قيل لك إن هذه التركيبة مستحيلة. اختر خانةً واحدة. لا يمكنك أن تدافع عن حقوق المختلفين يوم الثلاثاء وتذهب إلى صلاة الجمعة. لا يمكنك أن تريد دولة محايدة وبيتًا متدينًا. اختر.
والقائلون بهذا محقّون- في نسخة واحدة من التركيبة فقط. المشكلة أنها النسخة التي يحاولها معظم الناس.
الكشري: أرزّ وعدس ومكرونة وحمّص وتقلية وثلاث صلصات، من أربعة مطابخ لا يجمعها نسب، مكوّمة في طبق واحد. لذيذ، ومفكك تمامًا، ولا أحد يدّعي غير ذلك، وهذه فضيلته.
ما ليس مضحكًا هو تطبيق الوصفة نفسها على رؤية للعالم. سمّه الكشري الفكري: مكوّنات من كل مطبخ، مكوّمة في وعاء واحد، يقدّمها إليك رجل يُقسم أنها وجبة متجانسة. والبديل ليس أن تختار مكوّنًا وتحرق الباقي. البديل أن تعرف الفرق بين الطبق والكوكتيل.
وضع كل شيء بنفس المكان
الكشري الفكري ليس رجلًا يحمل ثلاث قيم؛ إنه رجل يحشر ثلاث قيم في الوظيفة نفسها. يريد دولة ليبرالية ودينية في آنٍ واحد. يريد قانونًا علمانيًا ومستمدًّا من الشريعة في السطر ذاته. يريد الحرية مكفولة «ولكن في الحدود التي أراها أنا» — جملة تلغي نصفها الأول بنصفها الثاني في أربع كلمات. يقتبس الحكم الديني لا عن إيمانٍ يكلّفه شيئًا، بل ليبدو موقفه أعمق مما هو. ويحب من «التقاليد» طعام الجدة وحكايات زمنٍ لم يعشه، ولو أُلقي فيه أسبوعًا لاستأجر أول قارب خارجًا منه. ثم يعلن، بفخر الفاتحين: «أنا مختلف!»
لست مختلفًا. أنت طبق كشري يلتقط لنفسه صورة. وهو -للأمانة- أكثرنا في ساعة من ساعات اليوم. المشكلة ليست في تعدد ما نحمل، بل في أننا نحمله كله بيد واحدة، في مكان واحد، ثم نندهش حين يقع.
كوكتيل لا كشري
للفكرة التي يسخر منها الناس اسمٌ ونسبٌ وسجل. اسمها الاندماجية (Fusionism)، صاغها في خمسينيات القرن الماضي مفكر أمريكي يُدعى فرانك ماير، وهو يواجه سؤالًا يشبه سؤالنا: كيف يجتمع ليبراليو الحرية والسوق مع المحافظين المتمسكين بالدين، في غرفة واحدة، من دون أن يلتهم أحدهما الآخر؟
جوابه سطر واحد، أذكى مما يبدو: الحرية وظيفتها السياسة. والفضيلة وظيفتها الإنسان.
الدولة تضمن الحرية للجميع ولا تفرض فضيلة على أحد؛ والفرد يستخدم هذه الحرية ليعيش قناعاته إلى أقصى ما يحتمل. ليست تسويةً يتنازل فيها كلٌّ عن نصف إيمانه- بل تقسيم عمل يحتفظ فيه كلٌّ به كاملًا.
وترجمتها إلى إنسان حيّ:
محافظ— في حياته هو: بيته، وعبادته، وأعياده، وطعام جدته الحقيقي الذي عاشه فعلًا.
ليبرالي— تجاه حقوق غيره: يعيشون كما يشاؤون ما داموا لا يؤذون أحدًا، حتى حين تزعجه اختياراتهم.
علماني— في علاقة الدولة بالجميع: قانون واحد. بلا محاباة. وبلا عقيدة مثبّتة في القمة.
ولم يُصَب أي تعريف بأذى أثناء تركيب هذا الموقف. ليبرالي بالكامل، علماني بالكامل، محافظ بالكامل— كلٌّ في وظيفته، لا زاحفًا على وظيفة جاره.
الكشري أن يُكوَّم الجميع في الطبق نفسه؛ وهذا كوكتيل طبقات— وهو للعلم، مشروب محترم تمامًا، شأنه شأن القهوة برشّة ملح: حيلة يستخدمها عارفو القهوة لكسر المرارة، وتنفع كثيرًا حين تكون حياتك -كحياة المنطقة- شديدة السواد ومرّة إلى حد بعيد.
جورج.. الكوكتيل ماشيًا على قدمين
خذ رجلًا خياليًا، اسمه جورج حنا، مسيحي مصري. ليبراليته تقول إن الحرية منحة من الله لكل إنسان، فيدافع عن حقوق الأقليات وحرية التعبير حتى ضد آرائه هو. وعلمانيته تقول إنه، رغم إيمانٍ يأخذه على محمل الجد، لا تُدار الدولة بالدين، وإن القانون العادل يخدم الجميع بلا تمييز، لأن المسيحية نفسها علّمته العدل. ومحافظته تُبقيه في كنيسته وأعياده وقيم عائلته، ويَعُدّ التقاليد جزءًا مما هو عليه، دون أن يخطر له لحظةً أنها تُفرض على أحد.
تأمل الهندسة: إيمانه يغذّي ليبراليته (الحرية إلهية)، وليبراليته تحمي محافظته (حقه في أن يعيش قيمه بلا تدخل)، وعلمانيته تحمي الاثنتين — بقاعدة ليست عاطفية إطلاقًا: الدولة التي لا تنحاز معك اليوم، لن تنحاز عليك غدًا. كل طبقة تحمل التي فوقها. هذا ليس تناقضًا. هذا معمار.
ومن الواقع: أنجيلا ميركل، ابنة قسٍّ لوثري، قادت أوروبا ستة عشر عامًا على رأس حزب اسمه حرفيًا «الاتحاد المسيحي الديمقراطي»، في دولة محايدة دينيًا في قوانينها. محافظة في شخصها، ليبرالية في سياساتها، علمانية في حكمها. (كنت سأضيف أمثلة أنجلوسكسونية، لكن الأمانة توقفني: بريطانيا لها كنيسة رسمية وأساقفة في مجلسها التشريعي، فساق «العلمانية» تعرج، والمثال الأعرج يؤذي الحجة أكثر مما يسندها).
من أين يبدأ الأذى؟
قلنا: «ما داموا لا يؤذون أحدًا». وهي أخطر جملة هنا، ومنها يهجم كل خصم ذكي.
الهجوم بسيط: مَن يحدد الأذى؟ اتركه مفتوحًا يتكفّل به الشارع قبل الغداء: مجرد وجود المختلف أذى يؤذي مشاعرنا، ويهدد نسيجنا، ويُفسد أولادنا. وهكذا تُلغى الحرية لا بقانون يمنعها، بل بتعريف يبتلعها.
لن أدّعي تعريفًا نهائيًا للأذى؛ الفلسفة السياسية لم تنتجه منذ ميل، ومن يبيعك يقينًا في هذا الباب يبيعك شيئًا آخر. لكن غياب التعريف الكامل لا يعني غياب معيار عملي، ومعياري ثلاثة أسطر:
الأذى الذي يبرر تدخل الدولة هو الملموس، المباشر، الواقع على شخص بعينه: جسده، أو ماله، أو عقده، أو حريته، أو قاصر لا يملك أهلية الرضا. أما الانزعاج الأخلاقي من اختيار بالغٍ في شأنه الخاص -مهما بلغ صدقه وعمقه- فليس أذى بالمعنى القانوني، لأن احتسابه كذلك يجعل حريتي رهينة أعصاب جاري، ويرقّي أسرع الناس غضبًا إلى منصب مشرّع.
والمناطق الرمادية؟ حقيقية وباقية، الأطفال، والفضاء العام، والأذى البطيء الذي لا يظهر في يوم. ولهذا بالضبط تُوجد محاكم مستقلة لتزنها حالةً حالة بميزان الضرر الملموس. لا أغلبية تصوّت على مشاعرها، ولا شارع يزن بيده. الفارق بين المجتمعات ليس أن بعضها بلا مناطق رمادية، بل أن بعضها أوكلها إلى قاضٍ، وبعضها أوكلها إلى حشد.
الاعتراض الجاد: العمارة تُذيب سكانها
أقوى الخصوم لا يقول إن الموقف متناقض؛ يقول إنه ساذج.
حجته: العمارة الليبرالية لا تحمي الساكن المحافظ، تذيبه ببطء. السوق والفردانية والثقافة المفتوحة تقضم التقاليد قضمةً قضمة، وبعد جيلين تجد أحفاد جورج يحسبون الكنيسة «نشاطًا اختياريًا صباح الأحد». والخلاصة: ما دامت الحرية تأكل الفضيلة، فليفرضها من يملك القوة، أي الدولة.
ثلاثة ردود:
البارد العملي: جرّبنا هذه التجربة. منطقتنا عاشت قرونًا مع دولٍ تفرض الفضيلة بالقانون. النتيجة: لا الفضيلة عمّت، ولا الحرية وُجدت، وصار النفاق العملة الرسمية التي تُدفع بها كل الفواتير.
والمبدئي: أجمل ما في تراث ماير، وأوجّهه إلى القارئ المتديّن تحديدًا، لا استفزازًا له، بل لأنه يُجِلّ العبادة أكثر مما يُجِلّها المطالبون بجعلها إجبارية:
الفضيلة بالإكراه ليست فضيلة. الصلاة التي يحرسها جنديّ لا تساوي شيئًا أمام الله ولا أمام الضمير، لا لعيبٍ في الصلاة، بل لأن قيمتها كلها في حرية صاحبها.
الأخلاق فعل حر أو لا تكون. الدولة التي تفرض التديّن لا تُنتج مؤمنين؛ تُنتج ممثلين بارعين. والدولة المحايدة ليست عدوة إيمانك، بل الشرط الوحيد الذي يجعل إيمانك، إن اخترته، يساوي شيئًا. (وليطمئن العلماني الصارم: ليس هذا تسللًا للدين من الباب الخلفي؛ الحياد يعني الحياد، دولة لا تتبنى دينًا ولا تحاربه، ولا ترتدي قميص أي فريق.)
والثالث اعتراف، وهو ما تتهرب منه معظم الليبرالية العربية، وبه خسرت جمهورها: الخصم محق في نصف تشخيصه. التقاليد تُؤكل فعلًا. لكن الفم الذي يأكلها ليس القانون الليبرالي. إنه السوق.
الاعتراف الذي يقلب الجدل
من الغش أن ندافع عن الشق السياسي للحرية ونصمت عن شقها الاقتصادي كأنهما لا يلتقيان. ما الذي فكّك العائلة الممتدة في مصر فعليًا؟ لا قانون علماني ولا كتاب مترجم. بل الهجرة من القرية إلى المدينة وراء الأجر؛ وشقة تتسع لأسرة نووية ولا تتسع لجيلين؛ ويوم عمل يبتلع أربع عشرة ساعة، فلا يترك للأب وقتًا ليكون قدوة، ولا للجدة أذنًا تحكي لها. السوق لا يكره تقاليدك؛ هو ببساطة لا يراها، يرى ساعات وأجورًا وكفاءة. وما لا يُرى يُداس بلا نية سيئة، وهذا أخطر أنواع الدَّوس.
وهنا تفترق الاندماجية العربية عن أصلها الأمريكي: لسنا مطالَبين بالدفاع عن رأسمالية عمياء بوصفها ثمن الحرية. السوق آلة إنتاج عظيمة، عمياء عن كل ما لا يُسعَّر، والتقاليد والعائلة والحيّ والساعة التي يجلسها رجل مع أبيه بلا غرض، كلها لا تُسعَّر. فالسوق المضبوط بقانون ومؤسسات وحدٍّ اجتماعي أدنى ليس تنازلًا اشتراكيًا متنكرًا في ثوب الليبرالية؛ إنه شرط بقاء المجتمع الذي يُفترض أن يمارس فيه جورج محافظته أصلًا. وحريةٌ تترك الرجل بلا وقت ولا أمان ثم تدعوه إلى «اختيار قيمه بحرية»، إنما تسخر منه.
ولاحظ ما يفعله هذا الاعتراف بالمعركة كلها. هم يقولون: الحرية تذيب التقاليد فلتفرضها الدولة. ونحن نقول: التقاليد تُؤكل فعلًا، لكن من الفم الذي لم تنتبه إليه، ومن يفرض الفضيلة بالقانون بينما يترك السوق يقتلع أساسها الاجتماعي، إنما يحرس الباب الأمامي بينما البيت يُهدَم من الخلف.
لماذا نسخة ثانية دون تشريح موت الأولى
تفككت الاندماجية الأولى. لا فائدة في تجميل ذلك؛ الفائدة في التشريح، لأن هذه بالضبط هي الأشياء التي على النسخة الجديدة أن تنجو منها.
السبب الأول: كانت ملتصقة بعدو لا بمبدأ. الملاط عند كثيرين لم يكن فلسفة ماير، بل الخصم المشترك. ولما سقط الاتحاد السوفيتي، سقط سبب الجلوس على المائدة وانصرف الجميع. الدرس: اندماجية تُبنى على خصم تموت بموته؛ والمبنية على مبدأ تعيش.
السبب الثاني: وهو الأعمق، الأسئلة التي لا يحلها تقسيم الأدوار. ما مزّق التحالف داخليًا لم يكن الجغرافيا السياسية، بل الإجهاض وحقوق المرأة وأخواتهما. لماذا؟ لأن القاعدة كلها قائمة على أن الفضيلة شأن خاص لا يمسّ ثالثًا. فحين يظهر سؤال يرى فيه فريقٌ حريةً خاصة بامرأة، ويرى فيه آخر أذًى يقع على كائن آخر، فأنت لست أمام صدام قيم، أنت أمام صدام حول حدود الأذى نفسه. أي أمام سؤال القسم الرابع، عائدًا من الشباك. لا شعار ينقذك هنا؛ تنقذك مؤسسات: قضاء يزن، ودستور يحمي الأقلية من حماسة الأغلبية، واتفاق مسبق على أن بعض المسائل ستبقى موضع خلاف دائم لا يُحسم بالغلبة. النسخة الأولى ظنّت القاعدة كافية؛ والثانية تعرف أن القاعدة تحتاج قاضيًا.
السبب الثالث: الطلاق الطبقي. نخبة اقتصادية تحالفت مع قاعدة اجتماعية محافظة. نالت النخبة أسواقها كاملة، وشاهدت القاعدة مدنها وصناعاتها وشبكاتها الأسرية تتآكل، أي دفعت ثمن الصفقة وحدها. من هنا وُلد التمرد على الصيغة كلها. والدرس يقع علينا مباشرة: اندماجية بلا وعي طبقي تتحول إلى غلاف أخلاقي لمصالح طبقة، ولن يصدّقها من يدفع الفاتورة. ومن حقه ألا يصدّقها.
ولماذا بالعربية؟
في أمريكا كانت «الفضيلة الحرة» حجةً بين حجج. أما هنا — حيث المعركة المركزية منذ قرنين هي بالضبط علاقة الدين بالدولة — فليست هامشًا. إنها الموضوع كله. كانت الاندماجية هناك تكتيك تحالفات؛ ويمكن أن تكون هنا خريطة خروج من ثنائية أقدم منا جميعًا: دولة تفرض الدين، أو دولة تطارد المتديّن. والاندماجية تقول: لا هذه ولا تلك. دولة تحمي الاثنين ولا ترتدي زيّ أيٍّ منهما.
ولأكون دقيقًا في زعمي: الفكر الليبرالي العربي لم يُولد اليوم. منذ النهضة اجتهد رجال جادّون في التوفيق بين الحرية والإيمان والتقاليد، ولهم دَينٌ على كل من يكتب في هذا الباب. زعمي أضيق: تقديم الاندماجية بوصفها إطارًا مسمًّى، بقاعدة صريحة في تقسيم الأدوار، ومعيار للأذى، ووعي بالسوق، وتاريخ موثّق يشمل كيف ماتت. تلك خانة لا أعرف من ملأها. فإن كان قد سبقني إليها سابق، فمرحبًا برفقة الطريق.
واعتراف أخير، لأن الشفافية جزء من هذه اللعبة: أكتب من يمين الوسط الليبرالي، من داخل هذا المشروع، لا من فوقه. وللحجج أعلاه خصوم جادّون من الاتجاهين، وما كتبتها لأغلق النقاش، بل لأفتحه على أرض أنظف من أرض الكشري.
إذن: هل يمكن أن تكون ليبراليًا وعلمانيًا ومحافظًا في الوقت ذاته؟
في طبق واحد: أبدًا. أما في إنسان واحد، طبقةً فوق طبقة، كلٌّ في وظيفتها، وقاضٍ عند التخوم، وسوقٌ لا يُترك أعمى؟ فليس ممكنًا فحسب، بل هو من أنضج التراكيب التي أنتجها الفكر السياسي الحديث. ومسوّدته العربية لم تبدأ إلا الآن. فلتُعتبر هذه المحاولةَ الأولى.
