Search
Close this search box.
شعرت بأنها تخونني.. نعم.. وبعد التحقق، تأكد لي أنها بالفعل متورطة في علاقة غرامية، ولكنها ليست مع رجل آخر، لكنها في علاقة آثمة بالطعام!

بدأت في الشك أنها قد تكون ضحية لإدمان الطعام المشبع بالدهون، مثل العديد من النساء المتزوجات في بلدنا، خاصةً اللاتي يجهلن فنون الطهي -وهن الأغلبية حاليًا- ويعتبرونه وسيلة للهروب من الاكتئاب.

سألت صديقي طبيب التخدير إن كان يوجد زمالة للمدمنين المجهولين للطعام أيضًا مثلما يوجد للكوكايين؟ إلا أن المكالمة انقطعت بسبب مشكلة هندسية ما ولم أسمع منه بعدها بأسابيع.

تواردت في ذهني شكوك حول كونها قد أصبحت ضحية لإدمان الطعام، بسبب مضادات الاكتئاب والمهدئات التي ينصح بها “الدجال” العجوز الذي تزوره بانتظام، وكانت عرفته من خلال وجوده الثابت في اجتماعات مصر الجديدة، وهو سائر دوما بابتسامته الصفراء في ذيل صاحب الجلباب الأسود “اللامع”، الذي تكرهني على سماع عظته المملة كل ثلاثاء.

تلك الاجتماعات الحماسية المليئة بالشباب المتحمس، خاصةً من الأحياء الكثيفة السكان، الذين يسعون للارتباط بأي كائن ذو رقم قومي مزور يحمل علامة “أنثى”، ورغم إخلاصي في حبي لها واحترامي لأمها، أجدها تعيش علاقة عاطفية بالطعام!

كم من مرة أجدها تقضي وقتًا طويلًا أمام “طشت” الكشري أو الجبن أو الفول أو العدس وبالطبع الدجاج، لا تأبى مفارقتهم ولو حتى للاستحمام.. طشت نعم.. لا تقتصر أكلتها على الصحن فقط، بل أصبحت تقضم حتى عظام الدجاج وربما قضمت طرف الطبق معهم.. هل تصدقون ذلك؟! ربما “جيجي”، الكلبة الصغيرة التي فارقت الحياة العام الماضي، فهربت من هذا الوحش الجائع، لو لم تكن غيبها الموت، ربما لكانت قد ابتلعتها زوجتي.

الحقيقة أن زوجتي وشقيقاتها وأمها وصديقاتها لا ينقطعن عن تناول الطعام نهائيًا، بشهية جشعة وهمسة جنونية كتلك التي ذكرها بإحدى مجموعاته القصصية، تضيق ملابسهن ويضطرن لشراء ملابس جديدة بدلا منها، وكالعادة، تكون الألوان سوداء، تمامًا مثل وجوههن!

وجهها يكبر حجمًا، ويظهر عليه علامات العجز، حتى وهي ما زالت في الثامنة والثلاثين من عمرها، حتى أن أنفها بدأ يطول ويتألق بفعل كثرة تناولها للطعام.. لا أفهم كيف يحدث ذلك!

أصبحت تسير في حوش الكنيسة هي وشقيقاتها وصديقاتها وهن يترنحن من وزنهن الزائد، وأصبحن يتعبن من كل خطوة، ويمسحن عرقهن الزائد في كل خطوة، حتى في ثلوج يناير!

وجميع ملابسهن السوداء هذه طبعًا لإخفاء طيات الدهون التي يغطيها الجلد السميك، تراهم يتجولن وهن يرتجفن ويتموج بداخلهن قطعان من الماشية وعدة مزارع دواجن، التهموها على مدار شهور قليلة، ترى كل واحدة منهن بعين الخيال تسير وهي تحتضن داخلها حظيرة ماشية كاملة وعدة مزارع دواجن، وكأنهن مزرعة متنقلة!

لقد تساءلت كثيرًا بدون إجابة، هل تحبني كما تحب الطعام؟ هل تحب أطفالنا كما تحب الطعام؟
وهل يحق لي أن أطلب كتاب الطلاق لأنها “تخونني” مع “خروف” آخر؟ (تحب لحم الضأن تمامًا كأمها)، هل هذه علاقة غرامية عرفتها متأخرًا؟ للأسف ليست مع خروف واحد أو بقرة واحدة، بل مع قطعان منهم على مر السنين والأيام كما قلت.

لن أجد اعتراضًا او مشقة في إمساكها في نفس الفعل، إذا كانت لا تتوقف عن تناول الطعام، منذ أن عرفتها وهي تكره نفسها وتحب الدجاج، المؤسف أنها مثل معظم زميلاتها صدقت الدعاية الريفية التي تقول إن المكياج يخلق “جمالًا مصطنعًا”، وأن الجمال الطبيعي -الذي لا أعرف أين هو الآن عمومًا- لا يوجد بديل عنه، ولكن أين هذا الجمال المصطنع في الأساس؟ نحن نريده ولو قلنا عكس ذلك، وأين الجمال الطبيعي أيضًا؟

وعندما تحدثت مع أصدقائي، قال لي أكبرهم سنًا بابتسامة مريرة: “أهلًا بك في النادي! نادي؟ نعم! قف وراءنا في الصف! هذا هو الزواج.. ماذا كنت تظن؟ قبلات وأحضان لا سمح الله؟!” صمتت، وصعب عليّ أن أجد كلمات ترثي لحالتي وحالهم.

كيف ينزل الفتيات في هذا العصر بدون مكياج؟ ولماذا لا يهتممن بتسريح شعورهن؟ ولماذا لا يمارسن الرياضة؟ ولماذا فقدن الكثير من أتهن؟ هن حتى لا يكترثن بغسيل أسنانهن! أما كانت أمهاتنا بطلات ومضحيات؟

لماذا أرى الكثير من النساء في فيسبوك و”التراب” يغطون وجوههن؟ لماذا وجوههن صفراء؟ لماذا لا يضعن ولو قليل من الزينة؟ أتحدث عن نساء ثريات، وعن فتيات غير متزوجات وبلا مسؤوليات؟

طبعا الأزمة الاقتصادية شماعة مثالية. ولكن منذ متى وبلدنا بلا أزمات؟

وماذا عن الرجال؟ لماذا بعضهم يعيشون كما لو أنهم يتنفسون الطعام؟ بعض الرجال لا يعرفون كيف يختارون ملابسهم، ويظلون دائمًا بشكل مهلل، مثل شخصياتهم المهللة، وليس لديهم اهتمام بمظهرهم الشخصي، وليس لديهم أناقة، ولا ثقافة، ولا حرية، ولا كرامة، ولا يعرفون العدالة ولا يتوقعونها، نعم.. معظمهم كنواب البرلمان.

كثيرون من الرجال بمصر، بالفعل، أصبحوا هم أيضا يتنفسون الطعام، العديد منا من الذكور لا يتقنون اختيار ملابسهم، سواء من حيث الألوان أو الخامات أو التصميم، بغض النظر عن ثروتهم، يظلون دائمًا دون حلاقة للذقن، ويرتدون ثيابًا مهلهلة وضيقة ورثة، يعكسون بها شخصيتهم المهلهلة، وتربيتهم المهلهلة، ويعكسون أيضًا على واقع إعلامهم ونظامهم السياسي والاقتصادي المهلهل.

وهم مكبلون بالهموم لعقود، وسيظلون كذلك، حتى يلجأ بعضهم إلى الهجرة والعمل في صناعة الساندوتشات في مطاعم محطات مترو الأنفاق، أو قيادة سيارات الأجرة مثل أوبر، أو العمل كعمّال في خط الإنتاج في مصنع مجهول! حتى لو كانوا يعملون بوظيفة بيع سيارات مستعملة مع تاجر فلسطيني أو عراقي عجوز يلقب بأبو فلان ولا يعرف احد اسمه بما فيهم أولاده، ولم يكمل تعليمه الثانوي، ولا يجيد اللغة الإنجليزية بالرغم من حصوله على الجنسية منذ عشر سنوات ونصف! ورغم ذلك يتحدث العربية بصعوبة،وسيظلون يشكون من تقاضي الحد الأدنى للأجور، أو أعلى منه بنسبة 10% أو 11% على سبيل المثال، ويحلمون بامتلاك عشة دجاج يمكنهم سداد أقساطها على مدى 30 عامًا، مع وجود مكان لركن سيارتهم اليابانية المستعملة من أيام !

في مصر، يولي بعضهم اهتمامًا بنظافتهم الشخصية، خصوصًا بعد الثانية والأربعين من العمر، بالرغم من ذلك لا يهتمون ببطونهم المتدلية حتى الأرض، أو لحياتهم البيضاء الكثيفة وهم دون الخمسين من العمر، أو رئتيهم التي احترقت من تدخين الفيب الصيني، الذي يتوهمون أنه سيحميهم من جحيم السرطان ولكن هيهات! ومثلما لا يهتمون بأناقتهم أو ثقافتهم، فلا يسألون عن حقوقهم وكرامتهم، ولا يغفل النابه منهم -واسمه في السجل البيطري “انفلونسر”- عن نشر استهزائه بشغف بعضهم، ويسخر فيه من استخدام تعبيرات التحفيز في أي مكان، ويستبدلها بأيات من التدوين الفاشل بقيادة استشاريين المبيعات المسنين مثل أبو شفطورة وأبو جلامبو وأبو المجد وأبو الذل، الذي لا تعلم متى ظهروا ومتى يختفوا! بالإضافة إلى النقاد الفنيين “الظرفاء” من عباد الرحمن وما أنزل الله علينا بهم من سلطان على جميع منصات التواصل الاجتماعي!

كثير مننا كرجال أيضًا أضحى تفكيرنا أيضًا، تفكير حيواني جائع، متمحورًا حول الجنس، تمامًا كتفكير زوجاتهم اللواتي يركزن في رحلة بحثهن عن كنز الحياة على الطعام، واللواتي يرفضن إهدار أموالهن في تزيين أنفسهن (أو حتى في تعليم أطفالهن) بدلا من الأكل والغذاء والتهام الطعام، وأصبح كثير من الأسر اليوم حالهم للأسف يشبه حالة أسرة فيلم الرسوم المتحركة “ذا كرودز” الذي يصوّر حياة أسرة تعيش في العصور البدائية… بالرغم من أن الفيلم انتصر في النهاية لحاجة كده اسمها والعياذ بالله “الحب الأسري”.

ولا عجب أن يتخذ الملل الزوجي منزلقًا في حياة الزوج الراضي بالقليل مهنيًا، وفي حياة الزوجة التي فقدت أنوثتها، وفي حياة الأطفال الفاشلين دراسيًا، والذين يتطلعون لقيادة سيارات “أوبر” أو دراجات نارية بتطبيق “طلبات” فور تخرجهم، إن لم يكونوا قد ارتدوا سماعات الهاتف لمركز الاستدعاء، حيث وجدوا متنزههم في الطعام والفرار من المذاكرة!

قد يكون إدمان طعام في مصر، خاصة الأكل غير الصحي والمشبع بالدهون والرخيص السعر، ناتجًا عن أسباب كثيرة أخرى، مثلًا يجد البعض أنفسهم، للأسف، ليلاً في مواقع إلكترونية إباحية فاحشة، يحلمون بسببها بأحلام فانتازية لا وجود لها سوى في خيال مخرج مريض يعتمد على المخدرات، تمامًا كما يجدون أنفسهم في الصباح في مواقع إلكترونية دينية فاحشة، يحلمون بسببها بأحلام فانتازية لا وجود لها سوى في خيال أمير جماعة مريض يعتمد على المال والسلطة والدماء.

تمامًا كما أدمنت زوجتي الطعام… سامحها الله!

وسنتابع الحديث إن كان -ده وإن كان- لدينا بعض الوقت المتبقي في هذه الحياة!

بالهناء والشفاء!

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟