المقال رقم 4 من 4 في سلسلة الفن القصصي في الأناجيل
في هذا المقال نشرع في استكشاف المنطقة التاريخية المظلمة الواقعة ما بين تاريخ صعود / رفع السيد المسيح إلى السماء عام 33 م (بحسب تقويمنا الحالي وبدون احتساب هامش الخطأ الذي يبلغ مقداره ما بين 4 إلى 7 سنوات)، وما بين اعتناق بولس الرسول المفاجئ لعقيدة "يسوع الناصري المقام من بين الأموات" والذي كان محاربا شرسا لها وذلك في غضون عام 47 م، وما تبع ذلك من بداية كتابته لرسائله اعتبارا من العام 51 م تقريبا وحتى موته بالسيف في روما بأمر الإمبراطور "" عام 67 م.

فترة مبهمة هي، ولكنها كانت فترة اختمار وتبلور للعديد من العقائد والأفكار التي كان مقدرا لها أن تغير وجه التاريخ البشري كله شرقا وغربا طوال 20 قرنا من عمر الزمان.
كيف كانت عقائد وأفكار تلاميذ السيد المسيح تجاه معلمهم خلال هذه الفترة؟
ما الذي كان يدور بداخل دوائر الجماعات المسيحية المبكرة داخل وخارج فلسطين؟
أي أفكار كانت الجماعات المسيحية المبكرة تعتنقها تجاه ما سيصبح لاحقا “عقائد أساسية” في الإيمان المسيحي (الميلاد العذراوي، أقنوم الابن المتجسد، الخطية الأصلية، الصليب وسيلة للفداء، عقيدة الثالوث بداخل الجوهر الإلهي الواحد، إلخ)
ما مدى مساهمة “بولس” في صياغة وبلورة بعض هذه العقائد في كتاباته ورسائله؟

أنهار من الحبر أريقت طوال القرنين الماضيين ولا زالت تراق بواسطة باحثي العهد الجديد والدراسات المسيحية المبكرة في محاولة للإجابة على مثل هذه الأسئلة التي حيرت العقول الباحثة في ظل ندرة المصادر التاريخية لهذه الفترة بصورتها المتعارف عليها (وثائق، كتابات مؤرخين، نقوش، شواهد أثرية.. إلخ)

وهي الأسئلة التي كانت المؤسسة الدينية الرسمية (أي الكنيسة) تكتفي طوال 18 قرنا بالإجابة عنها بكلمة واحدة لم تعد مرضية لفضول الباحثين الأكاديميين اعتبارا من القرن 18: Tradition (التقليد)

آمنت الكنيسة شرقا وغربا بأن كل هذه الأفكار والعقائد (ومعها طقوس وممارسات الكنيسة) قد تلقاها تلاميذ المسيح رأسا من معلمهم القائم من الموت بشكل تقليد شفاهي، ثم نقلوها -عبر الكرازة- إلى المؤمنين الأوائل ومن ثم إلى خلفاءهم حتى بدأت عملية تدوين الأناجيل في حدود العام 65 م.

ولنبدأ بمحاولة الإجابة عن السؤال الأخير:
هل كان لبولس الرسول دورا في “صياغة” بعض العقائد المسيحية لدرجة تجاوزت الصياغة إلى “إنشاء” بعض هذه العقائد؟

الواقع أن الباحث في علم تاريخ الأديان لا يكاد يجد شخصية دينية تعرضت لاتهامها باصطناع العقائد بقدر شخصية بولس الرسول (شاول الطرسوسي سابقا). كثيرون من باحثي القرن 19 وبدايات القرن ال 20 تعاملوا مع “بولس” باعتباره (المؤسس الفعلي للعقيدة المسيحية)، وتبعهم في هذه النظرة كثير من المؤرخين والمفكرين ممن اتهمنه بدس أفكاره الشخصية في طيات المسيحية، نذكر من بينهم المؤرخ الأمريكي “مايكل هارت” الذي وضع “بولس” في ترتيب الشخصية السادسة في قائمته لأكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ البشرية، معللا ذلك بأن “بولس” هو من صاغ أهم أفكار اللاهوت المسيحي. أما في الشرق، فقد راج هذا الاتهام بين علماء الأديان المقارنة المسلمين ممن رأوا فيما جاء به “بولس” في رسائله تعكيرا لصفو “الوحدانية” التي كانت عليها رسالة السيد المسيح وحوارييه / تلاميذه.

تكمن أهمية بولس الرسول في أنه قد كتب حوالي نصف عدد أسفار العهد الجديد الذي بين أيدينا اليوم في شكل “رسائل” وجهها لكنائس ولأفراد (على خلاف ما بين الباحثين والكنائس المختلفة بشأن صحة نسبة بعض هذه الرسائل إلى بولس أو بعض تلاميذه)

حمل بولس الرسول ألقابا لامعة في : ، فيلسوف المسيحية الأول، لسان العطر، الإناء المختار، وغيرها من الألقاب التي تنبيء بمدى فصاحته وقوة حجته وحسن بيانه، والتي تتجلى كأوضح ما يكون في رسائله التي بين أيدينا اليوم.

ليس بمقدور أي باحث في تاريخ تدوين الأناجيل والكتابات المسيحية المبكرة أن يتجاوز بولس ورسائله، إذ إن الإجماع العلمي اليوم منعقد بالكامل تقريبا على أن بولس قد قام بكتابة رسائله خلال الفترة من 50 م وحتى 65 م تقريبا، أي إن آخر رسائله ظهورا كان تاريخها سابقا على بداية ظهور أول الأناجيل.

هل أضاف بولس الرسول إلى عقائد المسيحية المبكرة ما لم يكن فيها بالفعل؟

واقع الأمر أن الأبحاث الأكاديمية المتأنية خلال السنوات الأخيرة (وأغلبها لباحثين لا ينسبون أنفسهم إلى المسيحية) قد أصبحت تتحدث اليوم عن مقاطع وأفكار يطلقون عليها اسم Pre-Pauline (ما قبل بولس) استطاع هؤلاء عزلها وتمييزها من وسط متون الرسائل المنسوبة لبولس (سواءا بصورة مؤكدة أو ظنية).

تتميز هذه المقاطع ببعض السمات المميزة:

1- ألفاظها وتعبيراتها الفريدة التي لم يعتد “بولس” على استخدامها في بقية كتاباته ورسائله.
2- طابعها المسجوع الذي يغلب عليه الأسلوب الشعري poetic كما لو كانت معدة للتلاوة بشكل ليتورجي (شعائري) بواسطة جماعات مسيحية مبكرة.
3- برغم كونها قد وصلتنا مكتوبة باليونانية كسائر رسائل بولس، فإن هذه المقاطع (الما-قبل بولسية) تتميز بمقاطعها القصيرة وسماتها اللغوية التي توحي بأنها مترجمة إلى اليونانية من أصل شرقي (آرامي تحديدا)، وهي اللغة التي تكلم بها المسيح وكذلك تلاميذه.
4- في بعض هذه المقاطع يتحدث بولس عن عملية تسليم (باليونانية: باريلابون παρέλαβον) وتسلم (باليونانية: باريدوكا παρέδωκα) قام بها من الكنيسة الأم في أورشليم خلال أولى زياراته إليها (بعد 3 سنوات من اعتناقه للمسيحية)، إلى المؤمنين الذين خاطبهم في رسائله.

ويلاحظ هنا أن هذين التعبيرين -في زمن بولس- كانا شائعين في نطاق الدوائر الدينية اليهودية للإشارة إلى عملية تسليم الشريعة الشفهية ما بين الرباوات اليهود وتلاميذهم.

يتفق أغلب باحثي Literature Criticism (النقد الأدبي) على وجود 7 مقاطع (ما-قبل بولسية) على الأقل في رسائل بولس، هي بدون ترتيب زمني:

1- الرسالة إلى أهل رومية “روما” 4،3:1:

عَنِ ابْنِهِ. الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ، وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.

2- الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 26-23:11:

لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ:«خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلاً: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي». فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ.

3- الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 8-3:15:

فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ. وَآخِرَ الْكُلِّ ­ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ­ ظَهَرَ لِي أَنَا.

4- الرسالة إلى أهل فيلبي 11-6:2:

فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ.

5- الرسالة إلى أهل كولوسي 18-15:1:

الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.

6- الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 16:3:

وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ.

7- الرسالة الثانية إلى تيموثاوس 8:2:

اُذْكُرْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ بِحَسَبِ إِنْجِيلِي

بينما يضيف بعض علماء العهد الجديد مثل Gary Habermas (جاري هابيرماس) إلى المقاطع السبعة السابقة 3 مقاطع أخرى:

الرسالة إلى أهل رومية 4: 25:

الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا

الرسالة إلى أهل رومية 10: 9-10:

لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ.

الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 6: 13:

أُوصِيكَ أَمَامَ اللهِ الَّذِي يُحْيِي الْكُلَّ، وَالْمَسِيحِ يَسُوعَ الَّذِي شَهِدَ لَدَى بِيلاَطُسَ الْبُنْطِيِّ بِالاعْتِرَافِ الْحَسَنِ

وبمطالعة سريعة لمتن هذه المقاطع يمكننا أن نلاحظ أنها قد اشتملت على أغلب العقائد المسيحية الأساسية كما ظهرت في الأناجيل بعد موت بولس عام 67 م.

وأيا كان وجه الخلاف بين العلماء حول مدى مساهمة فلسفة بولس في بلورة بعض العقائد المسيحية في اتجاه معين، إلا أن هذه المقاطع (ومعها مقاطع أخرى في رسالتي ى ويوحنا الأولى) تدل بوضوح على وجود ما يشبه (قانون إيمان بدائي) كانت الجماعات المسيحية المبكرة تتداوله فيما بينها وتلقنه لأتباعها شفاهة وتتلوه في بعض الممارسات ال مثل المعمودية وفريضة العشاء الرباني.
ومن هذه المقاطع وأمثالها من التراث الشفهي، بدأ تبلور الأناجيل التي بين أيدينا اليوم.

الفن القصصي في الأناجيل [٤] 1صورة زيتية تمثل حادثة تقديم أهل مدينة (لسترة Lystra) للقرابين لبولس ورفيقه ، حيث ظنوه تجسدا للإله الإغريقي “هرمس” أي عطارد (رسول الآلهة ولسانهم الناطق) من فرط فصاحة بولس وموهبته في الخطابة، وهي الحادثة التي يذكرها سفر أعمال الرسل.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ الفن القصصي في الأناجيل[الجزء السابق] 🠼 الفن القصصي في الأناجيل [٣]
ميشيل مكين