قبل أسبوع، كنت في الإسكندرية، وقررت مع مجموعة بنات صديقات أن نتمشى على الكورنيش مثل مخلوقات الله، نستمتع بما تيسر من هواء. كانت معنا بنت ترتدي “بلوزة كت” وبنطلون واسع، وأخرى ترتدي فستانًا طويلًا نصف كم. كان لبسهن عاديًا جدًا، ولا يحمل أي شيء يستدعي لفت النظر، وكان مناسبًا للمكان والجو.

كانتا كلتاهما تمشيان أمامي، وفجأة وجدتُ سيدة ترتدي “جلابية سوداء” جالسة متربعة بجوار زوجها، الذي كان متربعًا هو الآخر على سور الكورنيش ويلعب في أصابع قدمه في أمان الله. فجأة، زغدته كأنها رأت شيطانًا، وبصوت واضح جدًا قالت له وهي تشير إلى البنات: إيه القرف ده؟ إيه الأشكال الضالة دي؟ مع تعبيرات وجه شديدة الشر والنفسنة. ثم فردت جذعها لتراهم جيدًا. وكان واضحًا لو الأمر بيديها، أو لا توجد عواقب، لكانت شدتهن من شعرهن.. كل ده حصل في ثواني..

تسمرت في مكاني لبرهة.. وبعدها قررت أن أنظر إليها بنفس نظرة الاحتقار؛ من فوق لتحت، وأتفحص ملابسها وشكلها كرسالة مبطنة معناها: “ما ترينه “قرف”، قد يرى غيرك شكلكِ مقرفًا أكثر ولا تستحقين الوجود في نفس المساحة”.. عندها انتبه زوجها وزغدها وقال لها: بس!. ارتبكت قليلًا وفهمت أن البنات “وراهم ناس”، لكنها كانت تحدق بي بنفس البجاحة. بعدها أدارت وجهها للناحية الأخرى، وأنا خبطت كفًا على كف، ومشيت.

بحكي المشهد ده كله ليه؟ عشان أقول إننا طول الوقت بنزعل من الناس اللي قفلت على نفسها 100 باب وباب..
فيلا جوه كومباوند جوه منطقة سكنية جديدة، جوه مساحة مختلفة.. بحر جوه منطقة ساحلية، جوه كومباوند تاني، متفرع منه كومباوند تالت، بكيو آر كود، وحق ملكية لمساحة في الأصل خلقها ربنا لكل الناس..

هل أنا مؤيدة ده؟
أبدًا..

أتمنى من كل قلبي تكون أي مساحة في مصر، مش بس الساحل الشمالي، تبقى فيها ناس مختلفة تمامًا شكلًا واجتماعيًا ودينيًا وفكريًا.. لكن كلهم متقبلين بعض.. من غير سلوكيات غوغائية وسرسرجية واستحقاقية متغلفة بأي غلاف ديني أو تقليدي أو عاداتي.. اللي تلبس بكيني حرة، واللي تلبس جلابية حرة..

هل ده بيحصل في أي حتة في مصر؟
الحقيقة لأ..

لأن في فئة فارضة أفكارها وعاداتها على الكل وعايزة الناس كلها تمشي على كيف كيفها زي الست والراجل اللي حكيت عنهم.. قاعدين مستربعين على سور كورنيش إسكندرية مفرشحين الأرجل وشايفين نفسهم محمود عبد العزيز في فيلم إبراهيم الأبيض.. محدش هيعدي من هنا إلا لو لابس زينا، وبيفكر زينا، إحنا الصح، وإحنا المتربيين الجدعان، وما دون ذلك: مناظر وأشكال تقرف..

هل دول حالة استثنائية؟
برضه لأ..

كل الشواطئ العامة والاقتصادية بقت مكان آمن لناس، وناس تانية متقدرش حتى تهوب ناحيتها..
تخيلوا بنت بشعرها لابسة مايوه قررت تروح شاطئ عام في إسكندرية أو جمصة أو بلطيم أو بورسعيد..
تخيلتوا المشهد؟

طيب هل ده مجتمع سوي؟
أكيد لأ.. لا ده مجتمع سوي ولا دي عيشة..

لكن لحد ما يبقى عند الدولة مشروع ثقافي وإنساني حقيقي، يبدأ من القضاء على السلوكيات دي، أو تحجيمها، وعلى رأسها التحرش، مرورًا بكل أشكال المضايقة والتطفل.. والقضاء على أي خطاب يحقر من أي إنسان مختلف أو يشوف الأفضلية عنده لمجرد أنه أو إنها لابس/ة لبس معين لسبب ديني أو اجتماعي.. مشروع يفهم المواطن/ة اللي جاي من قرية أنه مش عايش لوحده، بالتالي أخلاق القرية مش هي أخلاق الكون، وأنه مجبر يطاطي ويبعد نظره عن أي واحدة لبسها مش عاجبه لأنها ببساطة حرة زي ما هو حر..

مشروع ثقافي حقيقي، وفي نفس الوقت يفهم المواطن اللي ساكن في ڤيلا جوه كومباوند، خريج مدرسة بمليون جنيه؛ أن معندوش أي أفضلية إنسانية تخليه يبص لغيره باستحقار أو تعالي.. وأن الظروف القدرية بس هي اللي خلت واحد يتولد في مكان فيه كل حاجة مرتبة ومتوفرة، وواحد تاني يتولد في مكان مقفول عليه بالضبة والمفتاح ومعهوش حتى تمن أكل يومه..

لحد ما ده يحصل..
للأسف مفيش حل غير كل واحد يلزم طبقته والدواير اللي شبهه..
ونبطل كل سنة حكاية الناس الأشرار اللي راحوا الساحل والناس الطيبين اللي في الشواطئ العامة..
لأنهم ببساطة مش طيبين ولا حاجة..
وإذا أتيحت لبعضهم الفرصة يقابلوا الناس اللي بيكرهوهم من طبقات وأفكار تانية هيمارسوا عليهم نفس السلوكيات المهينة والاستحقاقية..
ومضطرين نعترف إن كلنا صنعنا دواير جوه دواير..

ومتصدقوش الناس والإعلاميين اللي بتتكلم ليل نهار عن حق الفقير في دخول أي مكان وهي أول ناس بتحمي أولادها بالتعليم غير الحكومي، وأول ناس لو شافوا شخص يبدو عليه الفقر أو الجوع مستحيل يدخلوه دوايرهم ويمكن يحتقروه ويهينوه كمان..

أقول قولي هذا، وأنا متأكدة إذا قررت أروح الساحل أو أدخل أي دايرة مش شبهي ممكن جدًا اترفض، أو اتطرد أو يتمارس ضدي إقصاء زي ناس كتير غيري.. لكن أنا متصالحة مع نفسي ومع قناعاتي وسلوكي الناتجة عن ظروف المجتمع، ومعنديش استعداد أكذب على نفسي وأقول لا يمكن استبعد ناس معينة من محيطي وكلنا واحد.. متصالحة مع ده فبروح أماكن تشبهني وتشبه طبقتي.. ويؤسفني أسف شديد أقول إني قبل ما اختار أي مكان فيه بحر ببقى متأكدة مليون في المية عدم سماحه ببعض الأشياء اللي بتتصادم مع قناعتي عن البحر..

يعني آه.. أنا كمان بشكل أو بآخر بمارس طبقية تجاه طبقات تانية..
محدش هيعترف بده..
لأن أسهل حاجة نقول البحر للجميع وكل الناس من حقها تدخل أي مكان..
كلام جميل وطيب وبيأكل عيش..
لكن محدش بيتكلم عن الضمانة اللي تخلي الناس تحترم اختلاف بعض في اللبس والشكل ونمط الحياة..

ولحد ما الضمانة دي تبقى موجودة..
للأسف هنفضل نقفل على نفسنا دواير تشبهنا، لئلا نتحول في يوم من الأيام للست الحيزبونة اللي شايفة واحدة لابسة “بلوزة كت”: منظر يقرف.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 1 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

مارسيل نظمي
[ + مقالات ]