في العام 2012 كتب خالد البري؛ الكاتب المصري الصعيدي، مقالًا بعنوان “تحضر الغيبيات تغيب الحضارات”، وبدأ مقالته بتعريف كليهما فقال:
التفكير الغيبي ليس مرادفًا لـ«الإيمان بالغيبيات». التفكير الغيبي، نمط في تفسير الأمور وتحليلها لا يرتكز على معطيات واقعية، إنما يُرجِع الأمر دائمًا إلى قوَّة تتجاوز إدراكنا الحسِّي، من أول «ربنا عايز كده»، إلى «تلاقيه يا أختى مربوط». المشكلة أن بين العبارتين حبلًا مكدَّسا بالعُقَد، وحياة مزدحمة مكدَّسة باللا مرئيات، ومستودعًا لقرون من الجدل، ومن الموروثات، ومن الحِكَم ومن الخزعبلات. أما أخطر ما في هذا التفكير فهو التلقين.(خالد البري، تحضر الغيبيات تغيب الحضارات)
ولأن تاريخ المقال ليس بالحديث، قلت أسأل (جيمناي) ما رأيه فقال الآتي:
التفكير الغيبي ليس مرادفا للإيمان بالغيبيات” عبارة دقيقة جدًا، وتضع حدًا فاصلًا بين مفهومين يُخلط بينهما كثيرًا، وقام بتعريف كلا منهما:
• الإيمان بالغيبيات (موقَف عقدي/ إيماني): هو الاقتناع بقضايا أو حقائق غيبية لا تقع تحت الحواس المباشرة (مثل الله، الآخرة، والروح)، بناءً على الوحي أو أصول إيمانية محدَّدة، دون أن يعني ذلك إلغاء العقل في تفاصيل الحياة الواقعية. فالإنسان المؤمِن بالغيبيات قد يكون في الوقت نفسه حريصًا على المنهج العِلمي، الأخذ بالأسباب، والتحليل المنطقي لأحداث وقوانين الطبيعة والمجتمع.
• التفكير الغيبي/ الخرافي (منهج تفكير/ أسلوب معرفي): هو إسقاط الغيب والغيبيات لـ تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية واليومية بدلًا من البحث عن أسبابها المادية والعلمية. كمن يفسِّر مرضًا بكتيريًا بـ”العين” أو “الجن” بدلًا من الطب، أو يعزو الفشل الاقتصادي لـ”الحظ والتعاويذ” بدلًا من سوء الإدارة والأسباب الموضوعية.
• ثم وضع ( جيمناي) جدولًا لحصْر الفروق:
الفرق الجوهري بينهما:
وجه المقارنة الإيمان بالغيبيات التفكير الغيبي (الخرافي)
المجال القضايا الكبرى للوجود، المصير، والروحيات. تفسير أحداث العالم اليومي، الفيزياء، والطب، والتاريخ.
العلاقة بالأسباب يُفعّل الأسباب العلمية والمادية في الدنيا ويفصل بينها وبين عقيدته. يُلغي الأسباب المادية ويستبدلها بتفسيرات غيبية مجردة.
الموقف من العقل يستعمل العقل لإدارة الحياة وفهم الطبيعة. يعطل العقل والبحث العلمي لصالح الغيب في كل شيء.
خلاصة القول: الإيمان بالغيبيات هو قناعة وجدانية/روحية، بينما «التفكير الغيبي» هو خَلَل منهجي في التفكير يلغي القوانين والسنن الكونية التي تحكم الواقع.
وبالعودة إلى مقال البرِّي فهو ينتقل إلى الأثار فيقول إن هناك كارثة، والكارثة الكارثة، تكمن في الابتزاز الديني الشائع الذي يقول إن هذا الرُّكام مُحَاط بالقداسة، وأنه يُعامَل على أنه كنزنا الذي لم نستفد منه بعدُ الاستفادة المُثلى، وأننا إذا فتحناه سنغرق في النعيم. حول هذا الرُّكام المقدس وقف رجال غلاظ القلوب، خِفاف العقول. يرفعون السيف في وجه من يحاول أن يصرخ في أهل المدينة أنهم عرايا، ورثاث، ويعيشون تحت ظروف لا آدمية. يرفعون السيوف في وجه من يطلب من أهل المدينة أن يلتفتوا، فقط يلتفتوا، إلى جهة أخرى.
وتظهر خطورة التفكير الغيبي حين نقول إن الدين لا ينهي عن العلم ، والحقيقة أن من الصعب جدًا على أي دعوة إلهية أو بشرية أن تحقِّر العلم، فأين المشكلة إذن؟! إن كانت المشكلة ليست في الدين فأين تكمن؟!
سؤال يحتاج إلى إجابة، ومنذ 2011 وما قبلها نحاول الإجابة ويبدو أن الزمن سيمر ونحن نحاول الوصول إلى إجابة، فهل دون جدوى؟
