- يا إله النقمات أشرق
- ☑ ويل للرعاة
- من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة
- قم يا الله
- أين إله العدل؟
- والكلمة صار جسدًا
- حاكمهم أنت يا رب وقاضهم
ويلٌ للرعاة(سفرحزقيال ٣٤: ٢)
إن كان مزمور ٩٤ قد عبّر عن صرخة المظلوم وهو يرفع قضيّته إلى ديّان الأرض، فإنّ سفرَ حزقيال ينقلنا من صرخة الإنسان إلى صوت الله نفسه. فما اشتكى منه المرنّم في الصلاة، يعلنه الربّ هنا حُكمًا صريحًا؛ إذ لم يعد الصمت ممكنًا، ولا السكوت مقبولًا، بعدما صار فساد القادة سببًا مباشرًا لانكسار الشعب وضياعه.
يحمل الإصحاحُ الرابعُ والثلاثون من سفر حزقيال واحدةً من أوضح وأقسى التنديدات النبويّة للرعاة غير الأمناء في تاريخ إسرائيل. فالنبيّ حزقيال، وهو في أرض السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد تقريبًا، يوجّه كلماته إلى قادة شعبه الدينيّين والسياسيّين في لحظة انهيارٍ وطنيّ شامل، بعدما سقطت أورشليم، وتبدّدت المملكة، وضاع الشعب بين السبي والخراب. ولم يكن هذا الانهيار -حسب الرؤية النبويّة- حدثًا سياسيًّا عابرًا، بل ثمرةً مباشرة لإخفاق الرؤساء والملوك والكهنة الذين أُوكِلَت إليهم قيادةُ الأمّة.
ويفتتح الإصحاح بصوت الربّ قائلًا: ويلٌ لرعاةِ إسرائيلَ الذين كانوا يرعون أنفسهم! ألا يرعى الرعاةُ الغنم؟
[1].
وهي الصرخة نفسها التي دوّت على لسان إرميا قبل السبي، حين واجه ملوك يهوذا ورعاتها بالخيانة ذاتها، معلنًا أنّ تشتيت الغنم لم يكن مجرّد ضعفٍ في الشعب، بل ثمرةً مباشرة لرعاةٍ أفسدوا الأمانة. هنا يستخدم النصّ استعارةَ الراعي والغنم، وهي صورةٌ مألوفة في ثقافة الشرق القديم، حيث يُنظر إلى الملك أو القائد باعتباره راعيًا مسؤولًا عن حماية الشعب وتوفير العدل والأمان له. غير أنّ الرعاة في هذا السياق قلبوا الدور رأسًا على عقب؛ فبدل أن يخدموا القطيع، استخدموه وسيلةً لتحقيق مصالحهم الخاصّة.
ويكشف الربّ جوهرَ فسادهم قائلًا: تأكلون الشحم، وتلبسون الصوف، وتذبحون السمين، ولا ترعون الغنم
[2]. أي إنّهم استنزفوا خيراتِ الشعب وقوّته وطاقته لإشباع رغباتهم، بينما تراجعت مسؤوليّاتهم إلى الهامش. ولم تكن المشكلة في أن ينال القائد ما يكفيه للعيش، بل في أن يتحوّل هو إلى محور الخدمة وغايتها، فتُستنزف خيراتُ الشعب لإشباع الذات، وتغيب محبّة القطيع واحتياجاته عن القلب، حتّى يصبح ضياعُ الناس نتيجةً منطقيّة لا مفاجئة.
ثم تتعمّق النبوّة أكثر، كاشفةً حجمَ الإهمال الإنسانيّ والروحيّ معًا: المريضُ لم تُقوّوه، والمجروحُ لم تعصِبوه، والمكسورُ لم تجبروه، والمطرودُ لم تستردّوه، والضالّ لم تطلبوه، بل بشدّةٍ وبعنفٍ تسلّطتم عليهم
[3]. وهذا الوصف لا يتحدّث فقط عن فشلٍ إداريّ، بل عن قسوةٍ متعمَّدة؛ إذ تحوّلت السلطةُ إلى تسلّط، والقيادةُ إلى عنف، والرعايةُ إلى هيمنة. فالضعفاء تُركوا بلا سند، والجراحُ بلا علاج، والمكسورون بلا جبر، وكأنّ معاناة الناس لم تعد تُرى ولا تُحسب أو تُحَسّ.
كانت نتيجةُ هذه القيادة الفاسدة كارثيّةً على مستوى الشعب كلّه، إذ يقول الربّ: فتشتّتت الغنم بلا راعٍ، وصارت مأكلًا لجميع وحوش الحقل
[4]، وهي صورةٌ تعبّر عن تفكّك الجماعة، وضياع الحماية، وانكشاف الشعب أمام قوى أقوى منه، حتّى صار فريسةً سهلةً للأعداء. ولا يشير النصّ هنا إلى ضعفٍ عسكريّ فحسب، بل إلى انهيارٍ اجتماعيّ وروحيّ شامل، بلغ ذروته في السبي وتشرّد بني إسرائيل بين الأمم.
ويوضّح الربّ بوضوح أنّ هذا التشتيت لم يكن حدثًا عشوائيًّا في التاريخ، بل نتيجةً مباشرة لرعايةٍ فاسدة. فحين يفشل الرعاة في مسؤوليّتهم، لا تضيع القيادة وحدها، بل يضيع الشعب كلّه معها. ويعكس هذا الواقع ما شهده تاريخ يهوذا في سنواته الأخيرة، حيث انحرف الملوك المتأخّرون -مثل يهوياقيم ويهوياكين وصدقيا- روحيًّا وأخلاقيًّا، فانهارت المملكة وسقطت أورشليم تحت وطأة الفساد الداخليّ قبل العدوّ الخارجيّ.
ومع ذلك، لا يذكر النبيّ أسماء هؤلاء القادة، بل يستخدم صيغةَ الجمع: «الرعاة»، ليجعل الخطاب أوسع من أشخاصٍ بعينهم، وليضع الإدانةَ النبويّة على كلّ قيادةٍ غير أمينة، سواء كانت مدنيّة أو دينيّة، في كلّ زمانٍ ومكان. فالقضيّة هنا ليست أشخاصًا بعينهم، بل نمطُ قيادةٍ ينفصل عن قلب الله ومشيئته ويتحوّل إلى سبب هلاكٍ لمن يقودونهم.
وبعد هذا التوبيخ الحادّ، يعلن الله أنّه لن يقف صامتًا أمام هذه الخيانة، فيقول: فلذلك أيّها الرعاةُ اسمعوا كلامَ الربّ: حيٌّ أنا يقول السيّد الربّ، من حيث إنّ غنمي صارت غنيمة… ولم يكن راعٍ… لذلك أيّها الرعاةُ اسمعوا كلامَ الربّ
[5].
ثم تأتي الجملةُ المفصليّة في الإصحاح كلّه: هأنذا على الرعاة، وأطلب غنمي من يدهم… فأُخلّص غنمي من أفواههم
[6].
تحمل هذه الكلمات إعلانًا قضائيًّا صريحًا؛ فعبارة «هأنذا على الرعاة» لا تعني مجرّد توبيخ، بل مواجهةً مباشرة، إذ يعلن الله أنّه صار بنفسه ضدّ هؤلاء القادة، وأنّه سينزع منهم سلطةَ الرعاية التي أساءوا استخدامها. ويؤكّد هذا المعنى بقوله: «هأنذا أُعاقبكم على شرّ أعمالكم».
وإذ رأى اللهُ ظلمَ الرعاة وإصرارهم على الفساد، تدخّل بنفسه ليُقيم العدل. فحين رفض القادة تصحيحَ طرقهم، تولّى الله بنفسه تصحيحَ المسار. فرسالةَ حزقيال 34 لا تتوقّف عند العقاب، بل تمتلئ أيضًا بوعدٍ مُعزٍّ للشعب المُهمَل. فبعد «ويلٌ للرعاة» يأتي إعلانٌ مدهش بأنّ الله نفسه سيتولّى الرعاية، قائلًا: هأنذا أسأل عن غنمي وأفتقدها… وأُخلّصها من جميع الأماكن التي تشتّتت إليها
[7]
هنا لا يَعِد الربّ بإصلاح النظام القديم، بل بتدخّلٍ شخصيٍّ مباشر، إذ يصير هو الراعي بعد أن فشل الرعاة. ومن هذا التدخّل الإلهيّ تنشأ مرحلةٌ جديدة، يُقيم فيها الربّ رعاةً أمناء يرعون الشعب فلا يخاف بعد ولا يرتعد، وهو ما بدأ يتحقّق تاريخيًّا بعد السبي بقيادة رجالٍ مثل زربابل وعزرا ونحميا، كعلامةٍ أولى على استعادة الرعاية، لا كاكتمالها. بل يبلغ الوعد ذروته حين يعلن الربّ: وأُقيم على الغنم راعيًا واحدًا… عبدي داود يكون رئيسًا في وسطهم
[8]
وهنا ينتقل النصّ من علاجٍ مرحليّ إلى رجاءٍ نهائي، ومن رعاةٍ كثيرين إلى راعٍ واحد، ومن إصلاحٍ تاريخيٍّ محدود إلى ملكوتٍ آتٍ، هو وعدُ المسيّا ابن داود، الراعي الصالح الذي يحمل الرعايةَ الكاملةَ والدائمةَ لشعبه على كتفه.
