شاهدنا منذ أيام مقطع فيديوي لذكر مصري يضرب أنثى مصرية بـ"قحف النخل"، وبشكل جنوني انتقامي يستحيل معه استقراء أي نوايا للحفاظ على الحياة. وعلمنا بعد ذلك أن العلاقة بين هذا الذكر وتلك اﻷنثى، هي علاقة زواج قائمة [ودائمة لدى البعض]… أحاول في هذا المقال التفكير بصوت عال حول هذا الزواج.. ما نوعه؟ من أنشأه؟ ممن يستمد شرعيته ودوامه؟ من ذا الذي يوافق عليه؟ من يحمي هذا النوع من العلاقات التي تؤدي للوفاة؟ وبأي سلطة؟
بعضٌ مما ﻻ تفصح عنه كاميرا التصوير:
أسمها “ماري مجدي ونيس”، واسم زوجها “وليد سعد أيوب”، من سكّان منطقة الشرابية بالقاهرة. ماري حاصلة على التعليم اﻷساسي (اﻹعدادية) دون مؤهلات أخرى، وزوجها عاطل عن العمل وأخر مهنة امتهنها كانت “سائق”. تزوجت ماري من وليد وعمرها 16 عامًا بالمخالفة للقانون الحالي، فتاريخ الزواج يعود لعشرين عاما قبل الواقعة المصوّرة، ويسبق صدور القانون المدني بتجريم زواج القاصرات، ومن ثمّ فالسيدة “ماري” الآن عمرها 36 عامًا، أم لثلاثة فتيات أكبرهن 17 عامًا، متزوجة من مدمن مخدرات، حاولت مع اﻷسرة علاجه في مصحات علاج اﻹدمان وفشل التعافي، لثمان مرات، انتهى أغلبها بإشهار سلاح أبيض على المعالجين وتهديدهم. أُتهم بجريمة قتل ﻻبن عمه قديمًا.
تقول “ماري” عن زيجتها إنها كانت “زواج صالونات” تقليدي ولم يسبقه معرفة بحال “وليد”، أو اختبار من الأسرة لماهية المخدرات. وزواج الصالونات هو زواج يتم بحسن سمعة العائلة إجمالًا ﻻ الفرد مستقلًا. وماري تقر بأن أسرة زوجها حسنة جدا. فالجد من الأب، [السيد “سعد أيوب”، سبعيني، على المعاش] هو من يتولى اﻹنفاق فعليا على حفيداته الثلاثة. وسبب الواقعة محل التصوير هو علم الزوج “وليد” بأن ابنته الكبرى حصلت على مبلغ من أباه “سعد” وأراد استلابه منها عنوة لشراء المخدرات. فتدخلت الزوجة لتسريب ابنتها من قبضته. فنالها ما نشاهده في الفيديو. وبقية الواقعة ﻻ تفصح عنها الكاميرا، ويمكن إجمالها في إشهاره لسلاح أبيض محاولًا طعن الزوجة. وتدخل إثنين من إخوة “وليد” مع إبن لأحدهم، محاولين إنقاذ الزوجة. فما كان من الزوج إلا مهاجمة الكل بمن فيهم أخوية وإبن اﻷخ، محدثًا ﻻثنين منهما جروحًا قاطعة لأوتار اليد.
يجتمع في السيدة “ماري” ثالوث الضعف المصري (مصطلح صكّته الكاتبة: “رباب كمال”) فهي امرأة + مسيحية + فقيرة… وفي وقت كتابتي لهذا المقال، كان مقررًا باﻷمس 18 مايو، أن ألتقي بالسيدة “ماري مجدي” لكن لم يتثن حدوث هذا ﻻستدعاء النيابة لها في نفس اليوم لسماع أقوالها. انتظرتها في مكتب محام كبير تطوع لدعمها، لكنها لم تأت… تواجدت ماري بسراي النيابة دون وجود محامي، واعتمادًا على مجهودات ونصائح تطوعية من المحيطين (الطيبين) وأبرزهم تاسوني من الكنيسة التي تتبعها، ونتيجة لذلك، صدر اليوم أمر ضبط وإحضار للذكر المسجّل في المقطع الفيديوي، زوجها: وليد سعد أيوب.
صفحة على الفيسبوك نشرت خبر القبض على المجرم “وليد سعد أيوب”، الذي تعدى على زوجته “ماري مجدي ونيس” بالضرب بلوح خشبي. وفي ختام البوست كتب الأدمن: نتمنى صدور قوانين مدنية للأحوال الشخصية تسمح للحالات اللي زي ماري بالحصول على حكم بالطلاق بدون إذن الكنيسة حفاظا على حقوق المواطنين أيا كان دينهم.
اتصدمت من تعليقات بعض المسيحيين على البوست واللي كانوا معارضين لقول الأدمن “بدون اذن الكنيسة”… إحدى المعلقات “حسته تعبير مش لطيف”، بس منظر الست اللي بتتضرب بلوح خشب وبتتهان هي واطفالها لطيف عادي!؟
واكدوا أنه: “وإيه يعني لما تتطلق منه ده مش هايحل المشكلة!!” وإنه: “لازم يتعاقب بالقانون على تعديه عليها بس الطلاق مالوش علاقة بالموضوع!!” عشان طبعا عادي نحبسه كم سنة على جريمة التعدي عليها، ولما يطلع يبقى يرجع بيته وهي والعيال يعيشوا معاه، ويبقوا اسرة سعيدة مع بعضيهم!؟
وقال البعض إن: “ده قانون الكنيسة وماينفعش القانون يتعدى على سلطة الكنيسة”، بينما أكد آخرون إن: “الكنيسة ممكن تسمح بالطلاق عادي لو المحكمة أدانته بالتعدي عليها”، اصل الفيديو مش إدانة كافية يعني!؟
بينما برضه أفتى آخرون إن: “الكنيسة ممكن تديها بطلان زواج أو انفصال بس مش هاتطلقها” عشان طبعا طز في حقها إنها تكمّل حياتها وتفرح مع إنسان طبيعي بعد كده!؟
انتم بجد كويسين ياجماعة؟؟ بتفكروا إزاي وأولوياتكم فين؟؟
(نيفين سمير على صفحتها الشخصية بفيسبوك)
رحلة البحث عن أصول اﻷخلاق الجنسية الشرقية
أفرد المؤرخ العالمي “ويل ديورانت” فصلا كاملًا عن “تطور الزواج” في سلسلة مجلداته الشهيرة “قصّة الحضارة” وأسماه “أخلاق الجنس”. وفي نظر علم الاجتماع عمومًا فالزواج هو “أخلاق الجنس”. أي أنه اﻷخلاق التي تحدد أن هذه الممارسة الجنسية مقبولة أخلاقيا، فنسميها “زواجًا”، أو أن تلك الممارسة الجنسية غير أخلاقية، فنسميها زنا، أو دعارة، أو اغتصابًا، أو هتكا للعرض، أو أي مسمى آخر لتأثيمها وتجريمها ومقاومتها.
بطبيعة الحال، ولأن اﻷخلاق نسبية ومتغيرة ومتطورة بحسب التاريخ والجغرافيا والثقافة والمستوى الحضاري، فالزواج نفسه كمفهوم أخلاقي هو متغير وغير ثابت. خذ على سبيل المثال المجتمع الغربي والذي تنتشر فيه علاقات الـBoyfriend و Girlfriend، والتي هي واقعيا علاقات جنسية غير مثبتة أمام الدولة (أي أنها غير رسمية، وﻻ يترتب عليها تغييرًا في المركز الحقوقي أو المالي. وتشابه الزواج العرفي في المجتمعات الشرقية). هذه العلاقات وعلى كونها غير رسمية، إﻻ أنها أخلاقية تمامًا في مجتمعاتها، لكونها تحظى بالقبول والتراضي واﻹشهار ومعرفة وموافقة واعتراف اﻷسرة والمجتمع. بل حتى بالمقاييس الدينية (اﻷكاديمية غير الشعبوية) فهي زواج صحيح وإن كان رسميًا غير موجود أو غير مقنن. وﻻ يفوتنا هنا التنويه على أخلاقية هذه العلاقات قياسًا بالزيجات الرسمية الشرقية، فهي علاقات ﻻ تسمح مثلا بالضرب للمرأة بغرض التربية، ﻻ تراتبية أو ذات هيراركي يعطي الذكر ميزات مكتسبة في القيادة، وﻻ تسمح للذكر أو اﻷنثى بالعلاقات المتعددة وتعتبر ذلك خيانة، ويحق للطرف المضار إنهاء هذا الوضع الغير قانوني بسلطة القانون، والنكوص أو اﻹبراء عن أي تعهدات قُدمت للطرف اﻵخر، بما فيها المساكنة واﻹقامة المشتركة، أو استرداد كل ما تم تقديمه من أحد اﻷطراف للآخر دون مكتسبات جندرية منحازة للأنثى باعتبارها طرف غير مرغوب في خروجه للعمل والاستقلال اﻻقتصادي ويجب “تأمين مستقبلها” كما في الشرق.
التأمل في علم اﻻجتماع أيضا يجعلنا نلاحظ نوعين رئيسيين من الزواج، أحاول دوما قياس كل الزيجات على النمط اﻷقرب منهما:
- زواج قائم على علاقة “خضوع مقابل إنفاق”
ويقصد به طبعا خضوع اﻷنثى مقابل إنفاق الذكر. وهو يناسب هؤلاء الذين ينظرون لعلاقة الذكر باﻷنثى أنها علاقة تتمية، أي تتمم بعضها بعضا. وهو ما نراه في الزواج الديني حتى في توزيع اللعنات على اﻷسرة اﻷولى. فالرجلبعرق الوجه يأكل خبزه، وشوكا وحسكا تنبت اﻷرض له
، بينما المرأةبالوجع تلد، وللرجل تشتاق، ويسود عليها
(تكوين3) - زواج قائم على علاقة “المسؤولية المشتركة”
ويقصد به عدم توزيع أدوار معينة أو مسؤوليات محددة بين الذكر واﻷنثى، بل يترك ذلك للاتفاق بين الشريكين البالغين دون تدخل وصائي من اﻷسرة أو المجتمع أو الدولة، وهو يناسب هؤلاء الذين ينظرون لعلاقة الذكر بالأنثى أنها علاقة مساواتية. أي يتساوى فيها الذكر واﻷنثى بشكل تناظري. وهو ما نراه في الزواج بحسب اﻹعلان العالمي لحقوق اﻹنسان. (مادة16)
واﻵن، وبعد كل هذا الطرح الذي أشكر القارئ على صبره فيه… ما هو نوع الزواج الذي يجمع السيدة “ماري” بالسيد “وليد”؟ من أنشأه؟ ممن يستمد شرعيته ودوامه؟ من ذا الذي يوافق عليه؟ من يحمي هذا النوع من العلاقات التي تؤدي للوفاة؟ وبأي سلطة؟
اقرأ أيضا:
