بحسب مفهوم اليهود لنبوات العهد القديم (سفري التثنية وحزقيال، والهيكل المستقبلي، كمثالين)، فإن الرجاء في العودة إلى أرض إسرائيل يطرح عدة أسئلة:
- هل المقصود من قول الرب للشعب ” الأرض التي أعطاكم الرب إياها” سبع مرات في سفر التثنية أن الأرض ملكية مطلقة للشعب؟
- وهل المقصود من رؤيا حزقيال للهيكل أن تكون وصفًا حرفيًا سيتحقق في مجيء حرفي خاصة فيما يتردد في الأوساط المسيحية في أمريكا الشمالية؟
- وفي النهاية هل ينبغي على المؤمنين أن يتوقعوا عودة دولة إسرائيلية في نهاية الزمان، مقسَّمة إلى مناطق سبطية، مع إعادة بناء الهيكل الحجري في أورشليم وفقًا لأبعاد النبي؟
تقرر المراجع بدايةً أن قضية العودة سياسية في المقام الأول [1]، وأن المواقف السياسية تجاه دولة إسرائيل الحديثة ترتبط بسؤال لاهوتي يبرر العودة [2]، وبالتالي، فقد فهم كثيرون ما جاء في سفر التثنية ونبوءة حزقيال على أنه يتحدث عن هيكل أرضي واستعادة جغرافية وسياسية حرفية.
إلا أن رؤيا حزقيال للهيكل على سبيل المثال لم يكن المقصود منها أن تتحقق حرفياً. أما بخصوص سفر التثنية: الأرض هبة غير مستحقة، فمن يملكها هو الله، وهذا ما قاله الرسول بولس أيضًا.
فعندما يقول الرب للشعب “امتلكوا الأرض” (فالملكية) هنا غير مشروطة وهي معطاة للأبد، لكن “السكنى” مشروطة بحفظ وصايا الرب والعيش بضمير.
الأرض كانت مليئة بالأعراق وجاءت كل من فلسطين وإسرائيل إلى الأرض في وقت واحد [3] وسكن الفلسطينيون غزة وعاشت إسرائيل 400 سنة في الأرض، وللأسف، لم تحافظ على الوصية في أغلب مراحل وجودها في الأرض، وسرعان ما انقسمت المملكة التي أسسها داود، وخلفه ابنه سليمان، إلى حدث الانقسام على يد أولاده مباشرة، إلى أن سقطت أورشليم عام 580 قبل الميلاد، وتم سبيهم وتشتتهم وفناء العشرة أسباط [4].
هنا يظهر الفارق بين “سكنى” شعب الله لأرض الله بناءً على الحفاظ على العهد والعيش حسب وصاياه، و”الاستيطان” و”إقامة دولة” حسب ما تفعله إسرائيل اليوم فمطالبها غير شرعية بناءً على انتفاء طلب السكنى لإقامة العهد والعيش بالوصايا، وهي التي يصرح أحد رؤساءها علنًا بأنه ملحد. فالله لم يعط أرضًا للاستيطان وإقامة دولة.[5](چون ديڤيد باوسون)
أما عن نبوءة حزقيال بشأن الهيكل: تتكلم النبوءة عن هيكل أكبر من أن يتناسب مع موقع جبل الهيكل في أورشليم. علاوة على ذلك، أبعاد الهيكل كبيرة جدًا ، وهي توازي مساحة 13 كاتدرائية.
موقع الهيكل الجديد يقع في المركز الجغرافي لأرض إسرائيل [6]، مما يجعله أقرب إلى السامرة وسبط أفرايم، وليس بالقرب منها ويتنبأ النبي بشيء خارق للطبيعة أكثر من مجرد استعادة مدينة أورشليم الأرضية.
تحديد مكان الهيكل كما يدعيه اليهود اليوم بتحديد مكان معلوم ومواصفات محددة معلومة غير صحيح إذ كانت هناك هياكل متعددة.
-هناك سمات خارقة للطبيعة للهيكل الجديد، فليس به قدس أقداس ولا قدس ولا خبز وجوه.
– لا يوجد مذبح ولا ذبائح ولا كهنة ولا رئيس كهنة، فعندما عاد الشعب وأعادوا بناء الهيكل كان يوجد رئيس كهنة حتى أيام يسوع
حسب النبوءة لا يوجد كهانة بل ملك.
– تقسيم الأسباط الذي شملته النبوءة مختلف الأعياد كلها احتفت عدا الخمسين.
– نهر الحياة الذي يتدفّق من الهيكل في نبوءة حزقيال يزداد عمقًا باستمرار وهو ما يخالف جيولوجيا الأرض المقدسة وهيدرولوجيتها ، إذ لا يمكن أن تسمح أبدًا لنهر طبيعي أن يتدفَّق من أعلى جبل الهيكل ويصب في البحر الميت.
– ومن المعروف أن هذا الهيكل لم يتم بناؤه مطلقا.
تشير هذه العوامل مجتمعةً إلى أن هيكل حزقيال يهدف إلى تمثيل معجزي وأخروي، وليس مجرد مبنى حجري طبيعي. ولكن، في زمن حزقيال، لم يكن واضحًا على الإطلاق كيف سيتحقق هذا الرجاء الأخير في التاريخ. ما كان واضحًا هو أن طقوس هذا الهيكل الجديد ستكون جديدة حقًا، دون قيود القديم.
حزقيال في العهد الجديد
إنجيل يوحنا وسفر الرؤيا يتأثران بشدة بسفر حزقيال. على سبيل المثال، في إنجيل يوحنا، في خضم عيد المظال، الذي تضمن طقوسًا تتوقع أن يكون الهيكل الأخروي مصدر المياه لجميع إسرائيل، يعرّف يسوع نفسه على أنه مصدر المياه الأخروية من خلال إعادة صياغة حزقيال 47 وإعلانه: تجري من بطنه أنهار ماء حي
[7]. يرى الإنجيلي الرابع بوضوح علامة نهر الماء المتدفق من الهيكل الجديد عندما يقطع الإنجيل ليصف تدفق الماء والدم من جنب المسيح على الصليب [8]. وعلى نفس المنوال، ينتهي سفر الرؤيا، مثل حزقيال الذي قبله، برؤيا ملاك يقيس أورشليم الجديدة و”الهيكل” الجديد [9]. وفي ذروة هذه الرؤيا، يصف يوحنا نهرًا من “ماء الحياة” يتدفَّق من “عرش الله والحمل” في مدينة أورشليم السماوية، وهي أيضًا عروس المسيح [10].
كما توضح هذه التفسيرات لحزقيال، فإن الكنيسة لا تتوقع إعادة بناء الهيكل الحجري في أورشليم، مع استكمال الذبائح الحيوانية الموصوفة.
أعطى الله لحزقيال ومعاصريه رؤى لهيكل وطقوس مستقبلية تستخدم لغة معمارية وطقوسية وجغرافية يمكنهم فهمها. لكن التفاوت بين خصوصيات رؤيا حزقيال وتحقيقها في المسيح والكنيسة لا يرجع إلى أن إتمامها فشل في تحقيق الرؤيا، بل لأنه تجاوز تحقيق الرؤيا؛ أي أنه يفوق جميع الفئات الأقدم في تجاوز التوقعات.
إن مقدس جسد المسيح أكبر بكثير، ويمكن الوصول إليه بسهولة، وأكثر “مركزية” بالنسبة لشعب الله؛ فذبيحة جسد ودم الملك الداودي الجديد تتفوق حتى الآن على تقدمات الذبائح؛ إن نهر الماء الحي، الذي هو الروح القدس المنقول من خلال الأسرار، يفوق بكثير نهرًا جغرافيًا يصب في البحر الميت، حتى إن التدبير الجديد الذي افتتحه الله يتجاوز الوعود التي قطعها للنبي.
لا يغيب عن الذهن أن مقاصد الله لا تعود إلى الوراء، بل يتواصل امتدادها نحو المستقبل لتحقيق المزيد. بمعنى أن الله ليس في حاجة إلى أن يستعيد ما حصل مع شعب إسرائيل حرفيًا، بل إن رؤيته أوسع وأشمل من مجرد شعب؛ خاصة وأنه يتضح تمامًا أن مهمة إسرائيل في العهد القديم كانت محددة للغاية، وهي شهادة للخالق ومقاصده وسط الشعوب، وليست امتيازًا لشعب على بقية الشعوب.
هذا الحق جاء أكثر من مرة في العهد القديم بأساليب متعددة خاصة قول الله لهم بوضوح “لستم أفضل من بقية الشعوب” [11].
