المقال رقم 2 من 6 في سلسلة يهوة والشرق اﻷدنى
لقد أثار سفر التكوين جدلا واسعا منذ قرون، خاصة بعد التقدم الملحوظ في علم الآثار والتنقيب في القرن التاسع عشر. في هذا المقال، سنوضح النظريات المتباينة التي تناولت نشأته وكتابته.

حسب التقليد، يُعد سفر التكوين أحد الخمسة، الذي اتفق معظم المؤرخين أنه عاش بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر قبل الميلاد. بالتالي يُعتقد أن سفر التكوين كُتب في هذه المدّة. فعلًا توجد أدلة داخلية أن موسى قد كتب الشريعة؛ على سبيل المثال، نجد في سفر الخروج، نصوص تشير إلى موسى ككاتب السفر.

وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اكْتُبْ لِنَفْسِكَ هذِهِ الْكَلِمَاتِ، لأَنَّنِي بِحَسَبِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَطَعْتُ عَهْدًا مَعَكَ وَمَعَ إِسْرَائِيلَ»

(خروج 34: 27)

لكن مع ذلك، لا نجد أي ذكر لموسى ككاتب سفر التكوين، فبإمكاننا التوصل أنه كاتب سفر الخروج، وأغلب التثنية، والعدد، واللاويين، لكننا لا نستطيع تأكيد كتابته لسفر التكوين. حتى في العهد الجديد، لا توجد إشارة أن موسى هو كاتب التكوين، مع إننا نجد إشارات واضحة أن موسى هو كاتب الشريعة والناموس.

لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا

(يوحنا 1: 17)

يرى المفسر اليهودي إبراهيم بن عزرا (1089- 1164م)، وهو أول من أشار إلى اختلاف سفر التكوين عن باقي أسفار ال، أن السفر لم يُكتب في حياة موسى، وقد استشف عزرا ذلك من عبارتين: “وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض(تكوين 12: 6)، و“وكان الكنعانيون والفرزيون حينئذ ساكنين في الأرض.(تكوين 13: 7) لأنهما توحيان بأن في وقت الكتابة، لم يكن الكنعانيون موجودين في أرضهم؛ أي إن النص كُتب بعد طرد الكنعانيين بواسطة بني إسرائيل وامتلاك أرضهم. وبما أن طرد الكنعانيين حدث بعد موت موسى، فإذن هذه النصوص كتبت بعد موته، أو في الأقل، قد خضع النص لمرحلة تحرير عقب الكتابة في وقت آخر. لكن، بالطبع، لا يمكننا أن نحدد بالقطع ما النصوص التي كتبها موسى بالسفر، وما النصوص التي كتبت بعد موته.

هناك نصوص أخرى تبدو أنها كُتبت بعد موت موسى. فهناك نص يذكر بلاد ما بين النهرين التي منها جاء إبراهيم إلى أرض الموعد باسم “أور الكلدانيون(تكوين 11:28، 31؛ 15: 7) كانت أور مدينة قديمة، تأسست قبل موسى وإبراهيم. لكن، قبيلة “الكلدانيون” لم تكن موجودة في زمن موسى. بل ظهرت في الألفية الأولى قبل الميلاد؛ فالكلدانيون هم قبيلة ناطقة بالآرامية هيمنت على جَنُوب بلاد ما بين النهرين (الآن جَنُوب العراق) بما في ذلك، منطقة أور حوالي عام 940 قبل الميلاد، أي بعد موسى بزمن طويل.

أيضا هناك ذكر لمدينة “دان” التي سميت على اسم حفيد إبراهيم في تكوين 14. بالطبع، لم يكن هذا اسم المدينة في زمن إبراهيم.

فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ، أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ الْمُتَمَرِّنِينَ، وِلْدَانَ بَيْتِهِ، ثَلاَثَ مِئَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَتَبِعَهُمْ إِلَى دَانَ

(تكوين 14: 14)

وَصَعِدُوا وَحَلُّوا فِي قَرْيَةِ يَعَارِيمَ فِي يَهُوذَا. لِذلِكَ دَعَوْا ذلِكَ الْمَكَانَ «مَحَلَّةَ دَانٍ» إِلَى هذَا الْيَوْمِ. هُوَذَا هِيَ وَرَاءَ قَرْيَةِ يَعَارِيمَ

(قضاة 18: 12)

وبعد تلك الأبحاث، كانت هناك نظريتين على الأرجح؛ النظرية الأولى تًرجع كتابة السفر إلى موسى، وتًرجع الإضافات والتعديلات على النص لأجيال لاحقة. أما النظرية الثانية لا ترجح كتابة موسى للسفر، ويعتقد أصحابها أن السفر بل والتوراة كليًّا كتبت في صورة مصادر/ كتب (لا كتاب موحد) بواسطة كتاب مختلفين وفي أزمنة مختلفة، وقد جمعت على يد عزرا سنة 400 قبل الميلاد.

تعرف النظرية الثانية ب، وقد نشأت في منتصف القرن الـ18 الميلادي، حين لاحظ الباحث “جان استروك” أن بعض النصوص تستخدم اسم “” (في التَّرْجَمَةً العربية: الله) فقط مثل تكوين 1 والبعض الآخر يذكر “” (في التَّرْجَمَةً العربية: الرب الإله) فقط مثل تكوين 2. كما نلاحظ اختلاف أسلوب السرد في الإصحاحين؛ ففي تكوين 1، نجد الأسلوب أشبه بأسلوب التقارير الصحفية المرتبة التي تركز على الترتيب الزمني للأحداث، أما تكوين 2، نجد النص يعيد سرد القصة لكن من منظور درامي، قصصي، ولا يركز على ترتيب الأيام، بل على تفاعل الله مع الإنسان. لذلك، يعتقد الكثيرون أن القصتين كتبهما كاتبان مختلفان، ومن هنا ظهر المصدران الأولان: المصدر الأول J ويشير إلى النصوص التي تستعمل “يهوه” والمصدر الثاني E ويشير إلى النصوص التي تستعمل “إيلوهيم”. غياب مبدأ التناسق (Consistency) يعد أحد أهم الحجج التي يعتمد عليها من يرى أن التكوين لم يكتب ككتاب واحد بل كعدة قصص متفرقة لعدة كتاب. ففي تكوين 1، نجد الله يخلق النباتات في اليوم الثالث قبل الإنسان، بينما في تكوين 2، نجد أن كل الشجر والعشب لم ينبت قبل وجود الإنسان؛ لأنه لم يكن في الأرض.

 كُلُّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي الأَرْضِ، وَكُلُّ عُشْبِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى الأَرْضِ، وَلاَ كَانَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ.

(تكوين 2 : 5)

في أواخر القرن الـ18، وضع الباحث الألماني “ التي ترجح أن التوراة كتبت بواسطة أربعة مصادر مختلفة J, E, D, P يعود أقدمها إلى عام 1000 قبل الميلاد وأحدثها إلى عام 600 قبل الميلاد. ولتلك النظرية ثقل أكاديمي، واعترف بها الكثير من اليهود، والمسيحيين الكاثوليك أيضًا، لكن مازال الجدل قائمًا حولها لأن العلماء لم يعثروا على هذه المصادر بمفردها.

أشار فلهاوزن أن J  قد كتب في وقت المنقسمة، ومنه كُتب معظم سفر التكوين، بينما كُتب E في شمال إسرائيل ومنه كُتبت أجزاء من سفر التكوين. وتم دمج المصدرين حوالي 722 قبل الميلاد.  أما D فهو المسئول عن سفر التثنية ويشوع والقضاة وصموئيل والملوك. P هو ومنه كُتب سفر اللاويين والأنساب والعبادات.

عمدت نظرية المصادر على إبراز النصوص غير المتناسقة. على سبيل المثال، في قصة نوح، نجد روايتين مختلفتين لكلام الله لنوح بالنسبة لعدد الأزواج.

في تكوين 6، يطلب الله من نوح إحضار زوجين من كل نفس حية. أما في تكوين 7، يطلب منه أن يأخد، سبعة أزواج من البهائم الطاهرة وإثنين من البهائم غير الطاهرة.

وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ، اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ تُدْخِلُ إِلَى الْفُلْكِ لاسْتِبْقَائِهَا مَعَكَ. تَكُونُ ذَكَرًا وَأُنْثَى. مِنَ الطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنَ الْبَهَائِمِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنْ كُلِّ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ تُدْخِلُ إِلَيْكَ لاسْتِبْقَائِهَا. 

(تكوين 6: 19- 20)

من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى. ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين: ذكرا وأنثى. ومن طيور السماء أيضا سبعة سبعة: ذكرا وأنثى. لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض.

(تكوين 7: 2)

وفي قصة إحصاء داود للشعب، التي ذكرت في سفرين مختلفين، نجد أيضًا روايتين مختلفتين: واحدة تقول إن الله هو من أهاج داود على الشعب ليعده، والأخرى تقول إن هو من فعل ذلك.

وَعَادَ فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَأَهَاجَ عَلَيْهِمْ دَاوُدَ قَائِلًا: «امْضِ وَأَحْصِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا»

(صموئيل الثاني 24: 1)

وَوَقَفَ الشَّيْطَانُ ضِدَّ إِسْرَائِيلَ، وَأَغْوَى دَاوُدَ لِيُحْصِيَ إِسْرَائِيلَ

(أخبار الأيام الأول 21: 1)

فمن الذي جعل داود يحصي الشعب، الله أم الشيطان؟

من هذه الاختلافات وغيرها (توجد أمثلة أخرى كثيرة لا يوجد متسع لذكرها)، استنتج فلهاوزن أن العهد القديم هو نتاج لمصادر مختلفة، يختلف كتابها أحيانًا في آرائهم ونظرتهم لله والإنسان، بالرغم من اتفاقهم في الإيمان به. لذلك، لا ينبغي أن نأخذ تلك النصوص من منظور حرفي. برزت تلك الأبحاث على السطح، وارتجت فكرة الوحي الجامد الخالي من أي دور بشري. وأصبح هناك رأيا جديدا يقول إن الله لم يعط البشر قوانينا منزلة ولم يقحم نفسه في قصصهم، بل جعلهم هم يكتبوا قصصهم بحرية ويختلفوا حوله، وتفاعل معهم أينما ذهبوا. استنتج الباحثون أن الاختلاف مع كاتب سفر من الأسفار كاللاويين أو المزامير  ليس اختلافا مع الله. مثلما نختلف مع أي كتب تفسيرية أو آبائية؛ لأن الكتابة بها جانب بشري واضح لن تستطيع إنكاره.

انكب الباحثون لمحاولة إيجاد نظرية أخرى لعدم رضاهم عن نتيجة فرضية المصادر التي ترجح كتابة العهد القديم بين 1000 و600 قبل الميلاد. بالطبع، لم يجلس كتاب السفر في هذه الحِقْبَة ليسردوا تاريخهم القديم من العدم. لذلك، يرى الباحثون أن هناك مصادر أخرى سابقة للمصادر الأربعة؛ على سبيل المثال نجد في سفر العدد 21 ذكر لكتاب يدعى حروب الرب، وكتب أخرى في الأسفار. ربما كانت تلك الكتب هي مصادر المصادر الأربعة. ومن ضمن المصادر الواضحة هي قصص . كما يرى البعض أن العهد القديم كان ينقل شفهيا إلى أن تمت كتابته.

لِذلِكَ يُقَالُ فِي كِتَابِ «حُرُوبِ الرَّبِّ»: وَاهِبٌ فِي سُوفَةَ وَأَوْدِيَةِ أَرْنُونَ

(عدد 21: 14)

 

اقرأ أيضا:

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ يهوة والشرق اﻷدنى[الجزء السابق] 🠼 يهوه والشرق الأدنى[الجزء التالي] 🠼 [٣] ثورة النص
[٢] متى كُتب التكوين؟ 2
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎