- الحالة المصرية: اقتراب حذر
- الدولة بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني
- الحكومة بين السياسيين والتكنوقراط
- مدنية الدولة وإدارة الإقتصاد [١]
- ☑ الصدمة والحركة الطلابية
رغم التناقضات التي حملتها حقبة سبعينيات القرن العشرين، لا يمكن أن نغفل أنها حققت نصرًا يحسب لجيش وشعب مصر ويسجل كأبرز تجليات الإرادة والعزيمة والمثابرة، وهو نصر لم يأت من فراغ، بل نتاج معاناة ممتدة، منذ لحظة الهزيمة ـ يونيو 1967ـ التي لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل ضربة استفاقة نبهتنا إلى أمرين، أو لعلها طرحت سؤالين لماذا وقعت؟ وكيفية الخروج؟ لم تكن الهزيمة نتاج حرب عسكرية تواجهت فيها الجيوش، بل كانت نتيجة تداعيات الانفراد بالسلطة وتكريس حكم الفرد وقتل الديمقراطية، بعد قولبة الحياة السياسية وتبني انصهار التعددية السياسية لتنتج تنظيمًا أوحد طمس معالم التعددية فصارت مسخًا، يري كل من يخالفه عميلًا وخائنًا ورقمًا في ثورة مضادة.
أما سؤال الكيفية فيكشف عن حاجتنا للوقوف والبحث عن أسباب الهزيمة، وتحليلها، وإعادة الاعتبار للتخطيط والقراءة المتبصرة لواقعنا والبحث عما نملكه من أدوات وتوظيفها لاسترداد أرضنا وكرامتنا، كانت ثقة الشعب في جيشه نقطة الانطلاق والركيزة التي اعتمدت للسير في طريق إعادة هيكلة الرؤية السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتجلى ذلك في تكافل كل محافظات ومدن الجمهورية مع “المهجرين” من محافظات ومدن “القنال”، استضافة وإقامة ومعيشة، وتبدأ مسيرة “حرب الاستنزاف” بكل تكلفتها البشرية والمادية، والتحول إلى اقتصاد الحرب، ومعها تختفي الصراعات والتحيزات تحت شعار “لا صوت يعلو على صوت المعركة”.
انتبهت القيادة السياسية لأهمية إعادة هيكلة القوات المسلحة، لوجستيًا وبشريًا، حتى وإن جاءت الانتباهة متأخرة، فأن تأتي متأخرة خير من أن لا تأتي، فعملت على إعادة تسليحها من عدة مصادر وابتعاث بعثات من رجالها للتدريب عليها في منابعها ومصادرها واستقدام خبراء لتدريب التشكيلات العسكرية عليها، وبالتوازي التوسع في تجنيد خريجي الجامعات ليمثلوا القاعدة الأساسية للجنود والضباط، وكان للتوجهان أثرهما الفاعل في استعادة بناء الجيش المصري، الذي يخوض حرب استنزاف مجيدة، عقب الهزيمة بشجاعة وفدائية، وكللت بنصر أكتوبر العظيم، وفي أثناءها يرحل الرئيس جمال عبد الناصر، 28 سبتمبر 1970، ويخلِّف رحيله صدمة عنيفة ترجمتها الحشود التي خرجت في وداعه، محملة بالكثير من علامات الاستفهام والقلق وتخوفات القادم وضبابيته.
ما بين الهزيمة والنصر سنوات لفتها صدمة مفارقة الصورة الذهنية التي كرسها ورسمها وروج لها إعلام المرحلة بريادتنا وقوتنا الضاربة وحلم الوحدة والقومية العربية والواقع الذي باغتنا، والذي كشف عن هشاشة هذه الصورة التي تبددت في ستة أيام، واللافت أن هذه المفارقة استمرت بصورة ذهنية مختلفة وواقع مفارق لها، وظني أننا بحاجة للإقرار بأن هذه الحالة المتجددة مع تعاقب الأنظمة لا يمكن تفكيكها وتصحيحها إلا بإعادة الاعتبار لمدنية الدولة بالمعايير التي استقرت في الدول المتقدمة، وتقوم على قواعد المواطنة والديمقراطية ومن ثم الحرية والعدالة والمساواة، وضمانتها تداول السلطة، بغير التفاف، وقطع كل رباطاتها بالأنظمة الفاشية الشمولية ذات الخلفيات والتوجهات الدينية والعسكرية. وفيها ـ الدولة المدنية ـ تتكامل وتتناغم كافة المؤسسات؛ السياسية والدينية والعسكرية والإبداعية، كتكامل وتناغم أجهزة وأعضاء الجسد الواحد.
قدر لي أن أعيش هذه السنوات وأنا أعبر المرحلة الجامعية، 1968 ـ 1972، التي تتفجر فيها الأسئلة ويتشكل فيها الوعي، تخايلها أحلام بلا سقف، يتربص بها واقع ما بعد سنوات الحلم محتشد بالتناقضات، والتقلبات المتسارعة.
كانت مرحلة مخملية، زهو مصري شكلته عوامل عدة وتنوع ثقافي وأقلام أدبية تغازل الوجدان بين تمرد يوسف أدريس، وقاهرة نجيب محفوظ الكاشفة لأسرار حواريها الشعبية، وإسقاطات إحسان عبد القدوس، ولغة د. طه حسين القشيبة، ومشاغبات محمود السعدني الولد الشقي، وتحليلات محمد حسنين هيكل السياسية المراوغة والمبحرة فيما يقصد نشره من دهاليز السياسة والرسائل التي تحملها، والصورة التي يسعى يوسف السباعي لرسمها عن مصر يوليو وتضاريسها، ومسرح سعد أردش وعبد الرحمن الشرقاوى.
وروايات توفيق الحكيم، التي قيل أنها كانت الملهمة لقادة يوليو 52، وتحديدًا روايته “عودة الروح”، الذي امتلك شجاعة مراجعة قناعاته والخروج عن النص، في موقفين حين كتب كتاب “عودة الوعي”، وحين كتب سلسلة مقالاته بالأهرام، تحت عنوان “حديث مع الله” ثم غيره إلى “حديث إلى الله”، وبين الكتاب والمقالات جمع بين عداوة الناصريين والإسلاميين.
والإسكندرية وريشة سيف وأدهم وانلي، وأسوان وخطوط بيكار الرشيقة، والدكتور لويس عوض وصدمة قراءاته المختلفة لتاريخ الفكر المصري في العصر الحديث، بين القرنين التاسع عشر والعشرين، ومعاركه الفكرية مع التراث وفقه اللغة، وحكايات أنيس منصور التي تخلط بين الواقع والتوهمات، وصحافة الأخوين مصطفى وعلي أمين المبتكرة والجريئة، والقائمة ممتدة بين الأدب والسياسة والمسرح وشتى صور الإبداع، بما لا يمكن حصره.
لكننا لم نلتفت وقتها أن جل هؤلاء كانوا نتاج مرحلة سابقة ليوليو، تسمى في الأدبيات السياسية “شبه الليبرالية وشبه الديمقراطية”، وهو وصف نحته الصديق والمحلل السياسي نبيل عبد الفتاح، أحد أقطاب مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام الصحفية المصرية.
كانت سنوات “68 ـ 73″ كاشفة لمعدن المصريين، وأصالتهم، عندما اجتمعوا على قلب رجل واحد، في إصرار وجسارة، لينفضوا عن وطنهم عار الهزيمة، في تحمل لتكاليف اقتصاد الحرب وضبابية المشهد، ونزق المغامرات العسكرية، كان نبض الشارع يترجمه شباب المرحلة، والذي لم يقبل أن تمر الهزيمة دون مراجعة ومحاسبة، لتشهد الجامعات المصرية أول انتفاضة، في عصر الجمهورية، عقب صدور أحكام مخففة على قيادات الطيران في 20 فبراير 1968، وهي الانتفاضة التي أعلنت ولادة الحركة الطلابية الجسورة التي فرضت نفسها على المشهد السياسي فيما بعد، وشكلت جدارًا من المعارضة الواعية التي تجلت في الحراك السياسي في السبعينيات وحتى حراك يناير 2011.
وكانت أهم محطات الحركة الطلابية، إضرابات الطلاب عام 1968 التي أُغلقت بسببها الجامعات وتم تعطيل الدراسة بها ما يقرب من الشهرين، وعلى إثرها صدر ما عرف بـ”بيان 30 مارس” الذي ألقاه الرئيس جمال عبد الناصر في سعي لامتصاص غضب الشارع وحمل رؤية مفصلة لخطة العمل السياسي في المرحلة التالية، وقدم فيه خارطة طريق للحراك السياسي فيما بعد، وقد توقفت أمام بعض سطور البيان، أستأذن القارئ في نقلها هنا، ولعله يكتشف معي بعد مرور ما يزيد على النصف قرن أنها كانت رؤية متكاملة من جانب ورؤية تدرك مفاتيح مغازلة العقل الجمعي ومداخله، وأن مضمونها يتكرر في دورات بصيغ مختلفة، تقول تلك السطور:
• قبل الآن لم يكن في مقدورنا أن ننظر إلى أبعد من مواقع أقدامنا؛ فلقد كنا بعد النكسة مباشرةً على حافة جرف معرض للانهيار في أى وقت. وكان واجبنا في ذلك الظرف يحتم علينا – قبل أى شىء آخر- أن نتحسس طريقنا إلى أرض أصلب تتحمل وقفتنا، وأرض أرحب تتسع لحركتنا.
• بحيث يكون في مقدورنا اليوم أن نقول بأمل في الله عظيم: إنه الآن يصبح في إمكاننا أن نتطلع إلى المستقبل. ومن دلائل الخير أن يكون ذلك في مقدورنا اليوم في ذكرى عيد الهجرة بما تحمله إلى المؤمنين من معانى التضحية فداءً للمبدأ، والنضال المستمر من أجل الحق، والصبر على المشاق في سبيل نصر الله عزيزًا وصادقًا.
أولًا: إننا استطعنا إعادة بناء القوات المسلحة.
ثانيًا: إننا استطعنا تحقيق مطلب الصمود الاقتصادي.
ثالثًا: إننا استطعنا تصفية مراكز القوى التي ظهرت.
رابعًا: إننا استطعنا -وهذه مسألة أخلاقية ومعنوية أعلق عليها قيمة كبيرة- أن نضع أمام الجماهير -بواسطة المحاكمات العلنية- صورة كاملة لانحرافات وأخطاء مرحلة سابقة.
خامسًا: إننا استطعنا أن نقوم بجهد سياسي واسع على جبهات عريضة؛ جبهات عربية وجبهات دولية.
ويضيف أننا نسعى أن يكون في يدنا برنامج عمل محدد، ندرسه معًا، ونقره معًا، وتتفق عليه إرادتنا جميعًا.(جمال عبد الناصر)
يرحل الرئيس جمال عبد الناصر 28 سبتمبر 1970، في لحظة غائمة ومرتبكة، ويخلفه الرئيس محمد أنور السادات، الذي يحمل رؤية مختلفة، وحنكة اختزنت كل موروث الفلاح المصري الذي استطاع أن يراوغ أطياف الحكم التي تداولت عليه، وبها استطاع الرئيس السادات أن يمتص تخوفات وقلق القوى السياسية، وقتها، ويكتسب ثقة الشارع الذي لم يكن لديه مساحة لأحد غير عبد الناصر في ذهنه ووجدانه.
لكن الحركة الطلابية لم تهدأ ومثلت واحدة من أدوات الضغط التي انفجرت مجددًا عام 1972، الذي عُرف بعام الضباب، مطالبة بالثأر واسترداد الأراضي المحتلة والكرامة المجروحة، وتتغطى جدران الجامعة بما عرف وقتها بـ”جرائد الحائط” التي تحمل غليان طلبة الكليات، ويتابعها آلاف الطلبة، وتنقل عنها وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وكانت تتجدد على مدار الساعة، فيما يشبه حوائط العالم الافتراضي اليوم، حتى تأتي معركة السادس من أكتوبر 1973، لتصبح حدثًا فارقًا، ويعقبها معارك دبلوماسية وقانونية لاستكمال تحرير واسترداد بقية أراضينا المحتلة وأخرها “معركة استرداد طابا”. التي توجت باحتفال تاريخي برفع علم مصر معلنًا السيادة على طابا وإثبات حق مصر في أرضها في 19 مارس 1989.
قدمت الحركة الطلابية العديد من الرموز الشابة للحياة السياسية، اشتبكوا معها بغير توقف وكان لهم، بعد أن غادروا مرحلة الشباب، أدوارًا فاعلة في تشكيل الخريطة السياسية وكان أبرز تجلياتها في ثورة 25 يناير 2011 وفي تشكيل أبرز أحزاب تلك المرحلة.
بين هزيمة 67 وانتصارات أكتوبر وتوقيع معاهدة السلام تشهد مصر تحولات فارقة، كان بطلها الرئيس أنور السادات، على مستويات وأصعدة وفضاءات مختلفة كان أبرزها؛ الانقلاب على الخط الناصري، وإحياء التيار الإسلامي الراديكالي، الذي وضع نقطة النهاية في حياته باغتياله في 6 أكتوبر 1981، والتحولات الاقتصادية من النقيض للنقيض.
صدر للكاتب:
كتاب: العلمانيون والكنيسة: صراعات وتحالفات ٢٠٠٩
كتاب: قراءة في واقعنا الكنسي ٢٠١٥
كتاب: الكنيسة.. صراع أم مخاض ميلاد ٢٠١٨
