الإصحاح الأول
“يَعْقُوبُ، عَبْدُ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، يُهْدِي السَّلاَمَ إِلَى الإثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا الَّذِينَ فِي الشَّتَاتِ”
(رسالة يعقوب 1: 1)
عن الصبر والفرح في التجربة
“اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ“
(رسالة يعقوب 1: 2)
التجارِب نوعان، تجرِبة من الشرير، وعن هذه أوصانا الرب أن نصلي قائلين ”ولا تدخلنا في تجرِبة لكن نجنا من الشرير“، وتجربة يسمح بها الرب من أجل نفعنا، التي يتكلم عنها يعقوب الرسول، بل ويطلب أن تكون مبعث فرح لأنها بمنزلة خطوة أخرى إلى الأمام ليس فقط في طريق ملكوت السموات، بل وأيضاً على المستوى الإنساني في هذه الدنيا، فهي مِثل فرح الإنسان الذي ينهي دراسته ويصبح لائقاً للتقدم للامتحان الذي يجيزه للترقي إلى أعلى، والتشبيه مع الفارق طبعاً لأن النمو في طريق الرب هو ”نعمة فوق نعمة“.
“عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ”.
(رسالة يعقوب 1: 3-4)
ثم يشرح الوحي المقدس السبب في اعتبار التجربة مبعث فرح، فالتجربة غالباً ما تصاحبها فترة ضيقة تتمثل في مدّة الضغطة للإعداد لامتحان ما سنجتازه، في هذه المدّة يُكرِّس المتقدِم للامتحان تركيزه ووقته لإضافة وصقل وتثبيت المعرفة لديه، متحلياً بالصبر، حتى يصل إلى قمة مستواه في العلم وقت الجلوس للامتحان.
هذا ما أشار إليه الوحي بأن الامتحان ”يُنْشِئُ صَبْرًا “. ثم يصف عمل هذا الصبر قائلاً أنه ”عَمَلٌ تَامٌّ“ لأن بواسطته يتحقق للإنسان الكمال إذ يتخطى نقائص كانت فيه ولم يكن ممكناً الوعي بها وتخطيها إلا بالصبر على الضيقة. لذلك فإن فرحة الإنسان الذي يجتاز مثل هذه التجربة بالرغْم من ضيقتها هي فرحة لا تُنسى.
الحكمة الإلهية خلال الضيقة
“وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ”.
(يعقوب 1: 5)
هنا يشير الوحي المقدس على لسان القديس يعقوب إلى أول سلاح لمواجهة التجربة والضيقة، أنها الحكمة النازلة من عند الرب خاصة في التعامل مع الضيقات.
الشك والارتياب في اتخاذ القرار
“وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ، لأَنَّ الْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. فَلاَ يَظُنَّ ذلِكَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ. رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ”.
(يعقوب 1: 6-8)
ثم يتعرض الوحي لمشكلة الشك والارتياب والتشتت بين رأيين يتصارعان، إنها مشكلة تتكرر عند جميع الناس، والمؤمنون في ذلك ليسوا استثناء. فكيف يثق الإنسان أن قراراته في التعامل مع التجربة هي من عند الرب وأنها الأفضل؟
ولقد وصل الأمر بالبعض إلى بدعة ممارسة ”القرعة الهيكلية“ فيجعلون قرارهم رهناً بما تسفر عنه القرعة على ورقتين باختيارين يضعونهما على المذبح في صلاة القداس، وقد تسببت تلك السلوكيات في مشكلات كبيرة للذين يلجئون إليها، والله منها بريء. أما المنهج السليم في اتخاذ القرارات الصعبة هو أن يطلب الإنسان حضور الرب في اتخاذ القرار وأن يشاركه فيه، بأن يسنده ويؤأزره ويبارك في اختياراته.
وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ
فالأيمان بالرب الذي يملأ القلب والعقل -حيث مكان تكوين القرار- هو ضرورة. أمَّا الاختيار، فهو أساساً اختيار الإنسان صاحب المشكلة وليس سواه. و الرب يكون حاضراً في اتخاذ القرار، فكما يقول الكتاب ”مَن التصق بالرب فهو روح واحد“، لذلك لا يدخل القلق إلى النفس عند هذا الإنسان، بل ولا يهتز لو كانت النتيجة في ظاهرها غير موفَّقَة، لأن الرب هو ”البانطوكراتور“ أي الضابط الكل. لذلك هو -سبحانه- يتكفل بالإنسان الذي اتكل عليه بإيمان وصلى إليه لكي يرشده في الاختيار.
الشعور بالذنب بسبب نتائج قراراتنا
أما عن الشعور بالذنب أو ملامة النفس بعد ذلك بسبب نتائج الاختيار إذا كان غير موفَّق بالرغم من طلب تدخل الرب في أخذ القرار في أثناء التفكير والبحث ودراسة المشكلة، فإن الوحي يطمئننا قائلاً ”طوبى للمؤمن الذي لا يدين نفسه فيما يستحسنه“ (رسالة رومية) بصرف النظر عن النتائج، فصاحب القرار ليس وحده في مواجهة المجهول لأن الرب معه.
القلق البشري عند الناس والسعي نحو ”الأفضل“
ونحتاج أن نبحث قليلاً في موضوع القلق البشري عند الناس عموماً مؤمنين وغير مؤمنين، فإن الأساس في القلق البشري إن الإنسان لا يرضَى بما هو متاح بسبب أنه دائماً طموح يسعى نحو الأفضل، وبديهي أنه دائما سيكون هناك أفضل، بالتالي فإن الأفضل هو غير محدود أو بمعنى آخر أنه ليس هناك أفضل غير الله لأنه الُمطلَق الصلاح.
وكما كتبت إحدى الصديقات نقلاً عن الكاتب “سي. أس. لويس” في روايته “عودة الرحال” مشيراً إلى حالة الحَيْرَة والارتباك التي تصيب النفس البشرية، فإنه يُرجِع أحد أسبابها إلى التشتت والتقلقل بسبب فكر مسيطر وموضوعه عدم الرضا لأني ”قد أحصل على الأفضل أو المزيد“ فيظل الإنسان في حالة ترحال دائم دون مستَقَّر أو استقرار، سعياً خلف المجهول لأنه لا يرضى علي ما حصل عليه و ماهو عليه. فلا هو قد استمتع بالحاضر ولا نال مبتغاه الذي لا يعرفه.
والعلاقة بين الرجل والمرأة واحتياجهما العاطفي كلٍ نحو الآخَر، هو مِن أكثر المجالات التي تَظهَر فيها الحَيْرَة عند الاختيار لأنها تختص بما هو غير مرئي مادياً من مشاعر.
وقد شاهدت هذا الارتباك المزمن في عدد لا بأس به كانوا في علاقات حب بشخصيات لا تشوبها شائبة، ولكنهم لا يقدرون اتخاذ خطوة الزواج أو الارتباط، بل يظلون لسنواتٍ معاً كأزواج دون زواج (هذه حالات في الخارج).
لذلك يطمئننا الرب يسوع بأنه يعطينا شخصه المبارك وهو ”الأفضل“ وليس كما يعطي العالم ”أتيت ليكون لكم حياة ويكون لكم أفضل… سلاماً أترك لكم سلامي أنا أعطيكم، ليس كما يُعطِي العالم أعطيكم أنا، لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع“.
الذين اختبروا الرب يعرفون جيداً معني أن ”يكون لكم أفضل“. أنهم يشبعون ويتمتعون بإحساس الرضا، دائماً مكتفون لأنهم ممتلئون بمَن هو ”الأفضل“. وبحسب تعبيرهم ”أن النفس الشبعانة تدوس العسل“.
إن ”أهل الطريق“ هم أعلى وفوق أي وكل خسارة تَنتُج عن اختيار كانوا يظنونه حسناً ولكنه لم يكن.
إنهم مطمئنون في كل حال وعلى كل حال، وتنسكب الطمأنينة كصلاة من قلوبهم بالرغم من الخسارة قائلين ”فلنشكر صانع الخيرات علي كل حال…”.
لذلك هم أمام الضيقات قادرين على اتخاذ القرار دون سجس فكر أو شوشرة رأي يتوه بحثاً عن الأفضل، إنهم ينعمون بحياة الرضا والسلام النفسي الإلهي من جهة اختيارهم، بالرغم من أنه مُحال أن يكون هناك الأفضل المطلق في هذا العالم من جهة ذلك، بل فقط وكما شرحنا لأن اختيارهم كان ”في المسيح“.
فالمسيح فقط هو ضمان ”الأفضل“ في هذه الحياة. ومكتوبٌ أيضاً أن المسيح ”يملأ الكل في الكل“. فالمسيح يملأ كلَ إنسان قد التصق به. يملأه بكل الملء مهما كان هناك نقص أو خسارة أو ضيقة بسبب اختيار أو قرار منه أو مِن آخر. بل أقول طوبى/ و يا بخت مَن اختار العَوَض في المسيح عن خسارة أعتاد هذا العالم أن يأتي بها على كل مولود امرأة فيه.
تباين حدود السَّعَة عند البشر
ولكن يبقى بعد هذا الشرح أن نتطرق إلى موضوع “حدود سَعَة الإنسان” النفسية والعقلية والبدنية والروحية والشخصية التي قد تَزَّوَد بها منذ ولادته ليستطيع أن يتحمل ما يقابله من الضيقة الناجمة عن النقص أو الخسارة التي تواجهه، ومن ثمة، فإن عليه أن يأخذ قراراً بشأنها.
وقد يكون أحد هذين العاملين (أي سَعَة الإنسان واحتماله/ أو شدة الضغوط عليه) كارثياً، بمعنى أن يكون هذا الإنسان ليس لديه السَّعَة والطاقة -نسبة وتناسب- مع هذه الضيقة. أو أن الضيقة نفسها كانت كارثية وتتعدى حدود أي إنسان مهما كانت طاقاته.
هنا تكون الحاجة لوسائل أخرى أوجدها الله للمساعدة في ضبط حياتنا في هذا العالم لمحاولة إعادة الاتزان لنفوسنا، مثل العدل البشري والمحاكم المدنية لرد الظلم، أو ضرورة البُعد عن مصدر الخسارة والضرر مثل الانفصال والطلاق في الزيجات المدمِّرة.
باختصار فإن الوحي المقدس على لسان يعقوب الرسول قد تعرض للجانب النفسي والروحي لمشكلة القلق النفسي والتذبذب في الاختيار واتخاذ القرار في درجته وصورته العامة. ولكن كل ما أستعصى بعد ذلك من قلق، فربما يقع في نطاق العلاج النفسي ونعمة الله على الإنسان بواسطة علم الطب كوسيلة لتخفيف معاناة الإنسان في هذا العالم . (يُتبَع)
والسبح لله.
بقلم د. رءوف إدواردر