زيارة الأنبا رافائيل الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة إلى إيبارشية "الكرسي الأورشليمي والشرق الأدنى" في القدس بدعوة من مطرانها الأنبا أنطونيوس، حيث يتجدد الحديث عن قرار البابا شنودة بمنع الزيارة للقدس من قبل بعض الزملاء الصحفيين غير المتابعين للشأن الكنسي ولكنهم ينحازون بألوان يسارية شعبوية يَجِبُ ألاّ تظهر عند ممارسة العمل الصحفي.
في المقال السابق، كان محور الحديث هو توخي الحذر في التعامل مع المصادر للمتابعين لملف الكنائس المصرية، خصوصا مع انتشار خطاب متشدد ومتعصب من بعض الأفراد من داخل الكنيسة أو من قبل مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي هذا المقال نتعرض لحملة الابتزاز المتكررة التي يتعرض لها المسيحيين تحت دعاوى “نقض قرار البابا شنودة بمنع الزيارة للقدس”، وكأنه “وحي سماوي” لا يمكن الرجوع عنه وليس مجرد قرار إداري، يمكن تغييره بتغير الظروف، التي تغيرت ليس في هذه السنوات بل على مدار 30 عاما.
قرار البابا شنودة تراجع عنه بنفسه
يتعامل البعض سواء من الجماعات داخل الكنيسة، أو بعض الزملاء الصحفيين المؤدلجين مع قرار البابا شنودة بعدم الذَّهاب للقدس وقت معاهدة السلام في مارس 1979م باعتبار أنه قرار محصن ضد النقد ولا يمكن التراجع عنه، مع أن قرار وقف الزيارة للأراضي المقدسة، فرضه الأمر الواقع بعد هزيمة 5 يونيو 1967 في عهد البابا كيرلس السادس، ولما جاء البابا شنودة كانت الزيارات متوقفة بالفعل، إلى أن جاءت معاهدة السلام التي لم تكن لها شعبية بين تيارات الانغلاق السياسي المختلفة التي رفضتها، واتُهم الرئيس السادات وقتها بالخيانة، وكان رد البابا شنودة بأنه لن يدخل القدس إلا مع إخوته المسلمين وشيخ الأزهر، ليبعد المسيحيين عن مرمى نيران الاتهام بالعمالة والخيانة في حال الموافقة على طلب السادات.
دائما ما كان للبابا شنودة أبوابا خلفية حتى لأصعب القرارات ومنها هذا القرار، فرغم الموقف المعلن الذي تلقفته التيارات السياسية وأشادت به ومعه أطلق عليه “بابا العرب”، وأصبح من الصعب العودة منه رسميا، كان البابا شنودة يترك أبناء الكنيسة القبطية يذهبون للقدس كل عام وقت أسبوع الآلام وعيد القيامة، وبعدها يعودون وينشرون اعتذار في جريدة وطني الأسبوعية فيتم الصفح عنهم.
على الصعيد الكنسي كان قرار البابا شنودة المعلن هو حرمان المسيحيين الذين يذهبون للقدس من التناول، ولا يوجد في قوانين الكنيسة القبطية عقوبة تمنع الناس من التناول بسبب زيارة مكان بعينه خصوصا أن هذا المكان هو كنيسة القيامة -حيث القبر الذي وضع فيه المسيح قبل قيامته حسب الإيمان المسيحي- ونهر الأردن حيث اعتمد أمام يوحنا المعمدان، ورغم أن المسيحية لا يوجد بها “الحج” كفرض ديني كما في الإسلام فإن زيارة هذه الأماكن المقدسة كزيارة الكعبة وقت الحج في أثناء عيد الأضحى بالنسبة للمسلمين، بالتالي ترك البابا شنودة الباب الخلفي لزيارة القدس متاح ومعه اعتذار في جريدة وطني، فلم يلعن أنه ألغى القرار ولم يغلق الباب في وجه الأقباط، وتفادى المزايدات السياسية واتهامات “التطبيع” و”الخيانة”.
الوجود القبطي في القدس
وفقا لبروتوكول كنيسة الإسكندرية فإن البابا البطريرك هو الرجل الأول في مجمع الأساقفة، ويأتي بعد منه مَطْرَان القدس، الذي يرسم مَطْرَان مباشرةً، وليس أسقفا ثم ينتظر عدة سنوات حتى يترقى لرتبة المَطْرَان، أيا كان عمره أو ترتيب الأقدمية بين الأساقفة، كما هو الحال مع الأنبا أنطونيوس الذي رسم منذ عدة سنوات عقب رحيل سابقه، الأنبا إبرهام مطران الكرسي الأوشليمي والشرق الأدنى، ومن الطبيعي أن يدعو مطران القدس الذي يعيش هناك زملائه من مجمع الأساقفة لزيارة إيبارشيته كأي أسقف في أمريكا أو كندا أو أوروبا يدعو أساقفة من مصر لزيارته، وهو ما تم مع زيارة الأنبا رافائيل في أكتوبر الماضي.
وللكنيسة القبطية في القدس ممتلكات أشهرها دير السلطان وبه كنيستا الملاك والأربعة حيوانات، دير مار أنطونيوس شمال شرقي كنيسة القيامة، دير مار جرجس حارة الموارنة، كنيسة السيدة العذراء بجبل الزيتون، هيكل على جبل الزيتون، كنيسة مار يوحنا خارج كنيسة القيامة، كنيسة صغيرة باسم الملاك ميخائيل ملاصقة للقبر المقدس من الغرب، وحاليا مشكلة دير السلطان بين الكنيسة القبطية وكنيسة إثيوبيا، ومعها زار وفد رسمي من الأساقفة بتكليف من البابا تواضروس الثاني القدس أكثر من مرة مع تجدد الأحداث حول دير السلطان.
الزيارات تتم بعلم الدولة
نظرا لأن الوضع حساس فيما يخص زيارة القدس، فطبيعي لن يكون الباب مفتوحا للمواطنين المصريين المسيحيين، إلا بعلم وموافقة أجهزة الدولة، ولو كان هناك مشكلة لمنعت الزيارة بقرارات رسمية واضحة، وهو ما لم يحدث، لذا فالمزايدات التي تمارس على الأقباط عند زيارة القدس ليس لها معنى، خاصة وأنهم يلبون طلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن الذي قال في زيارة سابقة للبابا تواضروس إن الزيارة تدعم الفلسطينيين فهي تكون للسجين وليس السجان.
ومن غير الطبيعي أن يرفض قطاع من المصريين زيارة الأقباط للقدس باعتبارها تضر القضية الفلسطينية، بينما الرئيس الفلسطيني يدعوهم لزيارة القدس ويعدها دعم للفلسطينيين، فهنا تعد مزايدة رخيصة، وبها شبهة طائفية لمنع مواطنين مصريين يدينون بالمسيحية من زيارة أقدس الأماكن المسيحية التي عاش بها المسيح.
باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- الأمم المتحدة، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "الصحافة للحوار" مركز الحوار العالمي (كايسيد) لشبونة 2022.