المقال رقم 4 من 12 في سلسلة القداس الإلهي

هوذا الرب يعطي ذاته آية“. ربما هذه الآية مفتاح لفهم تقوى الكنيسة الشرقية وأين تكمن القوة في ممارستها لصلواتها الة.

فهي لا تحتفل بحدَث بقدر ما تحتفل بشخص. الكنيسة تحتفل بشخص الرب ذاته لأن في شخصه تنجمع الأحداث الأساسية كلها من ميلاد وعماد وصَلب وقيامة وصعود إلى السماء.

هذا ما تمارسه الكنيسة في القداس الإلهي. فهو ليس احتفال بذكري تاريخية ولكننا نستقبل شخص المسيح ذاته في سرٍ مجيد هو ال.

في القداس الإلهي نحن نمارس شركتنا في المسيح، فنشترك ونجوز معه الأحداث التي جاز الرب فيها وهو لابس جسدنا على الأرض بل وبعد صعوده إلى السماء لأنه صعد بجسدنا،  ونحن ما زلنا فيه.

ولأن القصد هو شخص الرب، لذلك ليس في القداس التزام بترتيب تتابع الأحداث زمنيًا، فنحن نشترك في قيامة المسيح في بدايات ونهايات القداس سيَّان.

فالطقس أي الصلوات وترتيبها يُعبِّر عن وجود حقيقي وليس رموز تُذكِّرنا بأمور روحية نرهق أنفسنا ذهنيًا في إيجاد تفسير لها، وعلى سبيل المثال هذا الشرح الضعيف للشمعتين اللتين نضعهما على المذبح وأنهما تذكير بالملاكين في قبر المسيح، في حين منهج الروحانية الأرثوذكسية الأصيل يرى أن الكنيسة هي بيت الملائكة وهم أعضاء معنا يرافقون المسيح خلال الأحداث الهامة في الكنيسة في هذا القداس كما كانوا في بيت لحم، وفي جثسيماني، وفي القيامة.

فالأرثوذكسية السليمة ترى إننا في المسيحية لا نتعامل مع فكرة. وإن عجزنا عن تذكرها تنتهي وتزول كأنها لم توجد. ولكن لأن الملائكة حاضرة في القداس ترافق جسد الرب ودمه على المذبح، لذلك أصبح وجود الشمعتين أساسًا هو تجسيد لحقيقة الواقع الذي نعيشه أي وحدة السماء والأرض والحضور المتبادل منذ مصالحة المسيح للسمائيين والأرضيين.

ثم نلاحظ تقديم أكثر من قربانة في بداية القداس ثم اختيار قربانة واحدة هي الأفضل، وترافقه الصلوة ”الرب يختار له حملًا بلا عيب”. هذه دلالة على أن المسيح لا مثيل له، وأن هناك وسيط واحد هو المسيح، وأن كل الذبائح القديمة لم تكن قادرة أن تعطينا الوسيط الوحيد بين الله والناس.

ويعود الكاهن و يمسح القربانة بالماء، إشارة إلى معمودية الرب على يد ، وبداية إعلان المسيح عن نفسه وسيطًا بين الله والناس، وتُغطَّى القربانة باللفائف لأنها سرُّ لا يمكن الوصول إليه إلا بالاستنارة وبالتعليم. لذلك تبدأ القراءات المقدسة.  وبعد أن تأخذ الكلمة الإلهية مجالها وتنتهي العظة، يكون الاستعداد الروحي قد تمَّ لندخل إلى الصلاة. ولا تُرفَع اللفائف لا سيما الغطاء الذي يغطي التقدمة كلها ( الأبروسفارين ) إلا بعد صلاة الصلح.

إن صلاة الصلح هي مرحلة حرجة في صلاة القداس. فهي تأتي بعد قراءة الكلمة الإلهية والعظة لأننا بالكلمة -والمسيح هو ”كلمة الله “- نستعد لنصل إلى المصالحة.

فعلينا أن ندرك أن حركتنا نحو الله بالصلاة ونحو إدراك السر الإلهي هي أساسًا مبادرة من الله في المسيح ” كلمة الله “، وأيضًا هي حركة قَبُول مننا للمصالحة مع الله. وكما في الوصايا حيث الوصية الثانية بمحبة القريب هي كاشفة لحقيقة الوصية الأولى أي محبة الله، فالذي لا يحب أخاه الذي يراه كيف يحب الله الذي لا يراه، لذلك فإن تصالح المؤمنين بعضهم بعضًا بقبلة المحبة هي كاشفة للتصالح مع الله الذي تم في المسيح.

ويجدر الذِكر أن المصالحة في كتابات آباء الكنيسة ليست بالضرورة التنازل عن الخصومات. هذا الجانب السلبي لا وجود له في المسيحية. وإنما المصالحة هي أن نحب بعضنا بعضًا لنكون جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا بالرغم من الخلافات. فالجسد الواحد تختلف فيه الأعضاء عن بعضها ولكنها تنسجم في محبة الجسد الواحد. والمحبة الإلهية عندما تدخل القلب هي القادرة أن تغيِّر القلب تدريجيًا فتنزع الخصومات تِباعًا.

لذلك فإن تأخر الوحدة المسيحية بين الكنائس انتظارًا لفض الخلافات هي عثرة الرئاسات المسيحية في المحبة التي طالبنا بها المسيح. لأن المحبة هي التي تزيل الخصومات والخلافات وليس العكس.

وفي صلاة الصلح نجد الشماس يمسك الصليب، والكاهن يرفع اللفافة على شكل مثلث، مثل أختام القبر تأكيدًا إلى أن قيامة المسيح هي أساس مصالحتنا مع الآب وأساس قبلة السلام بعضنا لبعض.

ونلفت النظر مرة أخرى إلى أن القداس الإلهي هو شركة مع الشخص وليس تتبع الحدث كذكرى. فرأينا في صلاة الصلح ببداية القداس أن قيامة المسيح حاضرة كأساس. وتستمر شركة المؤمنين مع شخص المسيح في القداس في أحداث أخرى كانت قبل القيامة. مما يوضح أن الأقباط في القداس الإلهي لا يتعاملون مع أفكار يتذكرونها عن المسيح تراعي الترتيب في ذِكرها، ولكنهم يتقابلون مع شخص واحد حاضر معهم هو المسيح. فالمسيح لم يتجسد في بيت لحم ثم تخلى عن الجسد، بل المسيح وُلِدَ في بيت لحم وظل تجسده حقيقة دائمة. لذلك تقيم كل كنيسة “بيت لحم” فيها أي بيت القربان.

والذين لا يفهمون أن وحدة عمل المسيح تتخطي فواصل ومراحل الزمن المخلوق، نجدهم يتساءلون: كيف أعطى المسيح جسده قبل أن يُصلَب وهو جالس وسط تلاميذه يوم الخميس قبل جمعة الصلبوت؟

والسُبح لله.

بقلم د. رءوف إدوارد


*) نقلًا بتصرف عن العلامة الدكتور بباوي.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ القداس الإلهي[الجزء السابق] 🠼 القداس الإلهي (٣)[الجزء التالي] 🠼 القداس الإلهي (٥)
القداس الإلهي (٤) 1
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎