ينتقل القديس يعقوب الرسول بالحديث إلى مفهوم العمل والجهاد الروحي من منظور مسيحي:
وَلكِنْ كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ
(رسالة يعقوب 1: 22)
ينبغي القول أنه من المستحيل للشر أن يدخل حياة إنسان عن طريق تفكير سليم لعقل إنساني سليم، لأن هذا يتعارض مع حقيقة أن خليقة الله هي حسنة جدًا (تكوين 1) ورافضة للشر بسبب طبيعتها الصالحة، بالتالي لا تقبل ما يعرضه الشيطان، وقد أيقن الملعون هذه الحقيقة أنه لا يمكنه محاربة الله ”على المكشوف“ باستمالة قلب الإنسان إلى الشر. فنرى أنه أسقط آدم وحواء بالخديعة والتشكيك ”أحقا قال الله“، ومازال يحاول بالخداع أن يُفسِد عمل الله الصالح في البشر.
فدعاه الرب ”بالكذاب وأبو الكذاب“ حيث يخدع الإنسان فيظن أنه يتبع الله بينما هو يخدم الشيطان دون أن يدري، هذا هو ما يحذر منه الوحي المقدس بقوله ”خادعين أنفسكم“ في هذه الآية. فقد أستطاع عدو الخير أن يزرع زواناً في وسط الحنطة ويبلبل أذهان البشر بأديان مختلفة تتناحر وتقتل الإنسان تحت ستار عبادة الله.
ولهذا فقد أهتم الله أن يحرس العلاقة والشركة بالإنسان من هذا الخداع. فمنذ أن أعطانا الله الوصايا العشر، نجده -تبارك اسمه- قد وضع التقوى والعمل الروحي كاشفاً لصدق الإيمان من حيث إن العمل هو نتيجة للإيمان وشاهد على صدقه. فنجد أن الوصية الأولى ”تحب الرب إلهك“ هي في الحقيقة مُنشِئة للوصية الثانية ”تحب قريبك“. لأن السبب في محبة الآخرين هو محبتنا لله، ثم نجد إن الوصية الثانية التي توصي بحب الآخرين كاشفة لصدق الوصية الأولى، لأنه دون أن نحب الآخرين فمحبتنا لله ليست حقيقية، لكنها تصير عملية وظاهرة في عمل المحبة تجاه الآخرين:
إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟
وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا.(رسالة يوحنا الأولى 4: 20، 21)
ثم يستطرد الوحي المقدس هذا الشرح في عدد 23 و24 لكي ينبه الوعي إلى خطورة الخلط بين ماهو حق وما هو خداع، حيث يذكر الوحي إن ”كلمة الله“ في حياتنا هي ”المرآة“ التي تكشف ذواتنا ليصلحها ويجددها ”الرب الروح“ (رسالة كورنثوس الثانية 3) كما سنشرح لاحقا.
لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ سَامِعًا لِلْكَلِمَةِ وَلَيْسَ عَامِلًا، فَذَاكَ يُشْبِهُ رَجُلًا نَاظِرًا وَجْهَ خِلْقَتِهِ فِي مِرْآةٍ، فَإِنَّهُ نَظَرَ ذَاتَهُ وَمَضَى، وَلِلْوَقْتِ نَسِيَ مَا هُوَ.
(رسالة يعقوب 1: 23، 24)
فَاقْبَلُوا بِوَدَاعَةٍ الْكَلِمَةَ الْمَغْرُوسَةَ الْقَادِرَةَ أَنْ تُخَلِّصَ نُفُوسَكُمْ.
(رسالة يعقوب 1: 21)
فلكي يضمن الوحي صدق الإيمان فإنه يؤكد على أهمية العمل والسلوك المسيحي كشاهد للإيمان أنه إيمان حي وفاعل وليس وهم وخيال. فيعود بنا الوحي إلى حديثه عن أهمية ”كلمة الله“ كمعيار خِلقتنا الجديدة التي أسسها المسيح في تجسده ولبسناها في المعمودية فوق الخليقة العتيقة التي ورثناها من أبينا آدم بعد سقوطه (انظر المقالين السابقين أخر المقال).
فإن محور العددين 23و24 إننا نتواجه مع ”كلمة الله“ مثل مرآة كاشفة وهادية لتَحَوُّل مستمر في الإنسان خلال حياته على الأرض من خِلقته العتيقة إلى الجديدة في المسيح.
”وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ“
(رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3: 18)
إن أهمية هذه الآية مع الآيات 23و24 إنها تُظهِر عمل ”كلمة الله“ في كشف الذات الإنسانية وتغييرها من العتيق إلى الجديد.
”لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ“
(رسالة بولس إلى العبرانيين 4: 12)
فالإنسان أمام ”كلمة الله“ نوعان:
إما أن ينظر ويتعجب ثم يمضي في حال سبيله كما لقوم عادة كما فعل بطرس أمام أكفان المسيح:
“فَقَامَ بُطْرُسُ وَرَكَضَ إِلَى الْقَبْرِ، فَانْحَنَى وَنَظَرَ الأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً وَحْدَهَا، فَمَضَى مُتَعَجِّبًا فِي نَفْسِهِ مِمَّا كَانَ“
(إنجيل لوقا 24: 12)
بالتالي تظل ”كلمة الله“ التي سمعها مثل:
”نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ“
(رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس 13: 1)
لهذا انصرف بطرس إلى صيد السمك مع التلاميذ بعد صلب المسيح إلى أن افتقدهم الرب. أو ينظر ”بوجه مكشوف“ (رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس 3) إلى ”كلمة الله“ كروح وحياة ”الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة“ قادرة أن تُغيِّره ”إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ“. عندئذ يتحقق قول يعقوب الرسول أن كلمة الله تصبح كياناً حياً مغروساً فينا وليس مجرد ذبذبات يبتلعها الهواء ”فَاقْبَلُوا بِوَدَاعَةٍ الْكَلِمَةَ الْمَغْرُوسَةَ الْقَادِرَةَ أَنْ تُخَلِّصَ نُفُوسَكُمْ“.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، نقول إن هذا كان اختبار مريم المجدلية للرب يسوع ”كلمة الله“ وعلى النقيض من اختبار بطرس الرسول.
”وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا، وَالظَّلاَمُ بَاق… انْحَنَتْ إِلَى الْقَبْرِ…فَنَظَرَتْ يَسُوعَ“
(يوحنا 20: 1، 11، 14)
إن لقاء الإيمان بشخص الرب”اللوغوس/ كلمة الله“ يُنشئ تجديداً لكياننا من خليقة عتيقة إلى الخليقة الجديدة، وأما سيرتنا وأعمالنا فهي كاشفة لهذا التغيير وشاهدة وحافظة لانتمائنا وكياننا الجديد في المسيح. ويظل ”الإنجيل“ المقدس هو ”مرآة“ يستعلِن من خلالها ”الرب الروح“، ”الخليقة الجديدة“ لنا في المسيح يسوع.
والسُبح لله
بقلم د. رءوف إدوارد