
- يوميات ديميدوس الضرير
- نريد كلام بسيط وسهل
- قد وقعت في يد القدير
- ولما رآه أبوه.. تحنن
- ☑ من يمسك أجرة الأجير، يسفك دمه
كتب أهل بلاد ما وراء البحار في يومياتهم و معاناتهم مع الأنبا ديميدوس:
رأينا أسقفنا يعمر ويبني، ففرحنا، إذ يزيد من كنائسنا ويزيد فرصة تجمع أولادنا وأنشطتهم ولقاءاتهم. ولكن كان لنا ملاحظة تخص الشباب الذين يخدمون في الكنيسة حيث يقيم الأسقف، فهم دائمًا في المطبخ يطبخون وينظفون، يهتمون بكل شيئ، ورأيناهم كعمال بناء في أعمال التجديدات والبناء بالدير والممتلكات الأخري، اعتقدنا في بادئ الأمر أنهم يقومون بخدمة للكنيسة بكامل رضاهم، كما تعودنا أن نري دائمًا في أديرتنا في وطننا الأم. و لكن شيئ ما كان يرتسم علي وجوههم، شيئ مختلف تمامًا عما تعودناه من الفرح بالخدمة، فملامحهم الكئيبة تشعرنا بالحزن والاكتئاب والاضطرار و القهر، وليس فرح الخدمة.
سنحت الفرصة مرة، وتحدث إلينا أحد هؤلاء البؤساء، ويا ليته ما وجدنا ولا كلمنا… ظل الشاب يحكي عن ظروفه وكيف جاء وماذا يفعل، وكانت مفاجأتنا جميعًا، أنّه تم استقدامه ليعمل لدي الأسقف لكي يساعده علي تحقيق أحلامه بالنمو العمراني والعقاري للكنيسة، وفي المقابل، قدم له الأسقف الوعود البراقة بالحياة الكريمة والمساعدة على الإقامة الشرعية ولم شمل أسرته التعيسة -زوجته الشابة وأطفاله الذين يفتقدون حنان الأب- الذين يعيشون في الوطن الأم بدون عائل. وإلى هنا لا توجد مشكلة، فالجميع مستفيد و المنفعة مشتركة.
لكن في التفاصيل تكمن الكوارث وما يدمع العيون و يدمي القلوب… فأسقفنا الطموح كان يستغل احتياج الشباب أن يحصلوا علي إقامة في بلد آمن و يسخرهم للعمل عنده بأبخس الأسعار في مقابل كسرة خبز يسمم بدنهم بسببها وتوفير مكان للنوم اقذر من حظائر الماشية. ويضطر الشباب المسكين الذي لا يعرف لغة البلاد، وغير قادر علي التواصل مع أي جهة، أن يستمر في العمل لعدة أعوام حتي يستطيع أن ينجو بنفسه. فأسلوب العمل الذي يتبعه أسقفنا هو أقرب ما يكون للسخرة. فالشاب يجب أن يعمل أكثر من اثنتي عشر ساعة، من ٧ صباحًا حتي ١٠ مساءًا، حتي يأمن جانب الأسقف، وفي المقابل، يحصل علي مكان نومه ومرتب ضئيل لا يخضع لأي قوانين أو قواعد للعمالة في بلاد ما وراء البحار.
وبلغت جرأته أن يستغل الرتب الشموسية والخدمية في الكنيسة حتي يكتبها في عقد العمل أو الاتفاق، ليكون العمل وكأنه تطوّع وعمل خدمي ويكون أجره مجرد أجر رمزي، ولا تستطيع السلطات أن تحاسبه علي استغلال العمالة بأجر أقل من المسموح به. ولكن هل يفهم العمال ما يقصده الأسقف بهذه العقود؟ وهل قاموا فعلا بأعمال الشموسية والخدمية؟ بالطبع لا، وهذا ما يراه و يشهد به الجميع.
يضيف أحد العمال أنه بدأ العمل، دون أن يسأل حتى عن الراتب الذي سيأخذه، حيث أنه يتعامل مع أسقف، لن يطمع في تعبه أبدًا، لكنه فوجئ أنه لم يعطه راتبه الضئيل الذي يقدر ب ٢٥٠ ميرو [العملة المستخدمة في بلاد ما وراء البحار]، حيث أخبره الأسقف أن دفع الراتب سيكون سنويًا وليس شهريًا، و قبل الأخ مضطرًا، وماذا يستطيع أن يفعل؟ ثم بعد عام، أراد أن يستقدم عائلته، حسب وعد الأسقف له أنّه سيعمل عنده لمدة أربع سنوات وسيستقدم عائلته بعد أول عام. هنا فاجأه الأسقف، أنّه يريد أن يسرحه من العمل، وإعادته إلى بلاده، إذا أصر على استقدام عائلته. فلم يجد الشاب إلا أن يقبل أن يستمر بالعمل لمدة ثلاث سنوات آخرين.(يوميات الأنبا ديميدوس الضرير، أسقف بلاد ما وراء البحار)
يذكرني هذا الموقف بخال يعقوب لابان حين استغل حبه لراحيل ليستعبده في العمل عنده لسنوات طوال.
رجل آخر نجح في استقدام عائلته، ولكن قبل الحصول على الإقامة أصر على تسريحه من العمل، لتنهار كل أحلام الرجل و أسرته.
شخص آخر على صلة قرابة بأحد الأساقفة في الوطن الأم، أتى إلى بلاد ما وراء البحار، ليقع للأسف في عبودية الأنبا ديميدوس الضرير، الذي مارس عليه ضغوطًا وإهانات، مما دفعه في إحدى المرات أن يجري وراء الأنبا ديميدوس الضرير بالسكين، يريد قتله ليتخلص من مذلته، وانقذه الناس بأعجوبة.
هذه بعض أمثله من كثير من المآسي المؤلمة. لكن لنكمل مع فقرات أخرى..
علي النقيض تمامًا ما يفعله موظف شئون الأجانب حين يتقدم إليه شخص أجنبي حديث العهد بالبلاد، إذ يصر الموظف أن يعرف قيمة المرتب في العقد، حتي يطمئن أن صاحب العمل لا يستغل الموظف الجديد. هذه قوانين العالم والتي يُفترض ألا تكون أفضل من قوانين الكنيسة التي تستمد عدلها ورحمتها من المسيح نفسه. لكن للأسف ما نراه هو العكس تمامًا، فالعالم صار اكثر عدالة و رحمة من كنيسة الأنبا ديميدوس الضرير.
ولكن هل تغفل الجهات المسئولة عما يفعله الأسقف وهم الذين يتعجبون، كيف له أن يقوم بكل هذا الأعمال والتجديدات التي تكلف أموالا باهظة؟ فقد اتضح أنهم يعلمون بكل شيئ، وبأمر استغلال العمالة الغير مقننة أو تحت بند الأعمال التطوعية الكنسية الخدمية، ولكنهم لا يستطيعون تحريك القضية من ذاتهم وكل ما يفعلونه هو الانتظار أن يقوم أحد هؤلاء العمال بعمل شكوي لهم وهم سيتكفلون بالباقي من خلال المحامي العام.(يوميات الأنبا ديميدوس الضرير، أسقف بلاد ما وراء البحار)
هنا يقع الشعب في حيرة، فسمعة كنيستهم بالكامل ستكون علي المحك، فماذا يفعلون؟؟؟؟؟
هل كان يجب أن يواجهوا ظلمه بالقانون حتى لو أثر ذلك على سمعة الكنيسة؟
أم يتركوه يستمر في ظلمه حتى لا تتأثر سمعة الكنيسة؟؟
و للحديث بقية…
من يمسك أجرة الأجير، يسفك دمه.(يشوع ابن سيراخ ٣٤ : ٢٧)