Search
Close this search box.
المقال رقم 4 من 6 في سلسلة أسطورة القرعة الهيكلية
لا أستطيع أن أخفي مدى سعادتي برد الفعل الذي أثاره مقال "أسطورة " بجزئيه، وأسعدتني الانتقادات التي طالت المقال أكثر من تلك التعليقات التي أشادت به، فالغرض في النهاية هو تحريك الماء الآسن، وإثارة القارئ الغير مهتم، على الالتفاف والاهتمام والبحث، وتحري الدقة حول تلك المنطقة المهجورة من سياسات الكنيسة (إن جاز استخدام مصطلح سياسيات). حتى تلك الانتقادات التي رأت أن الجزء الثاني من المقال ينقصه الكثير من النقاط التي كان من الضروري توضحيها، لكني آثرت عدم الغوص في العمق أكثر من ذلك حتى لا يكون المقال ثقيلًا على البعض أو منفرًا للبعض الأخر.

وأسعدني أكثر مقال الصديق المهندس رجائي شنودة وترتيبه المنطقي والهندسي لنقد المقال، وأرجو أن يتسع صدره للإجابة على مقاله، في صورة نقاط منطقية مرتبة، حاولت قدر الإمكان أن تكون شديدة التركيز ومختصرة وبسيطة بقدر ما سمحت به الظروف.

الاعتراض الأول كان الاعتماد على سلسلة مقالات د. “مينا عبد الملك” دون غيرها في انتقاد انتخاب الأنبا تواضروس، وإلقاء د. “عبد الملك” كل اللوم على عاتق القائمقام البطريركي في أثناء العملية الانتخابية، في الوقت نفسه الذي لم ينتقد ولم يهاجم د. “عبد الملك”، من صاغ تلك العيوب التي شابت عملية انتخاب البطريرك برمتها، (ويقصد الأنبا شنودة الثالث). أوّد أن أوضّح هنا أن شخص د. “عبد الملك” ليس محل النقاش، وأنا شخصياً لا أتفق مع د. “عبد الملك”، الذي أكن له كل الاحترام والتقدير، في العديد من المواقف السياسية والكنسية، لكن هذا لا يمنع، بل ومن المنطقي، أن أستخدم مذكرات د. “عبد الملك” التي تخدم الفكرة التي حاولت أثباتها في مقالي، حتى لو اختلفت معه في نواحي أخرى كثيرة، ولو أتيحت لي دراسات أو مقالات مشابهة تخدم الفكرة التي أحاول إثباتها، لكنت استخدمتها على الفور.

لم أدع الحياد أبداً، وأنما حاولت -بكل ما أوتيت من قوة- إثبات صحة اعتقادي ورأيي، وهو أمر لا يمكن أن ينتقص من قوة الحجج التي أثيرت في المقالتين، وأزيد على الصديق م. “رجائي” أني أتفق معه شكلاً وموضوعاً في أنني أيضا أود لو كان د. “عبد الملك” قد كتب شيئا ينتقد فيه من صاغ تلك العيوب التي شابت العملية الانتخابية في الأساس، (ولكم أود أن يفعل مستقبلاً)، لكن يظل ما تناوله في سلسلة مقالاته “الحلم الذي تبدد في كنيستنا” التي تجاوزت الخمسون مقالاً هو مجهود جبار وشجاعة فائقة في انتقاد الذات، ومحاولة غير مسبوقة لإصلاح بواسطة متابع أكاديمي من الوزن الثقيل مثل د. “عبد الملك”، وأعتقد أن محاولته الشجاعة التي قام بها عند لقائه اليوس في الأسبوع الأخير من حياة الأنبا شنودة، هي محاولة غير مسبوقة وينبغي تثمينها.

استعانة د. “عبد الملك”، ببعض كتابات الأنبا شنودة الملتهبة، والتي دعت لقصر الترشح للبطريركية على الرتب الكهنوتية والرهبان، وتنكر الأنبا شنودة نفسه لما ما نادى به وكتب عنه وتناوله في مقالاته عندما كان لا يزال علمانياً، لا ينتقص من حجتنا وإنما يؤكد على أن شهوة الكرسي قد طالت الجميع وعلى رأسهم الأنبا شنودة ذاته، وهنا لابد أن أؤكد أني أتفق مع الصديق م. “رجائي” في وجهه نظره التي تؤكد أن أسقف الخدمات مثله مثل أسقف الإيبارشية لا يجوز ترشحه لمنصب البطريركية، وأزيد عليه أنه من خلال فهمنا لروح المبدأ وقوانين ال وتعاليم الآباء الرسل، فأنا أعتقد بعدم جواز أختيار البطريرك من الأساقفة عامة، حتى لو كان أسقف عام أو معاون أسقفي.

عن الاعتراضات القانونية

بالنسبة للاعتراضات القانونية التي أثارها د. “عبد الملك”، في مسألة قبول القائمقام ترشيح الأساقفة للكرسي البطريركي، وتبرير الصديق م. “رجائي” بأن الظروف وقتها وحجم المؤامرات التي كانت تحاك من أساقفة بعينهم، كان كافية لتبرير تجاوز وتغاضي القائمقام عن الشرط الأهم في المرشح، وهو ألا يكون أسقفاً، هو تبرير غير مقبول، هل تلك الظروف والمؤامرات التي أحيكت بعد نياحة الأنبا شنودة تفوق مثيلتها التي كانت وقت نياحة ال، ووجود ما عرف بمراكز القوى داخل الكنيسة القبطية متمثلين في الحاشية البطريركية وسكرتير البطريرك الراحل “ملك”، ورغبته في تولي بطريرك ضعيف لا يستطيع عزله من منصبه، وتفشي السيمونية والفساد وسطوة رجال الحرس القديم التابعين للبطريرك الراحل الأنبا يوساب الضعيف؟ بالرغم من تلك الظروف أصر القائمقام الشجاع الأنبا مطران بنى سويف أن يكون كل المرشحين في الانتخابات التالية من الرهبان وهم ، والأب والأب (الأنبا شنودة الثالث فيما بعد)، والأب مينا البراموسي المتوحد.

أما بالنسبة للسؤال الهام الذي طرحه الصديق “رجائي”: لماذا لم يكتب د. “عبد الملك” عن هذا الموضوع في أثناء حبرية البابا شنودة وفي حياته!؟ أو عن عوار اللائحة وزيغها رغم أن أصوات كثيرة فعلت؟ فإجابة هذا السؤال تقع على عاتق د. “مينا عبد الملك” بشخصه، ويظل هذا السؤال قائماً حتى يجاوبنا د. “عبد الملك” عنه.

عن الاعتراضات الانحيازية

هنا يستعرض م. “رجائي” واقعة مقاربة تاريخياً (وبرأيي لا تصل لحد التماثل)، عندما زج القائمقام، باسم الراهب مينا البراموسي في قائمة الترشيحات النهائية للانتخابات الباباوية وكانت تخلو من اسمه، تلك الانتخابات التي أسفرت عن فوزه ليصبح البابا كيرلس السادس، ولم يتهم أحد وقتها نيافة القائمقام بالانحياز.

موافقة الأنبا أثناسيوس القائمقام على إدراج الراهب مينا البراموسي كانت تحت ضغط شيوخ الكنيسة وكبار السن، الذين اعترضوا على صغر سن المرشحين الثلاثة الشباب، فأصروا على إدراج مينا البراموسي بوصفه المعلم والقائد الروحي لهؤلاء الشباب، وليس لرغبة شخصية من القائمقام الأنبا أثناسيوس، ولم يُعرف وجود أي دالة مميزة تجمع بين الأنبا أثناسيوس والراهب قبل الانتخابات، وبذلك ينتفي أي أتهام بالانحياز، ويفسر لماذا لما يتهمه أحد وقتها بتلك التهمة. بعكس الأنبا باخوميوس، الذي أكد بكل صراحة عن رغبته في اختيار الأنبا تواضروس في حديثه المشار إليه في المقال الثاني مع د. “عبد الملك”.

عن الاعتراضات الشخصية

أما بالنسبة للاعتراضات الشخصية على الأنبا باخوميوس، فأجد نفسي مضطراً لتجاوزها لأن الاعتراضات الشخصية نسبية، فقد يجدها أحدهم سبباً للاعتراض على شخص الأنبا تواضروس، ويجدها آخر أنها ليست ذات قيمة، حتى لو كنت أنا شخصياً أجدها أهم من الاعتراض الأول القانوني والثاني الانحيازي، لأن منصب البطريرك كما هو معروف، إضافة إلى كونه منصب روحي، فهو منصب إداري في المقام الأول، فلو كان الأسقف عاجزاً عن إدارة مشكلات إيبارشية صغيرة، فكيف سيكون قادراً على إدارة الكنيسة القبطية بِرُمَّتها في الداخل والخارج؟

أما بخصوص الاستشهاد للتدليل على “شجاعة” الأنبا تواضروس المتمثلة في تجاهل دعوة رئيس الجمهورية محمد مرسي لحضور الاحتفالية الخاصة بانتهاء الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، بعدما سحب ممثلي الكنيسة من الجمعية التأسيسية عشيه تجليسه، في تصرف صادم يفيض بالتحدي، فهو استشهاد خاطئ برأيي، فما حدث وقتها  أن كل فئات المجتمع المدني قد اتخذوا قراراً جماعياً بالانسحاب يوم 16 نوفمبر 2012 دون استثناء من الجمعية التأسيسية للدستور، قراراً جماعياً شاركت فيه الكنائس الثلاثة، القبطية والإنجيلية والكاثوليكية، وحتى مؤسسة الأزهر الشريف قد انسحبت بدورها، اعتراضا على العوار الذي شاب التوازن في الجمعية التأسيسية، وعلى كبت الحريات المتعمد في الدستور المزمع صدوره، ولم يكن قراراً منفرداً على الإطلاق. وأزيدك من الشعر بيتاً أن الأنبا تواضروس لم يكن صاحب قرار انسحاب الكنيسة من الجمعية التأسيسية بل كان قرار الأنبا باخوميوس القائمقام (تم تجليس الأنبا تواضروس يوم 18 نوفمبر بعد يومان من قرار الانسحاب).

حتى قرار تجاهل دعوة رئيس الجمهورية محمد مرسي لحضور الاحتفالية الخاصة بانتهاء الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور في 2 ديسمبر، لم يكن قراراً منفرداً للأنبا تواضروس، بكل كان قراراً جماعياً لكل القوى السياسية التي قاطعت تلك الاحتفالية الهزلية (باستثناء شيخ الأزهر “” الذي شارك في الاحتفال)، ولم يكن الأنبا تواضروس ليملك سوى مسايرة التيار السائد، محتمياً في المقاطعة الجماعية لكل القوى المؤثرة من الجمعية التأسيسية، والمدعومة دون شك بأجهزة قوية في الدولة العميقة كانت ترفض الأخوان ودستورهم، أي أنه لم يكن بمفرده ضد التيار، ولم يتخذ أي موقف صادم.

عن عصمة البابا، ومواقف البطاركة الثلاثة من المجلس الملي العام

بالنسبة للجزء الأخير في مقالة الصديق م. “رجائي”، والذي أجده هو الجزء الأهم في الثلاثة مقالات مجتمعين، وهي مسألة العصمة من الخطأ والخطية في بابا الإسكندرية، فأنا أتفق مع م. “رجائي” في أن الرقابة الشعبية هي الضامن الحقيقي لعدم تحول البطريرك إلى نصف إله لا يسأل ولا يحاسب، لكن الفرق بين المفترض وبين الواقع كمثل الفارق بين الأرض والشمس، فقوانين الكنيسة القبطية تنزع أي عصمة عن بطريرك الكنيسة القبطية من الخطأ أو الخطية، أما الواقع فأن الكنيسة تدفع بكل ثقلها ناحية تأكيد فكرة عصمة البطريرك الغير مكتوبة والغير رسمية، فكرة تنتشر كالنار في الهشيم يمكن رصدها بكل سهولة من خلال رد فعل الكنيسة الرسمي والغير رسمي تجاه أي أنتقاد ينال البطريرك أو أحد الأساقفة، حتى وصل الحال إلى تحريم انتقاد الكهنة والرهبان في تأكيد ضمني على عصمتهم من الخطأ والخطية.

وما يؤكد وجهة نظري أن الباباوات الثلاثة كيرلس وشنودة وتواضروس، قد اتخذوا موقفاً مناوئاً من العام الذي يفترض به أن يمارس نفس الدور الذي يمارسه مجلس الشعب في الرقابة على الحكومة ورئيس الدولة، ويمثل الشعب القبطي في الرقابة على البطريرك وعلى الكنيسة، فالأنبا كيرلس أتخذ موقفاً عدائياً صريحاً ضد المجلس الملي، ورفض مراقبة العلمانيين، حتى أنه طلب، في عهد ال بتجميد عمل المجلس.

أما الأنبا شنودة فكان أكثر حنكة ودهاء، وقرر أن يحتوي المجلس الملي ويقصص ريشه وأجنحته، بدلاً من الصدام معه، حتى أصبح المجلس مجرد ديكور عديم النفع والفائدة، يدين أعضائه بالولاء التام والأعمى ناحية شخص البطريرك الأنبا شنودة ويأتمرون بأوامره، بعد أن أحكم هذا الأخير السيطرة على اختيارات أعضائه وتوزيع قوائم على الكنائس بمن يرغب في اختيارهم.

أما الأنبا تواضروس فكان أكثر استخفافا بالمجلس الملي، فلم يكترث أصلاً لوجوده، حتى ولو كان مجرد وجودا شكليا لا يمارس أي سلطات فعلية في الرقابة على الكنيسة وأموالها وحساباتها وبطريركها، فالمجلس الملي العام الأخير للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الذي شُكل نتيجة الانتخابات التي أجريت في 2006، انتهت مدته القانونية في أبريل 2011، أي ما يقرب من أحد عشر عاماً، دون أي نية أو إشارة لإعادة تشكيله في القريب العاجل، متحججاً بأن الظروف السياسية التي مرت بها مصر في الأعوام العشر الأخيرة لم تسمح بعقد انتخابات المجلس الملي، وهي حجج واهية بنظري، ففي أوج الظروف العصيبة التي مرت بها البلاد في نوفمبر 2012، وبعد أقل من خمسة شهور على تولي الرئيس الإخواني محمد مرسي، وفي وقت الصدام مع الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور الإخواني، عقدت الانتخابات البطريركية والقرعة الباباوية دون أي غضاضة، وتولى الأنبا تواضروس منصبه كبطريرك للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فهل نجد رد فعل مسئول من البطريرك الأنبا تواضروس تجاه تغلغل فكرة عصمة البابا في الشعب المسيحي، وتجاه انتخاب مجلس ملي عام حقيقي يمارس دوره الرقابي بكفاءة؟

النقطة الأكثر أهمية، هل يمكن أن يتخذ الأنبا تواضروس موقفاً تاريخياً شجاعاً بتغيير لائحة انتخاب البطريرك، واتخاذ ما يلزم في المستقبل لمنع ترشح أي أسقف، أياً كانت إيبارشيته وتخصصه، وأياً كانت الظروف، للكرسي المرقسي؟؟

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: أسطورة القرعة الهيكلية[الجزء السابق] 🠼 أسطورة القرعة الهيكلية <br />(٣) اقترابات كاشفة[الجزء التالي] 🠼 أسطورة القرعة الهيكلية <br />(٥) إعادة السعي
بيشوي القمص

صدر للكاتب:
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ ٢٠١٧
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [قيصر جديد] ٢٠١٨
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [صراع العروش] ٢٠٢٢
كتاب: ﻻ أحد يتعلّم من التاريخ [العملية ظافر] ٢٠٢٤