
- خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (١) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٢) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٣) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٤) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٥) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٦) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثاني (٧) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثالث (١) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثالث (٢) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثالث (٣) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثالث (٤) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الثالث (٥) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (١) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (٢) - ☑ خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (٣) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (٤) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (٥) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع (٦) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح الرابع [٧] - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح السابع عشر (١) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح السابع عشر (٢) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح السابع عشر (٣) - خواطر في تفسير إنجيل يوحنا
الإصحاح السابع عشر (٤)
”١٦ قال لها يسوع: «اذهبي وادعي زوجك وتعالي إلى ههنا» ١٧ أجابت المرأة وقالت: «ليس لي زوج ». قال لها يسوع: «حسنا قلت: ليس لي زوج، ١٨ لأنه كان لك خمسة أزواج، والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق».“
(إنجيل يوحنا ٤ :١٦ – ١٨)
إن أستخدام الرب تعبير”زوجك“ في وصفه لرجلٍ كانت المرأة السامرية في علاقة معه وقتها – رغم عِلمه بأنه ليس زوجها ”الذي لك الآن ليس هو زوجك“ -إنما يَستَعلِن لنا أن عدل الله في المسيحية هو للشفاء وليس لدينونة الإنسان وإقامة الحَّد عليه ”لأني لم آت لأدين العالم بل لأُخلِّص العالم“ (يو ١٢: ٤٧). فالرب لم يكن موقفه من السامرية هو موقف الادعاء في محاكم الأرض الذي يواجه المذنب بالحجة والدليل لإدانته.
إن عدل الله المُعلَن في المسيحية ليس هو عدل محاكم الأرض. ولا تجوز المقارنة بين الإثنين. هذه سقطة كثير من رجال الدين المسيحي في رؤيتهم القاصرة لفداء المسيح وكأنه تطبيق لعدالة البشر، بينما هو العدل بحسب الله الذي يسمو علي العدالة بمفهومها البشري القاصر كما سنوضح في المقال.
إن محاكم الأرض تطبِّق عدلاً يعجز عن إصلاح الإنسان المخطئ بل فقط يعاقبه بخطيته. فالمحاكم لا تستطع أن تخلِّص طبيعة المخطئ من السبب المُنشِئ لخطيته. وكل ما تستطيعه هو إدانة المخطئ بجرمه ثم تسليمه لسلطان فساده الذي تسلَّط عليه وأدي به إلي ارتكاب الجريمة. المحاكم تكتشف ثم تعلن أن السبب المُنشِئ للجريمة هو انعدام حاسة الحياة لدي المذنب و تتركه وتسلمه لمصير طبيعة الموت الذي تسلط عليه فتقضي بالإعدام.
حكم الإعدام لا تستحدثه المحكمة علي المذنب، بل هو ”تحصيل حاصل“، بمعني أن ما ”حصل“ لآدم مِن تَغرُّب عن حياة الله وبالتالي دخول الموت وتسلطه علي طبيعة الإنسان قد أستمر في ذرية آدم وصار ”تحصيل“ لِما حصل من تغيير مميت في طبيعة آدم أصل الإنسان.
إن ”العدل“ كتسمية يستخدمها البشر في محاكمهم ربما ليست التعبير الدقيق. لأن عدل البشر ومحاكم الأرض هو إعلان وليس تعديل / عَدل لاعوجاج حصل في طبيعة الإنسان بسقوط آدم. وكل ما تستطيعه المحاكم هو الإعلان عنه وتسلم ببقاء/ أنتصار أعوجاج الموت علي الحياة.
إن المسيحية ترفض حكم الإعدام لأنه دليل عجز وضعف أمام الموت. فلم يستسلم الله لتسلّط الموت علي محبوبه الإنسان لذلك فإن ”الله ظهر في الجسد“ (١ تي ٣: ١٦) لمنازلة موت الإنسان علي الصليب وهزمه وألغاه من طبيعة الإنسان بالقيامة.
ولقد أشار سفر العبرانيين إلي الموت الذي ماته المسيح علي الصليب بتعبير دقيق أن المسيح ”يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد“ (عب ٢: ٩) فالمسيح (ذاق) الموت فقط لأنه بالحقيقة قام. وأيضاً نقول إن التعبير الدقيق عن قيامة المسيح هي كما قالها الملاك «لماذا تَطلُبنَ الحَيَّ بَينَ الأمواتِ؟ لَيسَ هو هَهُنا لكنَّه قَامَ» (لو ٢٤: ٥). المسيح قام من بين الأموات ولا نقول أنه قام من الأموات لأنه هزم الموت وألغاه. إن حقيقة أنتصار المسيح علي الموت يؤمن بها غير المسيحيين أيضاً، ولكنهم يُعبِّرون عنها بطريقتهم التي تصل إلي حد إلغاء أو إنكار تلك المنازلة بين رب الحياة وبين موت الإنسان علي الصليب، فيقولون عن صلب المسيح أنه ”شُبِّهَ لهم“. أليس هذا دليل علي شدة اليقين بغلبة المسيح الإله علي الموت إلي درجة تصل إلي إنكار الحاجة إلي منازلة؟
مثال آخر لهذا اليقين ظهر في صدر المسيحية عندما قال بعض الهراطقة بأن جسد المسيح كان خيالياً ليرفعوا ويترفعوا بالإله وقوته عن منازلة ضعف الموت. كل هذه رؤى مختلفة لحقيقة واحدة هي قدرة المسيح الإله وسلطانه وتفوقه وغلبته علي الموت الذي هو سبب خطية الإنسان ”أَمَّا شوكة الموت فهي الخطية … أين شوكتك يا موت؟ (فقد سحقهما المسيح الإله) “(١ كو ١٥). فالخطية بكونها تغرُّب عن حياة الله، هي الشوكة أي الوسيلة لدخول الموت طبيعة الإنسان. فإن خطية آدم أدخلت الموت في الطبيعة البشرية ”بإنسانٍ واحدٍ [آدم] دخلت الخطيةُ إلى العالم، وبالخطية الموتُ، وهكذا اجتاز الموتُ إلى جميع الناس“ (رو ٥: ١٢) ومن ثمّ سهل فعل الناس للخطية بسبب سلطان الموت لا الحياة علي طبيعة الإنسان، لذلك ”أخطأ الجميع“، والسبب أنه ”مَلَكَت الخَطيةُ في الموتِ“. من هنا نفهم أن المسيح جاء ليخلصنا من الموت كسبب للخطية، ولهذا تصلي الكنيسة ”ولا يقوي علينا موت الخطية ولا علي كل شعبك“.
ولقد وصف الرب الخطاة بأنهم مرضي يحتاجون علاجه ووصف نفسه بأنه الطبيب الشافي لموت الإنسان «لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى. لم آت لأدعو أبراراً بل خطاةً إلى التوبة» (مر ٢: ١٧) ونفي عن نفسه أن يكون قاضياً جاء ليدين ويحكم بالموت علي الخطاة ”لم آت لأدين العالم بل لأُخلِّص العالم“ (يو ١٢: ٤٧). وتعبير الآباء عن الكنيسة أنها مثل المستشفي وليس المحكمة.
ولكن من ناحية أخري أقول أنه ليس من الإنصاف أن تُطالب الكنيسة العالم ومحاكمه وحكوماته بالتوقف عن تطبيق العدل البشري والحكم بالإعدام، لأن العالم ليس كنيسة ولم يُسَلِّم مقاليد الحكم فيه للمسيح الطبيب الإلهي القادر علي شفاء الإنسان من ”موت الخطية“، فهذا خلط للأوراق، و الكتاب المقدس نفسه قد أشار إلي عجز العدل البشري بكونه عقوبة ”السيف“ تقتص بالقتل وليس شفاء لأنه لا يستطيعه ”ﻷنه [السلطان] لا يحمل السيف عبثاً“ (رو ١٣: ٤).
أما عن دول العالم الأول التي ألغت عقوبة الإعدام في بلدانهم وتندد بالحكومات التي تطبق عقوبة الإعدام، فربما قول لبولس الرسول ينفع العالم الأول أن ”لا يَرتَئِيَ فوق ما ينبغي أن يَرتَئِيَ، بل يَرتَئِيَ إلى التَّعَقُّل“ (رو ١٢: ٣). لأنه بينما يحاول العالم الأول أن يرتقي بمواطنيه إلي مراحل مِن الإنسانية الناضجة، وهذا شيء عظيم، إلا أنه من السذاجة أن يعتقد العالم الأول أن إنسانيته تَصلح كبديل عن خلاص المسيح فينتهجون نهج الكنيسة في رفض الإعدام. إن الكنيسة بحسب وظيفتها هي جسر للحياة بإعلانها لمسيحها ويصعب علي منهج إنسانية العالم الأول أن يكون البديل.
إن منع العالم الأول لعقوبة الإعدام في بلدانه، هو خلط للأوراق بين السماوي والأرضي وقد نهي عنه المسيح ”الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع، والذي من الأرض هو أرضي، ومن الأرض يتكلم. الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع“. (يو ٣: ٣١) إن منهج الإنسانية في منع الإعدام هو محاولة تُظهِر اشتياق الإنسان إلي انتصار الحياة علي الموت رغم ما فيها من مكابرة علي الواقع أن سلطان الموت جاثم علي طبيعة الإنسان.
وعلي الرغم من إحصائيات أظهرت أن عقوبة الإعدام لم تقضي علي الجريمة في دول العالم الثالث، إلا أن إلغاء عقوبة الإعدام في العالم الأول سيؤدي إلي المزيد من الفساد في بلدانه، لأن الموت وشيطانه أثبت قدرته علي خداع سذاجة الإنسان منذ خلق آدم ”وَكَانَتِ الحَيَّة أحيَلَ جَميعِ حَيَوَانَاتِ البرِّيَّةِ التي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإلهُ“ (تك ٣: ١)، وليس من علاج إلا الذي أعلنه الله لأدم وحواء أن المسيح ”نَسْل المرأة (المسيح) هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَ الحيَّة (الشيطان)“ (تك ٣).
إن من السذاجة أن تعتقد الإنسانية أنها كفيلة بإصلاح طبيعة الإنسان. ربما بعض الشيء، ولكن تبقي الحقيقة أن تطور وسمو ورقي الإنسان كان منذ خلقته وسيظل إلي قيام الساعة أنه حركة من أعلي (من عند الله) وإلي أسفل(حيث الإنسان في غربته علي الأرض) لكي يرتفع بالإنسان إلي مسقط رأسه عند الله: ”وليس أحدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابنُ الإنسَانِ (المسيح أبن الله) الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ“ (يو ٣: ١٣).
والسبح لله.
بقلم د. رءوف أدوارد