بغض النظر عن رأيك في /الجولاني، وبغض النظر أيضًا عن أفكاره وتوجهاته ومستقبل سوريا بشكل عام تحت حكم “جبهة النصرة”، وأنا أحب تسميتها باسمها الأول، لأن هذه كانت صورتها الخام الأكثر تطرفًا والدالة على منهج التفكير الأصيل المترسخ في عقيدة أعضائها، وهذا ينقلنا للنقطة التي أكتب لأجلها هذا المقال.

كيف خُلق الشرع ومن بعده جبهة النصرة؟

القصة تبدأ في مارس ٢٠٠٣ عندما دخلت القوات الأمريكية لبغداد وأسقطت ونظامه. في تلك الأثناء، ارتعدت جمهوريات . كانت النظرية التي سادت آنذاك، والتي روجها المحافظون الجدد أنفسهم، أن حركة الدومينو قادمة لا محالة لتغيير الشرق الأوسط من سلطويات إلى جمهوريات أكثر انفتاحًا و، وأن هذا هو السبيل الوحيد لإيقاف مفرخة الإرهاب القادمة من الشرق الأوسط.

وزاد ارتعاد تلك الجمهوريات أن إدارة بوش اعتمدت رسميًا حل الدولتين، وضغطت على إسرائيل للانسحاب الكامل من غزة، ووعدت الفلسطينيين علنًا بدولة، ما يعني انتهاء مادة الحشد الوحيدة التي امتلكتها الأنظمة الانقلابية التي حكمت المنطقة منذ مطلع الخمسينات.

أكثر الجمهوريات ارتعادًا كانت الجمهورية السورية، نظام آل الأسد، خاصة بعد تسليم السلطة للشيعة في العراق وتوسيع تمثيل الأكراد في النظام السياسي العراقي. ودون الدخول في تفاصيل إدارة الولايات المتحدة للمشهد في العراق، إلا أن نظام الأسد، ذو الطبيعة العلوية في سوريا، شعر أنه مستهدف، بالذات بعد قرار مجلس الأمن ١٥٥٩ القاضي بانسحاب الجيش السوري من لبنان، والخطأ التاريخي الذي ارتكبه نظام الأسد باغتيال رفيق الحريري.

وقتها بدأ في تهميش المكون السني في النظام، بالذات بعد انشقاق عبد الحليم خدام. ثم قرر توجيه كل الغضب السني بشكل تقليدي للخارج، وحشد الشباب السني للجهاد ضد المحتل “الصليبي ال الأمريكي” في العراق. تلك كانت المعادلة آنذاك. كلفت مخابرات القوات الجوية في الجيش السوري باستلام الملف، وتعاون مع فلول نظام صدام حسين، وأجرى اتصالات ب عبر إيران، واستغل العناصر الفارة من طالبان والقاعدة بعد الدخول الأمريكي لأفغانستان، وفتح الحدود السورية للـ”مجاهدين”، وشكل معسكرات تدريب داخل سوريا نفسها.

كثير من مخابرات الأنظمة العربية ساعدت ومولت ودعمت مشروع النظام السوري، بل شاركت بعض الأنظمة ية المعادية للولايات المتحدة مثل كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا. كان هذا تقريبًا أهم تعاون حدث لتوريط الأمريكيين في مستنقع لا يخرجون منه في العراق. كان الهدف إيقاف المشروع الأمريكي وتأديب الأمريكيين وتلقينهم درسًا بأن أي تدخل لإسقاط أي نظام سيكون له عواقب وخيمة. وقد استوعبت أمريكا الدرس فعلًا وبدأت التراجع من إدارة بوش الثانية، وأكمل الباقي بعدما استغل الديمقراطيون الموضوع داخليًا لترويج نزعة الانعزال المستمرة في السياسة الأمريكية حتى اليوم، تحت عنوانها الأشهر: “لسنا شرطي العالم”.

المشكلة أن النظام السوري وداعميه لم يحسبوا تَبِعات الخيار الانتحاري الذي اتخذوه، وظنوا أن تلك الجماعات الإرهابية ومن خلفها تيار سيظل تحت سيطرتهم. سياسات الفترة بين 2003 و2008 وسعت جدًّا من صعود جماعات الإسلام السياسي وأخرجتها فعليًّا عن السيطرة، كي ينتهي المشهد بحرب أهلية في العراق، انقلاب حماس في غزة، اجتياح بيروت من قبل ثم هيمنته على الساحة اللبنانية، انفلات جماعات مثل فتح الإسلام في لبنان، الصعود التاريخي لجماعة في مصر والكويت والأردن، بداية تشكل الحوثي في اليمن، والتتويج الأخير ب من العراق شرقًا وحتى ليبيا غربًا.

انفجار الانتفاضة الشعبية في سوريا عام 2011 جلب كل من سبق وصنعتهم مخابرات القوات الجوية السورية من العراق إلى سوريا، وبرعاية قطرية تشكلت جبهة النصرة في سوريا. لاحقًا، استطاع الأتراك السيطرة على المزيد من الفصائل السورية المتمردة واستقطابها، فحجموا الصعود الكردي، وحصلوا على تفويض أمريكي إسرائيلي برعاية الوضع في سوريا المجزأة، حتى وصلنا إلى دخول هيئة تحرير الشام إلى العاصمة دمشق وإسقاط نظام الأسد.

الكلام فيه كثير من الاختصار لأن الحقبة طويلة ومليئة بالأحداث والتحالفات المتقلبة، لكن المؤكد هو أن نظام الأسد حصد ما زرع، وأثبت أن محاولة بعض الأنظمة لإعادة استعمال الة كأداة سيطرة في السياسة الداخلية أو في الصراعات الإقليمية، هي كارثة مؤكدة لا محالة، وليس على المستوى البعيد فحسب، بل على المستوى القريب أيضاً.

الدرس المستفاد

هذه الاستراتيجية البلهاء، ثبت فشلها وكارثيتها في إيران الشاه، ومصر ومبارك، ونادي السفاري في تجربة المجاهدين في أفغانستان، وسوريا في لبنان ثم العراق ثم في الداخل السوري نفسه، وإسرائيل في فلسطين، وتركيا في العراق وسوريا، وجنرالات الجزائر طوال الثمانينات، وتحالف الجنرالات والإخوان في السودان، وممكن نقعد نعد للصبح.

بل ثبت أنها تسلم نفسها في النهاية إما لحروب أهلية، أو لأنظمة أشد سلطوية ورجعية من أنظمتها نفسها، والتجربة لا تقتصر على الجمهوريات الشرق أوسطية فقط. التاريخ يخبرنا بأن محاولة المحافظين التقليديين في جمهورية فايمار للوقوف ضد الصعود ال في بداية الثلاثينات، جعلتهم يتحالفون مع النازيين وجلبوا على أنفسهم كارثة انتهت بواحد من أشرس النظم في التاريخ الحديث.

الولايات المتحدة اليوم، وبسبب عجز المؤسسة الجمهورية على مواكبة التحولات الاجتماعية وصعود النزعات داخل المجتمع الأمريكي، مع ارتفاع معدلات الدين وتباطؤ الاقتصاد وضعف الخدمات الحكومية، لجأ صقور الحزب آنذاك، ومن واقع الهزيمة الكبيرة أمام باراك أوباما، إلى أجنحة الأكثر رجعية وعنصرية، وجناح التقليديين الريفيين الأصوليين دينياً، واستطاع ، بقدرة تلفزيونية، خطف قيادة هذا الجناح.

انتهت المؤسسة الجمهورية إلى الخضوع التام لترامب وكتلة الماجا، وبات أي جمهوري يعارض ترامب شبه منبوذ، وحاليًا يتساقطون الواحد تلو الآخر في الانتخابات التمهيدية، والحزب يسحب نفسه نحو اليمين المتطرف، ولا أحد يستطيع تخيل مستقبل الحزب الجمهوري بعد ترامب في ظل الفوضى والفوضى المضادة من أقصى يسار الحزب الديمقراطي، وكلاهما قد يدفع الولايات المتحدة نحو مزيد من التراجع على الساحة العالمية والتفكك الداخلي لكل الأطر التقليدية التي قامت عليها السياسة الأمريكية منذ مرحلة “الصفقة الجديدة” وترتيبات ما بعد .

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي 3 حسب تقييمات 2 من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

عمرو بقلي
[ + مقالات ]