من كتر ما قابلت الفترة اللي فاتت، وشوفت ناس كتير من صحابي مكتئبين، بس كل الفرق إن ماحدش عارف، ففكرت بجدية أكتب عن اﻻكتئاب بشكل دوري بعنوان “ما علمتني إياه العتمة” عشان أحكي فيه عن الاكتئاب واللي بيحصل فيه، وإزاي الإنسان يتعامل معاه.

أكتر حاجة فرقت معايا في اكتئابي كانت جملة من صديق لما قعدت اشتكيله إني مش قادرة أخرج، مش قادرة اشتغل، مش قادرة أقابل صحابي، والدكتورة عمالة تقولي لازم تنزلي. وإني مش حاسة بأي شغف أو معنى أو حتى هدف أسعى له.

قعد يسمعني ويهز رأسه اللي هو آه، عادي تحسي بكده، وده كان مهم، لأني كنت حاسة أن محدش فاهم، كله بيقولي نصايح مش قادرة أعملها، وبعدها قال: عادي أنا كمان مريت بده وقعدت شهور في البيت ولكن في يوم ما هتصحي فجأة وهتلاقي إنك قادرة وهتلاقي إنك عايزة تنزلي وأن الوقت ده عدي وعارف إنك استحالة تصدقي ده دلوقتي لكن عايزك بس تحطيه في عقلك وتفتكريه يوما ما هتصدقيه.

وقتها ماكنتش مصدقة خالص، بس دي كانت المرة الأولى اللي أحس أن اللي قدامي فاهمني وفاهم أنا بمر بإيه، وعاشه قبل كده وبقى كويس.

أنا دلوقتي بقيت مصدقاه، في النهاية بعد فترة صعبة في يوم صحيت بقيت عايزة أرجع أنزل، وأخرج، واشتغل، وأسافر -أشكرك يارب- وعلشان كده حبيت أبدأ بالمقدمة دي.

يوما ما؛ هتبقي كويس، وهترجع تضحك، وتخرج، وتنجح، وتقابل صحاب، وتسافر، صدقني الوقت ده هييجي، هون على نفسك… الاكتئاب بيحسسك إنك في حفرة عمرك ما هتطلع منها، خلاص حياتك انتهت، خلاص خسرت وبتخسر كل حاجة … ده مش حقيقي، صدقني مش حقيقي.

كلنا حسينا ده وكلنا عدينا وهنعدي من ده.

ناس كتير بتفكر إن الاكتئاب عكس الفرح، يعني الواحد لو عمل الحاجات اللي بيحبها هيبقي مبسوط والاكتئاب هيروح، وهييييه، الموضوع بسيط أهو.

مع احترامي جدا للفكرة بس الحقيقة الموضوع أعمق بكتير من كده. يعني المكتئب آه من ضمن الحاجات اللي بيعاني منها الحزن المستمر، لكن ده مش السبب، ده مجرد عرض، فأنت لما بتعمل أي حاجة تفرحه، أنت بس مجرد بتعالج عرض مش سبب… المحزن أكتر إن المكتئب لو مارس كل هواياته والحاجات اللي كان بيموت عليها ولا هيحس بأي حاجة! وده بيزود احساسه بالذنب واحساسه بالضياع.. وأنه خلاص عمره ماهيعرف يرجع تاني.

الاكتئاب جذر من جذوره هو فقدان المعني.
المكتئب بيفقد المعني في أي شيء، وكل شيء.
كل حاجة مالهاش طعم، مالهاش سبب.
هانزل ليه؟ هاشتغل ليه؟ هاحب ليه؟ هأقرب من الناس ليه؟

أسئلة كتير بتحاصره، وللأسف دايما إجابته بتكون: مافيش سبب يخليني أعمل كده، مافيش معنى لا لحياتي، ولا ليّ، ولا لشغلي، ولا لعلاقاتي، ولا لمحاولاتي… فبيبدأ ينعزل وينفصل تدريجيًا عن الواقع.

المكتئب بيفقد ألوانه، لون لون، وفجأة مش بيكون شايف غير الأسود، والأسود ده بيلون شخصيته وذكرياته، بل كل أحداثه، يعني أي حدث، مهما كان مبهج، هو شايفه بنضاره سودة قاتمة كلها سلبية وحزن وحسرة “غصب عنه”.

نضارة سودة وسماعة على ودانه، أنت عمال تقول له: حاول، أخرج، أنا بحبك، ماتسيبش نفسك.

هو سامعك: ضغط، تأنيب، وجع، مابقوش بيحبوني، ماحدش قادر يستحملني، ماحدش فاهمني، لو مت هيرتاحوا، لو مت الحياة هتمشي أنا تاعب اللي حواليّ، أنا عبء ….. متخيل الضلمة، متخيل الوجع اللي هو فيه! أنا مش ببالغ صدقوني، ده بالظبط اللي بيدور في مخ المكتئب.

فلو أنت مكتئب، أو لو تعرف حد مكتئب، حاول بس تدور على معنى، سبب للحياة، للمحاولة من جديد. سبب يخليه يسيب سريره ويرجع ينخرط تاني في العالم اللي هو من وجهة نظره بقي شايفه “موذي” فقط.

أنا بحاول أوضح جزء من معاناة مريض الاكتئاب، وبحاول أوضح لكم إن الموضوع مش أنه يعمل حاجة بيحبها ولا ينزل يصلي، دي كلها أفعال، الموضوع أعمق بكتير.

ولذلك، الموضوع بياخد وقت، وبيحتاج رحلة يمشيها، قد تطول لسنين على فكرة، ولكن اللي يخليك تفرح شوية يا صديقي المكتئب، إن جزء من خوفك إنك فقدت نفسك القديمة المبهجة النشيطة الناجحة ومش عارف ترجعها، لكن صدقني وعن تجربة لما بتمشي الرحلة دي بتطلع إنسان أفضل بكتير، انسان لقى نفسه بعد توهانه.

إنسان وصل لأعمق حته في داخله، وفي مخاوفه، وانتصر وقام، وعرف معني حياته، عرف أن الحياة تستحق، تستحق بجد تتعاش، بحلوها ومرها.

قلبي معاكم.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 5 حسب تقييمات 2 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

ميرنا عادل
[ + مقالات ]