- ☑ الإفخارستيا المسيحية [٣]
بين الخصوصية الطقسانية ووحدة الكنيسة - الإفخارستيا المسيحية
بين الخصوصية الطقسانية ووحدة الكنيسة - الإفخارستيا المسيحية [٢]
بين الخصوصية الطقسانية ووحدة الكنيسة
في إنجيل يوحنا عقب معجزة إشباع الجموع بالخمسة أرغفة والسمكتين، جاءت الجموع إلى كفر ناحوم تطلب يسوع، ودار حوار بين يسوع وبينهم حيث طلبوا فيه آية ليروا ويؤمنوا به [1]، على مثال ما أعطى الله آباءهم خبزًا من السماء ليأكلوا [2]. فدار حوار حول الخبز جذب فيه يسوع إدراكهم إلى خبز الله النازل من السماء الواهب حياة للعالم: فقال لهم يسوع: أنا هو خبز الحياة. من يقبل إلي فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا
[3]، ثم قال لهم يسوع: أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم
[4].
ثم يستكمل يوحنا: فخاصم اليهود بعضهم بعضا قائلين: «كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل؟» فقال لهم يسوع: «الحق الحق أقول لكم: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق. من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي، وأنا حي بالآب، فمن يأكلني فهو يحيا بي. هذا هو الخبز الذي نزل من السماء. ليس كما أكل آباؤكم المن وماتوا. من يأكل هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد»
[5]. ثم أردف يسوع لتلاميذه: الروح هو الذي يحيي. أما الجسد فلا يفيد شيئا. الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة
[6].
نحن هنا في مواجهة مع الأركان الرئيسية للإيمان المسيحي:
أولًا: هذا الحديث الذي كشف فيه المسيح عن عطية جسده ودمه لم يكن في موقف الإفخارستيا الذي قدم فيه بالفعل لتلاميذه الخبز والخمر ودعاهما جسده ودمه. نحن إذن لسنا في مقام الإفخارستيا مطلقًا، وكلام السيد هنا لا يرتبط بتقدمة الخبز والخمر، ولكننا في مقام التعقيب على معجزة إشباع الجموع، حيث المدلولات الروحية الكثيفة التي أعلن عنها يسوع.
ثانيًا: أهم المدلولات الروحية التي أعلنها يسوع قوله عن نفسه إنه خبز الحياة، المرموز له بالمن في البرية القديمة بعهد موسى، مؤكدًا بذلك أنه هو الحياة ذاتها: أنا هو القيامة والحياة
[7]، شارحًا وموضحًا أنه الخبز النازل من السماء.. الخبز الحي الذي يُحيى كل من يأكل منه.. والخبز هو جسده.. وجسده يبذله من أجل حياة العالم. هذا التدرج في الدلالة الروحية من الخبز إلى الجسد إلى البذل والفداء من أجل أن يحيا العالم ينتهى بنا إلى معنى دقيق محدد هو الاتحاد بيسوع لنوال الفداء والحياة الأبدية.
فالخبز الذي يؤكل هو يسوع، وعملية الأكل هنا تعني الاتحاد بالخبز الذي يتمثل في الأحشاء عصارة حية تسري في دم الإنسان إلى كل خلية في جسده، بما يعني اتحادًا كاملًا بموضوع الخبز والشبع به إلى حد امتناع الجوع: فلا يجوع
، وليس فقط الامتلاء بالخبز بل: ومن يؤمن بي لا يعطش أبدًا
، أي الامتلاء بالمشرب كذلك، فالخبز ليس للإشباع فقط بل للارتواء أيضًا، أي بتعبيرات الجسد والدم: يحمل اللحم في داخله دمه بوصفه جسدًا، وهو الجسد الذي: “أبذله من أجل حياة العالم”، أي الذي يصنع به الفداء للعالم، والخبز – الجسد – الفداء هو الموصل هكذا إلى خلاص العالم بذبيحة جسده ودمه على الصليب.
ثالثًا: هكذا يتضح المدلول الروحي القوى للحياة الأبدية في المسيح يسوع.. فالإيمان بيسوع هو المدخل الوحيد للحياة الأبدية والقيامة في اليوم الأخير.. ذلك هو التفسير الحقيقي لمقولة يسوع الخالدة: لأن جسدي مأكل حق ودمى مشرب حق
.
حق.. أي حقيقي.. أي مقصود لذاته وبذاته، فالإيمان بيسوع حق، أي الإيمان بتجسده حق، فجسده حق، وجسده لنا خبز الحياة، أي نعيش به، فالحياة فيه وبه ومعه حق، ودمه كذلك حق، أي نخلص به، والخلاص به حق، والجسد بذلك حق، والدم بذلك حق، أي الاتحاد بالجسد كله لحمًا ودمًا هو اتحاد حق، والشركة به هي شركة حقيقية، ويكون العيش به – أي الحياة به وفيه ومعه – هي حق وحقيقية، وهى بذلك الحقيقة الوحيدة المدركة بالاتحاد به والشركة فيه.
رابعًا: كل هذا المدلول الروحي يأتي في سياق لا توجد فيه الإفخارستيا البتة، أي يحدث بعيدًا تمامًا عن الممارسة الإفخارستية والهيئة الليتورجية.
وقول يسوع: لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق
ليس له هنا أي ارتباط مادي، لأنه يأتي في سياق روحي بحت. وليس المقصود به هنا – لابتعاده تمامًا عن مقام الإفخارستيا – تحولًا حقيقيًا للخبز إلى جسده والخمر إلى دمه. ذلك لأنه لم يكن في مقام إشباع الجموع يقدم تقدمة مادية كخبز وكأس العشاء الرباني، بل على مستوى روحي بحت يؤكد أن الاتحاد به والشركة فيه هما حق، ويرمز لذلك على نحو تشكيلي بحت بجسده كخبز حقيقي ودمه كمشرب حق.
إذن قول يسوع هنا: لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق
مرادف تمامًا لقوله: أنا هو الحق
. وقوله هذا ليس له علاقة مطلقًا بتحوّل حقيقي لخبز إلى لحمه، وتحوّل حقيقي لخمر إلى دمه، لأنه ببساطة قاله في مقام روحي بحت، هو مقام فتح أذهان وأعين الجموع خلال معجزة إشباعهم إلى حقيقة تجسده وفدائه وصنعه الخلاص وثباته فيهم وثباتهم فيه، وليس في مقام الإفخارستيا، أي أنه لم يكن وهو يقول بهذا يكسر خبزًا يقول عنه جسده فنفهم أن الخبز قد تحول إلى “لحمه” هو، ولم يكن يقدم كأسًا يقول عنها دمه فنفهم أن الخمر قد تحولت إلى دمه هو، لا.. ليس كذلك، لقد قال بهكذا القول بعيدًا تمامًا عن مقام الإفخارستيا، أي بعيدًا تمامًا عن مقام مناولة الخبز والخمر.
فإذا سألنا بعد : ماذا نُفِيد من الاستعراض والتحليل السابق؟
نجيب : بأن كل اعتقادات الكنائس في الإفخارستينا صحيحة.
كل اعتقاد صحيح لكنيسته بحسب فهم كل كنيسة لأقوال السيد المسيح فى الإنجيل مع بقية نصوص الكتاب المقدس.
ويجمل بي أن أكرر هذه الحقيقة المفصلية:
كل اعتقاد صحيح لكنيسته بحسب فهم كل كنيسة لأقوال السيد المسيح في الإنجيل مع بقية نصوص الكتاب المقدس.
- فالكنيسة الكاثوليكية صحيحة في اعتقادها بتحوّل الخبز والخمر في الجوهر وليس المظهر، بطريقة لا يدركها البشر، إلى جسدٍ حقيقي ودمٍ حقيقي. فيبقى ظاهر الخبز والخمر محتفظًا بالصفات الفيزيائية والخصائص الكيميائية للخبز والخمر، بينما هما استحالا في الجوهر إلى جسدٍ حقيقي ودمٍ حقيقي.
- والكنائس الأرثوذكسية الشرقية صحيحة في اعتقادها بالتغيير في مكونات الخبز والخمر إلى الجسد والدم، بعد تكريس الخبز والنبيذ اللذين لا يعود لهما وجود، بل يتغيران إلى جسد الرب ودمه المرئيين في شكل الخبز والنبيذ.
- والكنيسة القبطية الأرثوذكسية صحيحة في اعتقادها بأن التحول الإفخارستي هو تحول سري حقيقي بعمل الروح القدس في صلوات القداس إلى جسد المسيح الحاضر على المذبح. فالجسد المقدس الكائن على المذبح هو جسد عمانوئيل الإله الحقيقي الذي له قوة محيية بلاهوت الله الكلمة، فلم يعد الخبز والخمر مجرد رمز لجسد المسيح، بل حضور حقيقي للمسيح في المحفل الإفخارستي.
فالقربان ليس خبزًا سكب الله فيه قوته المحيية، بل قد تغيّر تغيّرًا حقيقيًا إلى جسد المسيح نفسه بطريقة سرية لا يدركها العقل، لكنها تُدرك بالإيمان. فوجود المسيح على المذبح هنا هو وجود واقعي، موضوعي، وحقيقي، حيث يقدم الروح القدس جسد المسيح المصلوب القائم من الأموات ودمه الكريم لثبات المؤمنين فيه. والله الحال بروحه القدوس في كل مكان يكون حاضرًا بحسده على المذبح، وذلك بحسب فهم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لأقوال السيد المسيح في الإنجيل مع بقية نصوص الكتاب المقدس، وبحسب اعتقادها في تقليدها المستمر منذ كنيسة عصر الرسل بالإيمان المسلم مرة للقديسين
[8].
- والكنيسة اللوثرية البروتستانتية صحيحة في اعتقادها بالاتحاد الإلهي بين جسد السيد المسيح ودمه مع الخبز والخمر من خلال التقديسات التي تتم بالصلوات.
- والكنيسة البروتستانية الإصلاحية الكالڤينية صحيحة في اعتقادها بأن المؤمن ينال شخص المسيح – بما في ذلك جسده ودمه – روحيًا بالتحول السرائري للخبز والخمر من خلال شركة الكنيسة لكل من يؤمن.
- والكنيسة المعمدانية صحيحة في اعتقادها بالخبز والخمر رمزًا لجسد ودم يسوع إحياءً لذكرى موت المسيح على الصليب من أجل الخلاص [9]، وذلك بحضور المسيح في القربان وعصير الكرمة حضورًا روحيًا وذهنيًا في عقول وقلوب المؤمنين.
كل كنيسة فهمت كلمات يسوع وبقية نصوص الكتاب المقدس في العشاء الأخير بحسب استعدادها الطقسي التعبدي، وإدراكها الإيماني الكلى في المسيح يسوع.
وكل كنيسة صحيحة في إطار فهمها الخاص وإدراكها الإيماني.
ويجب ألا تصنع هذه الفروق في فهم الإنجيل، وفهم كل نصوص الكتاب المقدس، افتراقًا بين كنائس الله. فلا يمكن أن يقصي اختلاف الفهم للنص المقدس، واختلاف الاعتقاد المترتب على الفهم للنص المقدس، واختلاف الممارسة – أي الممارسة الطقسية – المترتبة على الاعتقاد المترتب على الفهم للنص المقدس، أقول لا يمكن أن يقصي الاختلاف في الفهم أيَّ كنيسة عن الحضور الإلهي بالروح القدس في الممارسة الليتورجية.
والجميع – هكذا – مباركون في الله، مُوَحَّدُون في الله، نائلون في ذواتهم الفعل العميق للإفخارستيا في حقيقتين جوهريتين:
1- في الاتحاد بالمسيح وشركة الكنيسة.
2- في الثبات الأبدي في المسيح يسوع.
فالجوهر الإيماني الواحد بين جميع الكنائس هو الأساس الذي تبنى عليه وحدتها.
هذا الجوهر الإيماني يربط الجميع برباط واحد في المسيح القائم من الأموات، الذي بذل نفسه على الصليب لخلاص الجميع.
وهذا الجوهر الإيماني الواحد قد تأسس على المقولات التالية:
1- الله موجود.
2- الله واحد أحد لا شريك له.
3- الله الواحد الأحد الذي لا شريك له مثلث الهيبوستاسيس [الأقانيم]:
الآب (موجود بذاته)، والابن (ناطق بكلمته)، والروح القدس (حي بروحه)، وهؤلاء الثلاثة هم واحد.
4- الله الواحد الذي لا شريك له ظهر في الجسد في المسيح يسوع [ الابن ]، وصنع الفداء على الصليب لخلاص البشرية كلها، وقُبِرَ وقام من بين الأموات، وصعد إلى السموات، وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات كل واحد كما يكون عمله.
جسد واحد، وروح واحد، كما دعيتم أيضا في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة. إله وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلكم.(رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس ٤: ٤-٦)
فإذا كانت كنائس الله كلها على هذا الإيمان الواحد، فإن اختلافاتها في فهم الإفخارستيا لا تصنع افتراقًا بينها، ولا تصنع الافتراق كذلك أية اختلافات طقسية أو تعبدية، فهذه كلها متغيرات بحسب الفهم الخاص لكل كنيسة لآيات الكتاب المقدس، وبحسب استعدادها الطقسي التعبدي، لا تنتقص من الثابت الإيماني المشترك بينها جميعًا.
الكنائس كلها صحيحة في الاعتقاد بحضور الرب يسوع المسيح في الإفخارستيا على واحدة من الصورتين الآتيتين:
1- التحول السري الحقيقي للخبز والخمر إلى جسد ودم يسوع سواء جوهريًا، أو بالتغيُّر الفعلي، أو سرائريًا بسكب الله فيهما قوته المحيية داخل الإنسان مع بقاء الجسد والدم في هيئة الخبز والخمر، وذلك كما في الكنائس الكاثوليكية، والأرثوذكسية الشرقية، والقبطية الأرثوذكسية، والبروتستانتية الإصلاحية الكالڤينية، مع تأكيد القبطية الأرثوذكسية بأن الجسد والدم على المذبح بعد التَّغَيُّر ليسا خبزًا وخمرًا في الهيئة بل جسدًا حقيقيًا ودما حقيقيًا.
2- رمزية الخبز والخمر للجسد والدم إحياءً لذكرى موت المسيح على الصليب من أجل الخلاص كما في الكنيسة المعمدانية.
وهكذا يلتزم شعب كل كنيسة باعتقادها الخاص في الإفخارستيا.
لكن تحفظًا واحدًا واجبًا يجعلنا ننبه إلى وجوب محاربة ما يروى من أساطير وخزعبلات خرافية حول الإفخارستيا – التي تشيع غالبًا في التراث القبطي الأرثوذكسي، للضغط الهائل في مواجهة الكنائس الأخرى، على توكيد الاعتقاد بأن التغير الحادث في الخبز والخمر هو تَغَيُّر إلى جسد حقيقي ودم حقيقي ليسوع المسيح على المذبح _ وهى الأساطير والخزعبلات الخرافية التي جعلت كهنة يؤكدون أن سيدة أو سيدًا قد أسرَّ لهم عند تناول الخبز أنه قد مضغ قطعة لحم بأسنانه، وأنه قد شرب دم اللحم على لسانه بمجرد تناوله الخمر بالماستير من يدهم. هذه الأساطير والخزعبلات الخرافية لا تمجد الإفخارستيا بقدر ما تتسبب في إهانتها والعبث بتقديسها.
فالسيد المسيح قدم جسده ودمه لتلاميذه ليلة العشاء الأخير في هيئة الخبز والخمر وليس بهيئة اللحم والدم، ومستحيل مستحيل – أو يمتنع امتناعًا إلى المستحيل – أن يتحول الخبز في فم أحدهم أو إحداهن إلى لحم كلحم بقر أو أي حيوان أو طير، وأن يتحول عصير الكرمة في فم أحدهم أو إحداهن إلى دم كدم بقر أو أي حيوان أو طير، ويتعين سحق هذه الأساطير والخرافات والخزعبلات سحقًا في التراث.
إن عقيدة التحول الإفخارستي السرى الحقيقي لدى كنيسة من الكنائس – وفق فهمها الخاص لآيات الكتاب المقدس، ووفق استعدادها الطقسي التعبدي – تبقى هكذا صحيحة دون الحاجة إلى ترويج الخرافات والخزعبلات كأساطير على ألسنة العامة.
أخيرًا وليس آخرًا.. فإن كل جهد فكرى عميق يتناول الإفخارستيا بالفهم، والتمكين للفهم، هو جهد ننحني له احترامًا وتقديرًا.
