حين تسمع جملة: أعلنت أحدث جهة سيادية في مصر، متمثلة في حزب الجبهة الوطنية
، ما الذي سيتبادر إلى ذهنك؟
ربما تقول؛ من المؤكد أن هذا التعاون الضخم سيتخذ خطوات جادة لمواجهة إغلاق المجال العام. هل سيعالج القضايا التعليمية المزمنة؟ هل سيوفر الحماية للنساء من القتل والتشويه والملاحقة؟
كلا يا عزيزي، كُلها تفاهات مُقارنةً بالأمر الجلل الذي علينا مكافحته: تنظيم أوضاع الدراما المصرية وتأثيرها، ودعوة المختصين لتقديم حلول!
يأتي هذا التدخل العاجل بعد إشارة مباشرة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى ضرورة تعزيز القيم في صناعة الدراما والسينما، ومواجهة موجات العنف والجريمة وتعاطي المخدرات، وإشعال الصراع المجتمعي، وترويج الابتذال اللفظي والانحراف السلوكي، وتدمير قيم العائلة
خلال حفل إفطار أقامته القوات المسلحة.
ولكن، كيف تفاعل الجمهور؟ المستقبِل الأول للدراما، ومن يمتلك ضغطات زر تغيير القنوات حرفيًا؟ إليكم بعض تعليقات زائري الصفحات التي نشرت الخبر.
لو الديكتاتورية هتعدل الدراما يبقى أهلًا بيها
منذ قيام الجمهورية المصرية، تعامل المواطن المصري كمُستقبل فقط بحس أمومي تجاه القيادات السياسية حينها. واستمر الوضع إلى الثمانينات وحتى الألفينات، التي لم يَلُم فيها المواطن حكومته على الإخفاقات السياسية، وإنما خاطبها بدالة الأمومة أن توفر له الخبز ولقمة العيش. أثرت تلك العلاقة كذلك على الفن واستخداماته الموسعة في المجتمع، فبين تصديق الحلم القومي الذي قدمه يوسف شاهين في أفلام مثل العصفور
والناصر صلاح الدين
، وتوجهات مثل كلمات وجيه أباظة، عضو مجلس قيادة الثورة، بأن: الفيلم المصري يعتمد على الغنوة والرقصة والنكتة، والبلاد في حاجة إلى أفلامٍ جدية، تُناقش المشكلات التي تواجه الدولة.
بالتالي، قامت السينما والدراما بعرض وجهة نظر الدولة بالفعل في أفلام الإنتاج الحربي وسلسلة إسماعيل ياسين في الأسطول والجيش والشرطة… وحتى عكس اتجاهات الدولة لتعزيز دور المرأة العاملة وأهمية مشاركتها اجتماعيًا، ما عُرف وقتها بـنسوية الدولة
.
لكن، علقت في الأفق رواسب اجتماعية أثرت في نظرة الجمهور إلى الأطروحات المقدمة؛ حيث بحث الجمهور عن بوصلة توجهه دائمًا نحو الصواب، ومع الوقت فقد بوصلته الخاصة. والسؤال المطروح على المواطن المصري هو: ماذا تريد من الدراما؟ هذا ما سننتقل له تاليًا.
الدراما: بين الواجبات والمُحاباة والسُلطة، والفنان صاحب الفكر والشخصية
ومجددًا، وبالحديث عن الشجاعة كمكون رئيسي للفنان، يطل يوسف شاهين من جديد بجملة أنا لساني طويل
[إسكندرية كمان وكمان
] في رحلة تعافيه الداخلية من أحلام تأليه الفنان المتمثلة في عمرو عبد الجليل، الذي يلعب دور المُمثل الموهوب الذي تعب من تتبع نهج الأستاذ المُتعب لصناعة السينما، وأغرته أموال الخليج لصناعة فن موجه وخالٍ من تصرفات الإنسان الطبيعي بتنويعاتها من اختيارات وإخفاقات، ورحلة البحث عن معنى لسُلطة الفن أمام سُلطة الدولة.
كان الوضع في الثمانينات عجيبًا، حيث قررت السلطة تمرير قانون، للنقابات الفنية الثلاثة، دون مناقشة أو موافقة أعضاء هذه النقابات. فما كان من الفنانين إلا أن بدأوا اعتصامًا في مقر النقابة، وصعّدوا احتجاجهم إلى الإضراب عن الطعام. اجتمعت رموز السينما المصرية، مثل المخرج علي بدرخان، والمخرج محمد فاضل، والكاتب بشير الديك، وتحية كاريوكا، وسعاد حسني، ونادية لطفي، ويوسف شاهين، وجلال الشرقاوي، وحسام الدين مصطفى، وغيرهم من طلبة المعهد حينئذ، مثل محمد هنيدي وآخرين، لمساءلة السُلطة: لماذا تتخذون قرارات دون إشراك أصحاب المصلحة الأساسيين -نحن- فيها؟
ومرورًا بالتسعينيات وبداية الألفية الجديدة، تلاقت أهواء المجتمع والفنانين وأموال دول الجوار والسُلطة في نقلة جديدة للرقابة، الأمر الذي عُرف بـالسينما النظيفة
، كوسيلة للسيطرة على الفنانين الجدد المُعبرين عن تلك المرحلة، ولومهم مجتمعيًا حال خروجهم عن المطلوب. وبالتدريج، تراجع الفنان عن اقتناعه بما يُقدم، أو ماهيّة القضايا الهجومية التي يُقدمها، لصالح كيفية صنع التوليفة الشعبية “النظيفة” التي تجذب الجمهور وتحفزه على فتح التلفاز ودخول السينما وتحقيق الإيرادات.
تريدون تشويه صورة مصر؟ هذا ليس مجتمعنا وهذه ليست حياتنا اليومية
يا عزيزي، زمن كنس التراب تحت سجاد المنزل لم يعد مجديًا! وبنفس المنطق، كان لابد من محاكمة أسامة أنور عكاشة، الذي قدم المجتمع مخترقًا من الفكر المتطرف، قاتلًا شقشق
في مسلسل أرابيسك
(١٩٩٤)، أو يسري الجندي في مسلسل التوأم
(١٩٩٧)، لعرضه أزمة تغيير العقيدة في حال كانت المُغيرة آنسة، أو وحيد حامد لتقديمه فن صناعة المتطرف وعالم العاملات بالجنس التجاري في العديد من أعماله بحُجة تشويه سمعتنا أمام الأشقاء!
أعزائي، المشكلة ليست في السمعة. أزمتنا الأزلية أكبر وأعمق: هي أننا مازلنا أطفالًا نترجى آخرين ليأخذوا قراراتنا، وفرحتنا بالمنع والحجب الذي سيطالنا يومًا ما جميعًا!
لكل تنظير تنظير أعلى منه!
ففي الوقت الذي سجلت فيه بلادنا أرقامًا قياسية غير مسبوقة في معدلات العنف ضد النساء، من قتل وتعذيب وانتهاك، في عام ٢٠٢٥، التي لم يمضِ شهرها الثالث بعد،
في الوقت الذي تخشى فيه النساء والفتيات من قول لا
خوفًا على حياتهن،
في الوقت الذي تُباع فيه المواد المُخدّرة على نواصي الشوارع،
والمواد الكاوية التي سُجلت بها حالات تشويه لنساءٍ بثلاثة جنيهات أو أقل في محلات التنظيف،
ويُقبض على فتيات يرقصن، لأنهن خدشن حياء الأسرة، بينما لا يخدش حياءها أكل الورث
أو الاغتصاب السريري
أو الرشاوي في نهار رمضان
، بتهم مطاطة لم نعد نفهمها،
مازلنا نُهلل لثقافة الحجب والمنع ومقص الرقيب!
أيهما أوقع: مقص الرقيب؟ أم مساحة حرة لعرض الفكر والفكر المضاد؟ سيستمر الإسفاف و”التجعير”، ولكن يمكنك إنتاج أنواع أخرى قوية وجذابة، مثل لام شمسية
وظلم المصطبة
والحشاشين
!
يا عزيزي، بينما تشعر بنشوة الانتصار في مراقبة الدراما وقيم أسرتك المصونة، بينما تصف عن تخويخ المجتمع الناغر إلى عمقه، وتبلع المشاهد الرديئة الواقعية التي تقابلها ببشاشة، وتُطأطئ رأسك كيلا تتعرض للمشكلات مع من لست أهلًا لمواجهتهم، أوجه لك كلمة السيد أوبرا الشهيرة: “إتلهِ”.