Search
Close this search box.

المقال ده مش غرضه التنظير ولا الاستعراض، واعتبروه فاصل من الرومانسية السياسية وسط الإحباط والخذلان.

في بداية سنوات الغربة بالغرب الكافر، وصلتني الكثير من الخطابات الحكومية الرسمية على مدار عدة شهور، وهي:

1- الخطاب الأول من الحي الذي أسكن فيه، وكان مفاده:

نود أن نعلمك أن جارك سوف يقوم ببناء بيت من دورين بجانب منزلك، وحيث أنّه يهمنا سعادتك، ونحترم رأيك وخصوصياتك، فيسعدنا استقبال أي اعتراض على بناء البيت بجوارك في خلال ١٤ يومًا

2- الخطاب الثاني وصلني من إدارة الطرق، وكان مفاده:

سنقوم بعمل تعديل مروري في الشارع القريب، وسنحول التقاطع لإشارة مرورية لتسهيل الحركة، وحيث أننا نحترم إرادتك وقرارك، فيسعدنا استقبال أي اقتراحات أو اعتراضات على التعديل المروري في خلال ٣٠ يومًا

3- المنطقة اللي أعيش ليس بها حديقة للأطفال, جمعنا توقيعات لسكان الحي الصغير وأرسلنا مطالبة للحي ببناء حديقة تشمل تجهيزات وألعاب لأطفالنا، وبعد أسبوعين جاءنا خطاب من الحي كان مفاده:

حيث انه يهمنا راحتكم وسعادة أطفالكم، فقد خصصنا مبلغ [….] لبناء حديقة شاملة لأطفال الحي على قطعة أرض فضاء

 

كنت افكر مليا في كل هذه الخطابات في أثناء عودتي من عملي… كنت مصعوقًا، حيث أني مواطن شرق أوسطي اعتاد أن يتم اﻹشارة له في المخاطبات الرسمية بوصفه “المذكور”، ولم اعتد سماع تلك اللغة المهذبة والمصطلحات الغريبة!

لم أكن اعلم قبل هذا اليوم ما المقصود بالضبط من “الكرامة الإنسانية”، حيث أنها غير متاحة للعامة مثلنا في بلادنا الأم، وشحيحة في السوق، ويحضرها المسافرون معهم من الخارج.

ولم افهم ماذا يقصدون باحترام “إرادتي” أو “قراري” كفرد، فقد علمتنا أوطاننا أن كل هذه كماليات للحياة ولا نعلم لماذا يحتاجونها أصلًا… في بلادنا نولد ونعيش ونموت دونها، ولا احد يشتكي، أو حتى يجرؤ أن يشتكي، أو يجرؤ أن يفكر في أن يشتكي من قلتها!

وأصابتني الريبة والحيرة والشك من تكرار كلمة “تهمنا راحتك”، حيث اعتدنا في بلادنا أن “الاهتمام ما بيتطلبش”، ومحدش يهمه راحتك أساسًا!

أما ما أضحكني جدًا، فهي مسألة “نحترم خصوصيتك”، فلا أتذكر خلال حياتي بالشرق الجميل أن أحدا فكّر ولو مرة أن “يحترم خصوصياتي”، حيث من المعروف عندنا أننا شعب “عِشري” بطبعه، و”حشري” أوقات أكثر. وخصوصيات المواطن البسيطة مستباحة للجميع، وهي الشيء الترفيهي الوحيد المجاني!! والمطالبة باحترام الآخرين لخصوصياتك هي نوع من العجرفة الزائدة، والعنطزة، وقلة ذوق منك!! وكما كان الجميع يتسابقون على متابعة ما أقرأه علي هاتفي وأنا جالس في المواصلات، كنت أيضا أتبارى أنا وزملائي علي حشر رؤوسنا داخل الصحيفة التي كان يتصفحها أي من الغرباء الذي قادهم الحظ العاثر للجلوس بجوارنا على القهوة، حيث أصبحت جريدته جريدتنا، وحياته حياتنا، والورق ورقنا، والدفاتر دفاترنا!

أما بخصوص مطالبتنا للحي بإنشاء حديقة لأطفالنا، فتلك كانت الصدمة الكبري، حيث تم الاستجابة للطلب في خلال أسبوعين فقط من تقديمه، واندهشت بشدة أنهم لم يطلبوا منا شهادة تحركات أو فيش وتشبيه وقيد عائلي ولا إمضاءات، ولم نحتاج للذهاب إلي مبنى “ليبرتي سكوير” (مجمع التحرير بتاعهم)  لإحضار طابع دمغة من مسز “كوثر باركر”، إن ليفيل ثري!

في طريق عودتي للمنزل قابلت ساعي البريد الذي ناولني خطابًا جديدًا، وكان هذه المرة من هيئة الاتصالات وهذا مفاده:

نود أن نعلمك أننا سنبني برج اتصالات علي بعد 300 متر من منزلك لتقوية الشبكات، وحيث أنه يهمنا راحتك و … … !!

وقبل أن اكمل الخطاب واقرأ الجملة المعتادة …. نظرت للساعي وقلت: ما كفاية احترام بقى يا ولاد الـ*#@&%!*

فوتوكم بعافية.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟