Search
Close this search box.
النهارده الصبح وقع حريق ضخم وصعب في كنيسة  بمنطقة المنيرة الغربية، محافظة الجيزة. ولأن النهارده اﻷحد (يوم القداس اﻷسبوعي لأي كنيسة) والساعة 9 الصبح اللي حصلت المأساة وقتها دي أكبر لحظة تكدس لأنها عادة بين قداسين فبتجمع بين الدخول والخروج، فاﻷرقام سواء في الوفيات أو المصابين متوقع تكون مرعبة، واللي وصلني -على تضاربه وعدم دقته- فعلا مفجع. يكفي أقولك إن في 5 مصابين بالحروق (منهم ضابطين) من الحماية المدنية (المطافي) وهما بيحاولوا يخرجوا أكبر قدر من الناس من المسارات اﻵمنة، ودول يفترض فيهم التدريب على مثل هكذا مواقف بخلاف الاستعداد الاستباقي من ملابس وأقنعة تنفس.

حالة من الصمت اﻹعلامي، تتوازى مع معلومات سابقة من أصدقائنا الصحفيين العاملين على “الملف القبطي” بوجود قيود إضافية عليهم في نشر هكذا معلومات.

التعتيم المعلوماتي في حرائق الكنائس 1بيان متوازن ومحترم أصدرته صفحة وزارة الداخلية، والحق أنه مكتوب بحرفية ومهنية تليق بخبير أمني متمرس في علم الاجتماع السياسي، ويعلم تمامًا ماذا يفعل وكيف يفعل، لكنه مصمم لشريحة عمومية وﻻ يخاطب “كتل حرجة” مفكّرة تجتهد في التحليل في وسط الضباب المعلوماتي.

لذا، وبشكل واضح وشفاف، فملاحظاتي القادمة ﻻ حكمة منها سوى عند رجال المعلومات وليس رجال اﻷمن، وليست معروضة للقارئ العام سوى في كونها رسالة مفتوحة ﻻ يوجد بها ما يشين،

هذا التعتيم المعلوماتي يجب أن ينتهي وتترك الصحافة حرة، ليس في هكذا مواقف بل في المجمل. ﻻ يصح أن تحتكر وزارة الداخلية المعرفة وتكون مصدرًا أحاديًا ممنهجًا بسياسة معينة (أي سياسة حتى ولو كانت وطنية مدروسة) إذ أن وزارة الداخلية معبرة رسميًا كغيرها من الوزارات واﻷرقام الرسمية ليست بالضرورة مصدر ثقة لكل القطاعات، والوزارات نفسها من الطبيعي أن تكون biased (لها انحيازات)

اﻷقباط نموذج اجتماعي ذو خصائص واضحة. أهمها الخوف من كل شيئ وأي شيئ. خارجين من مرحلة تاريخية معينة استهدفت كنائسهم وأرواحهم لتوريط النظام الحالي وإظهاره كفاشل، وينظر لهم على أنهم blind supporter في معركة ﻻ يريدونها ومقحمين فيها وﻻ يملكون إﻻ مزيدًا من الخوف من المستقبل, ربما يكون فزعهم اﻷوّل “هل هذا حادث إرهابي”؟ أم ﻻ؟ لكن أخر ما يمكن أن تخشاه الدولة هو “نعم، إرهاب”… في الحقيقة إن اﻹجابة “ﻻ، ليس إرهابًا” هي التي ينبغي للدولة أن تخشاها. فاﻹرهاب مُبرر مقنع، أما “ماس كهربائي” فهو أمر مستهلك (حتى لو كان حقيقته هكذا، فأنا أتحدث بناء على واقع اجتماعي لفئة معينة مرت بتجارب معينة صنعت مخاوفًا مستقبلية معينة)

بضم النقطتين السابقتين معًا، ينقلب ما قد تراه الدولة “معالجة معلوماتية ناجحة” إلى “فشل حتمي الحدوث”، فمنذ أيام حادثة كنيسة القديسين (ومعالجتها المعلوماتية المضببة) تشابكت الرؤية القبطية بحيث صارت ﻻ تستطيع التمييز بين حوادث اﻹرهاب ووزارة الداخلية، فأليات العنف متشابهة (يعضد ذلك حوادثًا أخرى وأخطاء أخرى غير ذات صلة بالملف القبطي وبعضها يتعلق حتى باﻹسلاميين) وأنا هنا أتكلم من منطلق: ﻻ يجب دفع الفواتير المتراكمة في حادث جديد نتيجة تغول النظرة اﻷمنية على النظرة المعلوماتية. الشرطة شرطة، والصحافة صحافة. وحتى في لحظات “عدم الثقة” فإن عدم الثقة في صحيفة حتى ولو كانت قومية أفضل كثيرًا من عدم الثقة في أجهزة الشرطة.

بصفة وتجربة شخصية، حدث حريق كبير في شارع مجاور نتيجة “التكييفات” أيضا، وشاهدت التعامل والتفاني من الجميع (شرطة وإسعاف وسكان وحتى سرسجية الشارع كلهم كانوا أبطالا حقا) ولم تحدث خسائر في اﻷرواح لكن خربت منازل كثيرة.. لذا أصدق ما يمكن أن يحدث بسبب “ماس في تكييف” + التدافع والتزاحم والكثافة المتوقعة نتيجة التوقيت.. لكن ذلك بكل صدق يعزى لوجود تجربة شخصية مصغرة. كم تتوقع من أقباط مروا بتجربة مماثلة؟

بصفة وتجربة شخصية أيضا، لي صديق تم اعتقاله لعامين احتياطيًا دون حراك (تهم ملفقة مطعون على واضعها) وعلى الرغم من عدم وضوح سبب هكذا إجراء (سياسي مصاغ بشكل تنفيذي عبر أجهزة أمنية) إﻻ أن أكثر اﻷسباب منطقية من واقع التهم الرسمية هو أنه تحدث في مسألة “حرائق الكنائس” على الفيسبوك مبديًا عدم اقتناعه بقصة “الماس الكهربائي”! وتم النظر (بواسطة نفس اﻷجهزة اﻷمنية) ﻻ على أنه قبطي حذر يفصح عما بداخله من مخاوف مشروعة، بل على إنه “بث أخبار كاذبة بشكل يخدم مصالح جماعة إرهابية”. كم تتوقع من بشر (وﻻ أقول أقباط فقط هنا) يعلمون بقصة “رامي كامل“؟

بضم النقطتين السابقتين معًا، هل تتخيل الفارق؟ هل تستطيع  أن تتوقع ما يجول بعقل اﻷقباط من كلاب مسعورة؟ الخوف ليس أمرا غير مشروعًا، وعدم الثقة هي نتاج طبيعي لتفزيع الناس من كل شيئ وأي شيئ.

فهم المشكلات هو نصف الطريق لحلها. وتحول المشكلات لظواهر معناه خطأ مكرر في معالجات فردية، فلم اﻹصرار؟ بعيدًا عن التفكير الجماعي العرضة للتزييف، فأنا وبشكل فردي جدا أخشى أن تتحول كل البيانات الشرطية إلى بيانات تتكلم بشكل مهدد (مثل البيان المحترم الذي أشدت بحرفية صانعه) لكنه بنظرة معلوماتية ﻻ يقدم أرقاما سوى الزمان والمكان والسبب اﻷولي (المستهلك) أي شيء آخر متروك لخيال القارئ ليملأ فراغاته. حتى الرقم الخاص بالضحايا غير مذكور، والمقدم فقط هو ضحايا رجال الخدمة المدنية (المطافئ) الذين أصيبوا أثناء محاولة إنقاذ الضحايا اﻷصليين.. بطريقة أخرى، يمكن قراءة البيان المحترم بطرق سلبية جدا. خذ عندك: أمثلة تخيلية بداية من التمييز بين ضحايانا المهمين وضحاياهم الغير مذكورين، نهاية بالتفكير بطريقة مهددة مثل: لقد قدمنا ضحايا من أجلكم، فمش إحنا اللي عملناها والله العظيم ماحنا!

فهم المشكلات هو نصف الطريق لحلها. وعودة ظاهرة حرق الكنائس نتيجة ماس كهربائي أيضا معناه خطأ مكرر في المعالجات فردية. خذ على سبيل المثال في نفس البيان الذي ذكر رجال الخدمة المدنية بشكل إيجابي بطولي. وهذا ﻻ خلاف عليه وهكذا أراهم واقعيا من دون بيانات وهكذا أتصورهم في المطلق. لكن أليس نفس جهاز الخدمة المدنية هو المسؤول من الناحية اﻹدارية عن إجراءات السلامة وأجهزة اﻹطفاء وأبواب الطوارئ وممرات الخروج اﻷمن والتي تعتبر جزءًا رئيسيًا من ترخيص أي منشأة تجارية الآن ولو كانت كشك سجائر صغير؟ فما بالك بكنيسة عامة؟ أنا ﻻ أستطيع تخيل أن هذا الجهاز المتشدد جدا مع القطاع الخاص يمكن أن يقدم تسهيلات خطرة وغير محسوبة في تراخيص الكنائس؟ هل يمكن أن تكون التوجهات العليا للدولة – والتي نلمسها فعلا – في تسهيلات بناء الكنائس أدت لتساهلات استثنائية في حياة المواطنين؟

فهم المشكلات هو نصف الطريق لحلها. وهذه الظاهرة بمجملها غير مفهومة،
بسبب التعتيم اﻹعلامي المحكوم بعقلية تدار بالتربص والاستباق للتربص!

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟