ذات يوم أعطاني شخص أحبه صندوقًا مليئًا بالعتمة، تطلب مني الأمر سنوات لأفهم أنها أيضًا كانت هدية. [1]

(ماري چين أوليڤر، فوائد الحزن)

الحقيقة أنا بدأت أشوف عتمة الاكتئاب جزء أصيل في نضج الإنسان، اللي  بيمر بالمرحلة دي سواء استوعبها وحط لها اسم الاكتئاب أو لا.

الاكتئاب هو إحباط شديد، لما الإنسان منا يستوعب إن الحياة المثالية اللي كان راسمها لا تتطابق مع واقعه.

والاكتئاب على قد ماهو مؤلم جدًا، ولا أستطيع أن أقلل من هذا أبدًا، لكن أيضا نستطيع أن نستخدمه لفايدتنا.. ازاي؟

الاكتئاب بيخليك تعرف أن على الأقل، الواقع اللي أنت عايشه، أنت مش راضي عنه، وده بيخلينا نرجع نفكر؛ أنا مين أصلًا؟ وعايز إيه؟ وأوصل إزاي للي أنا عايزه؟… هنا بيبدأ التغيير وبيبدأ النضج.  على سببل المثال أنا اكتئابي عرفني كويس جدًا إيه اللي أنا مش عايزاه، سواء بقى شغل، علاقات، نمط حياة.

فأنا معاك أن العتمة مخيفة ومؤلمة ولكن العتمة بتعلمك كتير عن نفسك واحتياجاتك… بتعلمك إزاي بدل ما تقعد تستنى حد يفتح الباب ويخرجك، إنك على الأقل تولع شمعة.

كل شخص أذاني… كل شغل رفضني… كل تجربة مؤلمة… كل محاولة فاشلة… كل ده أهداني عتمة،
ولكن بشكل ما، العتمة دي أضاءت روحي، ووصلتني لنضج أكبر، وصلتني إزاي استوعبها في داخلي وانطلق منها للنور وتقبل الحياة بحلوها ومرها.

ومن العتمة هنقل لحاجة تاني بنعملها مع مريض اﻻكتئاب، ﻷن في أوقات كتير بنحاول نساعد اللي قدامنا بس بطريقة غلط بتبوظ الدنيا أكتر، مريض الاكتئاب مش عايز، بل مش قادر، يسمع عبارات زي: قوم… اتحرك… خليك قوي… انزل اشتغل… ماتسيبش نفسك للحال ده… قدر اللي في ايدك… أنت أحسن من غيرك.  بالرغم أن الكلمات دي خارجة من ناس بيحبوه وعايزين يساعدوه ولكن بشكل مؤذي جدًا، الكلمات دي بتغرقه أكتر.

الوقت اللي فات كان فيه مثال أنا بقوله دايمًا لأي حد يتكلم معايا: أنا حاسة إني في نص البحر والموج عالي وأنا بغرق، الناس “صحابي وأهلي” على الشط عمالين يزعقولي إني سايبة نفسي أغرق ومستغربين أنا مش بطلع ليه ما أنا بعرف أعوم، بس أنا رجلي مربوطة بحاجة تحت المياه بتشدني لتحت.. عشان كده أكتر ناس فرقت جدا جدا، إن الوقت ده يعدي، هي  الناس اللي سمعتني من غير أي حكم وتفهمت أنا بمر بإيه، الناس اللي ماكنش عندها كلام تقوله فكانت بتبعتلي بس تقولي إنها فاكراني وبتصليلي.

في جزء من أصحابي بدأ يسرش ويسأل شات جي بي تي ازاي يقدروا يتعاملوا معايا ويساعدوني (شكرًا من قلبي)،  البيئة اللي حوالين المكتئب أهم بكتير من أي دواء ممكن يأخده، والأهم فعلًا أنه يلاقي ناس بتحبه مش بتلومه، بتساعده بهدوء سواء بصلاة أو قعدة هادية أو حتي تعزمه على أكلة بيحبها… تجيبله ورد… تجيبله هدية… تشاركه وتحاول تخرجه من سريره بالراحة ومن غير ضغط… تفكره بنفسه ومهاراته… الأهم تؤمن بيه وتصدق أنه هيعدي هو بجد بيعدي بسبب إيمانكم ده.

كل حد عمل معايا كده أنا مش ناسياه.

هوامش ومصادر:
  1. ماري چين أوليڤر، فوائد الحزن، 2007، ترجمة ضيّ رحمي. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 3.4 حسب تقييمات 5 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

ميرنا عادل
[ + مقالات ]