Search
Close this search box.

ربحت محمد ولم أخسر المسيحأرجوك عزيزي القارئ لا تغضب سريعًا بسبب عنوان المقال، فأنا لم أضع سوى اسم “إليزابيث” إلى جوار عنوان أحد الكتب التي بالتأكيد لا تخصني. “ربحت محمدًا ولم أخسر المسيح“، هو عنوان كتاب من تأليف : دريد إبراهيم الموصلي، عن قصة إسلامه، وذكرني بخصوص هذا الكتاب أن أكشف لك أمرًا هامًا يخص قصة إسلام كاتبه بنهاية المقال، إذا كنت تملك سَعَة الصدر لتكملته.

أما بخصوص “إليزابيث”، ملكة انجلترا، فالأمر يتعلق بخبر انتمائها إلى نسل النبي محمد الذي تصدر مواقع التواصل الاجتماعي والصحف بعد وفاتها بساعات قليلة على نطاق واسع من جديد. نعم، من جديد، حيث إن الخبر في حقيقة الأمر قديم ولم تكن المرة الأولى التي يظهر فيها على السطح أو تتناوله وسائل الإعلام الغربية والعربية.

إليزابيث.. ربحت محمدا ولم تخسر المسيح 2الخبر يتناول فرضية لـ”هارولد بروكس بيكر” الصحفي والناشر وعالم الأنساب بأن “إليزابيث” من نسل النبي “محمد” حيث ربط الملكة بنسل الأميرة المسلمة “زائدة” وهي زوجة الفاتح (الملقب بالمأمون) وأصبحت فيما بعد محظية الملك “ألفونسو السادس” بعد أن هربت من إشبيلية. فمنذ عام 1986 حين نُشر الخبر أول مرة، عاد للظهور مرات عدّة وتناولته صحف عالمية مختلفة. أما على المستوى المحلى فأشهر التصريحات كانت تلك المنسوبة للدكتور مفتي الجمهورية السابق بأنها فعلًا من نسل النبي محمد.

السؤال هنا: هل ذلك الخبر صحيح أم لا؟
لا تقلق سوف اترك لك إجابة ذلك السؤال أيضا إلى جوار ذلك الأمر المهم الذي نوهت عنه بالبداية، لكن لنعود الآن لرواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين انقسموا ما بين فريق الأقباط الرافض للخبر وفريق المسلمين المبارك للخبر وأخذوا يناوشون كثيرًا حوله.

إليزابيث.. ربحت محمدا ولم تخسر المسيح 4– إوعي، سيبي اللعبة بتاعتي..
– ﻻء، دي بتاعتي..
– يا سلام ياختي!!

(أوبريت: “اللُعْبَة”، كلمات: “صلاح جاهين)

ولكن الغريب في الأمر أن أول مرة يتفق الفريقين في “معركة الترحم” وعلى غير المتوقع نالت إليزابيث الكثير من الترحم من الفريقين؛ من فريق المسلمين باعتبارها حفيدة الرسول ومن فريق الأقباط كملكة مسيحية تحمل تاج يزينه الصليب على رأسها، تناغم الفريقان في مشهد تقشعر له الأبدان! فلم نسمع التساؤلات المعتادة التي تسبق الترحم حتى يكون  “الترحم في الجون”.

فأنت لست فقط مسلم بل مسلم سني أو شيعي، وهو ليس فقط مسيحي بل مسيحي أرثوذكسي أو كاثوليكي أو ي، كل طائفة تمنحك درجة ترحم مختلفة ولابد وأن تكون دقيقة حتى لا تكون رحلتك للآخرة محفوفة بالمخاطر ودخولك إلى جنتك أو فردوسك مرهون بترحم “أبو عجوة الترشويلي” الذي رفض أن يترحم عليك حين أخبرته “أم عزة كيداهم” أنه لا يجوز الترحم عليك لأنك عشت أيامك على الأرض تلعب لمصلحة الفريق (الغلط)، على حد قولها.

من حسن حظ إليزابيث أن الأمر لن يعنيها الآن كما لم يعنيها من قبل، فإليزابيث لم تشبه تلك الدمية التي كان يتناحر عليها الشقيقين في أوبريت “اللعبة”، اللعبة التي يمزقونها نتيجة صراعهم عليها حتى تخرج منها “نيللي” لتخبرهم: “العبوا مع بعض ما تتخانقوش“.

على عكس الطفل شنودة صاحب الأربع أعوام الذي يتناحر عليه نفس الفريقين اليوم، ولكنه ليس من عائلة حاكمة حتى لا يعنيه الأمر بل هو بلا عائلة من الأصل. تركته أسرته الأولى في أرضية دورة مياه إحدى الكنائس يرتجف وحيدا، ونُبذ من أحد أفراد أسرته الثانية بعد طمعت ابنة عمته في مال لا يخصها، وللأسف عاقبته أسرته الأكبر متمثله في وطنه حين رأت أن حضن مسلم مشترك داخل دار أيتام أفضل من حضن مسيحي خاص بأمه البديلة التي لا تملك من الدنيا أبناء إلا هو. وبدورنا لن نستطيع إلقاء اللوم على طرف دون الأخر، فبالتأكيد “الغلط طال الجميع” من أول كاهن الكنيسة الذي أخطأ حين أخذ الطفل إلى أم بديلة بدلا من أن يُبلغ الشرطة عن الواقعة ومن ثم يساعد الأسرة على تبنيه أو كفالته بشكل رسمي.

“اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ!”

(إنجيل متى 7: 13)

فلماذا إذا لم تدخل الكنيسة من الباب الضيق في تلك القضية واختاروا الأوسع والأسرع وأقلهم متاعب؟

وللأسف لقد صار هذا “الواسع” بحكم المعتاد، فلا أعتقد أنهم أيضا اختاروا الباب الضيق حين قرروا إنشاء نادي تابع للكنيسة وله فريق كرة قدم خاص به. فبدلا من مقاومة العنصرية في نوادي مصر، قرروا أنه من الأفضل كل واحد يلعب بكورته! لذلك كان من الطبيعي عدم رضاء الكثيرين عن الفكرة لأسباب وهواجس تتعلق أيضا بهؤلاء اللاعبين الذين سوف يتحملون ضغوط وأعباء وتراكمات وطن بِرُمَّته. وللأسف معاناتهم حتمية، ففي كل مرة سوف ينزلون فيها إلى أرض الملعب سواء ربحوا أم خسروا النتيجة واحدة، ونحن جميعًا نعلمها دون إن ننطقها علنًا، فالأمر محسوم مثلما كنت ألعب “الأتاري” مع أحد أقاربي الذي كان يصغرني بتسع سنوات وحين كنت أكسبه كان يضربني وكان والديَّ يطلبون مني أن أخسر له وحين كنت أخسر كان أيضا يضربني (لأني مش بلعب عدل).

على أي حال، الطفل شنودة سوف يكبر معتقدًا أن الله لم يحبه كفاية حتى جعله كرة بين فريقين في لُعْبَة لم يختارها.. بل فُرضت عليه.

كم كرهت كرة القدم، أشجعها شهورا وأنبذها سنوات. فأنا أميل للقصص الإنسانية وليس لكرة القدم بحد ذاتها، أُحب القصص التي تدور حول كرة القدم وهؤلاء اللاعبين الذين ينتمون لأسر بسيطة ولكن أحلامهم كانت كبيرة. لذلك أحزن عندما تنتهي تلك القصص بتعصب وعنف. فأنا أشجع القصص، أُشجع الإنسان الذي يحيا تلك القصص، وليس إلى أي من الفرق ينتمي. ولكنى قبل أن أخذ أنفاسي الأولى في هذا العالم وجدتهم فعلًا اجتذبوني إلى أحد الفرق مسبقًا.

ليس من السهل أبدا أن تكتشف منذ نعومة أظافرك أنك تنتمي لفريق زمالك الأديان، المسيحية والإسلام في مصر هما أهلي وزمالك الأديان، الاثنان يلعبان بنفس الدوري ويحملان نفس الجنسية ويتشاركان كل شيء في الوطن معا، إلا “اللعيبة”! فانتقال لاعب ما بين الناديين هو بمنزلة إعلان حرب. تخيل عبور” شيكابلا” من الزمالك إلى الأهلي، تخيلت !!! (صعبة بس حاول)، تخيلت ماذا سيفعل به جمهور الزمالك عندما يتركهم؟! تخيلت الاحتفاء الذي سوف يلاقيه في الأهلي بادئ الأمر كيدا في الزمالك! طب تخليت أنهم بعد ذلك سوف يتخلون عنه تدريجيًا لأنه خان فريقه، ومن الممكن أن يكررها فلذلك سيعاملونه كخائن وبالنهاية سيكون منبوذا من كلا الفريقين إلى الأبد. و لماذا التخيل؟ راجع ما حدث مع لاعب الزمالك سابقًا والأهلي حاليًا “كهربا”. فهكذا هي قصة أي شخص يفكر في ترك فريقه الديني ولو بشكل مؤقت حتى لو كان في رحلته لاكتشاف ذاته.

للأسف لم يكفيهم التناحر على الأحياء بل حتى الأموات لم يتركوهم وشأنهم، فمجرد أن ينتقل أحد أبناء هذا الوطن إلى “دار الأخرة”، يبدأ الفريقين في التسخين والنزول إلى ملعب الإيمان متمثلًا في “أن فلان الفلاني المتوفى حديثًا من فريق الخَصْم مات وهو ينتمي إلينا سرا”، لذلك سمعت همسًا عن تنصر الشيخ الشعراوي قبل وفاته وسمعت أنت عن إسلام ال قبل وفاته أيضا، مع بحث الفريقين الدائم عن مشاهير العالم على أي دين ماتوا، فتلك القصص لها وقع خاص على قلوب المؤمنين من الفريقين.

ما يدفعك للحيرة إن الفئة التي تبحث وتلهث دائمًا وراء تلك النوعية من المعرفة ليسوا لاعبين من الدرجة الأولى، فهم انتساب (من منازلهم). فالأغلب تلك الفئة ليسوا على استعداد أبدًا لخوض غمار رحلة شك وبحث عن إيمان حقيقي يتبعون. فهم قانعون بما ولدوا عليه وقرروا أن يتركوا الأمر هكذا، لذلك يسعدوا كثيرًا حين يسمعوا أن أحد الأفراد من الفريق الآخر انضم لفريقه. فليس هناك أكثر سعادة من ذلك المسلم حين يسمع بإسلام فلان أو علانه، وذاك المسيحي عند تنصر فلان أو علانه، فبالنسبة له ذلك بمنزلة إعلان واضح أنه على حق دون بحث أو تقصي من جانبه، فهو على اعتقاد أن العابر إلى فريقه بحث ودرس وأيقن أن هذا هو الدين الحق. لذا هو نفسه استقى إيمانه من إيمان شخص آخر وعلى رأي جدتي الله يرحمها “القرعة تتباهى بشعر بنت أختها”.

بمناسبة ذكر جدتي الله يرحمها (خليتك تترحم وأنت مش واخد بالك- ضحكات شريرة متقطعة) عندما كان عمري 5 سنوات وكنت معها في إجازتنا الصيفية بالإسكندرية ألعب بحديقة الشقة التي كانت تربط مطابخ الشقق المجاورة ببعض، وكنت ألعب مع صبي يكبرني قليلًا وسألني إذا كنت مسيحية أم مسلمة لأني إذا كنت مسيحية فأنه لن يستطيع اللعب معي، نظرت له بتعجب ولم أعرف فالكلمتين يبدو متشابهتين وكلاهما يبدأ بـ(مس)، إذا فلا بأس أن أكون مسلمة حتى نلعب سويًا. بعد انتهائنا من اللعب ذهبت لجدتي التي بدا عليها الضيق حين علمت إن الصبي سألني ذلك وأفهمتني أن من العيب أن نسأل أحد عن دينه قائلة نصًا: “واد قليل الحيا” وأخبرتني أني مسيحية وأن كل ما تعلمته من (“أبانا الذي” وعن: ماما العذراء) يدل على أني مسيحية، حزنت بالطبع لأنه لن يلعب معي ولم أفهم لماذا، فأنا ابنة منطقة “الضاهر” حيث في أغلب البنايات الطابق الواحد يسكنه أسر من ديانات وثقافات وأصول مختلفة. لذلك لن أقتنع يومًا بالتناحر بين الفريقين، ولن أفهم يومًا فرحة هذا بإسلام ذاك ولا سعادة تلك بتنصر هؤلاء.

وهنا نعود لإجابات الأسئلة التي تنتظرها منى عن كتاب “ربحت محمدًا ولم أخسر المسيح” والآخر عن حقيقة أصول الملكة إليزابيث الدينية؟
لن أخفي عليك، أن كنت ما زلت تنتظر مني إجابة حتى هذا الجزء من المقال فسوف يحزنني ذلك كثيرًا.
لان في الواقع إجابتي لك هي: أنا لا أهتم.. نعم… أنا لا أهتم.

ولكني أعرف أن بعضهم أو بعضكم يهتم أن يعرف عما يدور ذلك الكتاب، الذي لم أقرأه، ولن أقرأه، ولا يهمني أيضا أن أعرف الأصول الدينية لملكة انجلترا، ولا مين مات مسلم ولا مين مات مسيحي ولا يهودي و لا بوذي، ببساطة أنا لا أهتم. فأنا أعيش تجربتي الخاصة المليئة بلحظات الشك ولحظات الإيمان من أقصى اليمين إلى أقصى ، وفى حالة بحث دائم عن إنسانيتي بين جميع تلك الفرق المتناحرة في هذا العالم. لذلك وضعت لك تلك الإجابة هنا في أسفل المقال حتى إذا كنت من أصحاب الباب الواسع والطرق المختصرة وليس لديك الوقت لتسمع رأي آخر فسوف تنزل لأسفل المقال بسهولة لتجد إجابتي تختصر عليك الوقت وهي:

أنا لا أهتم.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟