الإفخارستيا جوهر المسيحية وسرّها الفائق للتصور، وهذه السلسة محاولة جادة للبحث في العهد الجديد باقتفاء أثر الآيات في موضوع الإفخارستيا، ذلك أن الإفخارستيا حجر الزاوية في العبادة المسيحية الذي تركه السيد المسيح لأجيال المؤمنين به، جوهرًا للصلاة في مقدسه العظيم. “الإفخارستيا” هي مفتتح عهد النعمة بيد يسوع المسيح، وكلماته خلالها هي المدخل الحقيقي للحياة المسيحية في العهد الجديد.
العشاء الوداعي الذي تشارك فيه الرب يسوع المسيح مع تلاميذه عشية موته هو الحدث المُلهم للطقوس الإفخارستية المسيحية. وتنظر الكنائس التي تحرص على إقامة الإفخارستيا بانتظام أنها المصدر الرئيسي للتأمل في مغزى إيمانها، وأنها وسيلة لتجديد رباطها بالمسيح، وببعضها البعض في المسيح. وكما يتبين من وصف كتبة الأناجيل، تعامل يسوع مع هذا العشاء باهتمام بالغ، فتجشّم عناء إعداده، وقدّم فيه تعاليمه الأخيرة التي تبقى على الزمان بمعانٍ عميقة، وتحفظ للأجيال القادمة كلها وصيته الخالدة: اصنعوا هذا لذكري
[1].
التعبير إفخارستيا
كان مستخدمًا كمسمى لـعشاء الرب
كما نعلم من الديداكية [الديداخي
]، التى يرجع تاريخها إلى نهاية القرن الأول، وبعدها بقليل نجده في كتابات أغناطيوس الأنطاكي (110 ميلادية)، ويوستينوس الشهيد (150 ميلادية). ولأجل ذلك تتبوأ “الإفخارستيا” مكانة عظمى في حياة الكنائس قاطبة، وفى حياة المسيحيين. ولقد كانت “الإفخارستيا” لذلك أيضًا محلًا لبحوث عميقة متواصلة بأيدى باحثين لاهوتيين أمثال : هانز ليتزمان، يواقيم جيريمياس، إرنست لومير، رودولف بولتمان، هاينز شورمان، چوزيف فيتزمير، إدوارد شويزر، هوارد مارشال، هربرت براون، چيمس دان، روبرت كاريس، وچون رومان.
الحق أنه لم يوجد خلاف في فهم مقاصد كلمات يسوع، وكلمات ما ساقه روح الله القدوس لبولس الرسول لنا، مثلما وُجد في آيات الإفخارستيا؛ بل يتفاقم الخلاف أكثر حين يثور السؤال حول الآيات التي أوردها الرسول بولس: هل هو مُساق فيها من الروح القدس؟ أم هو يجتهد فيها من وحي ذاته وفكره الخاص كما اجتهد في مواضع مختلفة مقرًا باجتهاده؟
إن التعبير “إفخارستيا”، بمعنى “الشكر”، والذي يُطلق على هذا الطقس، لم يرد في العهد الجديد. لكنه يأتي بصيغة الفعل “يشكر”، وله مكانة رئيسية في التأسيس المسيحي [2]، [3]، [4]، [5]. والقديس بولس هو المصدر لثلاثة تعبيرات كتابية لهذا الطقس: (1) الشركة المقدسة
[6]، (2) مائدة الرب
[7]، (3) عشاء الرب
[8]، ويوجد كذلك تعبير مبكر آخر سجله لوقا هو كسر الخبز
[9]، [10].
على أنه توجد سبل عديدة مختلفة لتناول “الإفخارستيا” لدى المسيحيين؛ ففي العبادة لدى البعض ليس للإفخارستيا وجود على الإطلاق؛ ولدى البعض نادراً ما تتم إقامتها؛ لكن على الجانب الآخر توجد الكنائس التي تقيم الإفخارستيا كل أحد أو كل قداس عدة مرات خلال الأسبوع، أو كل يوم، أو أكثر من مرة في اليوم الواحد.
كذلك يختلف مفهوم الطقس الإفخارستي من جماعة مسيحية لأخرى؛ فالإفخارستيا عند البعض هو مجرد تذكار [11]، لكنه عند البعض الآخر إعادة إحياء “للعشاء الأخير”، الذي يكون فيه الرب يسوع حاضرًا، رمزيًا عند البعض، وفعليًا عند البعض الآخر؛ ففي جماعة يأخذ الخبز والخمر معنى جديدًا، وفي جماعة ثانية يتحول فعليًا إلى “جسد الرب” و”دمه”؛ والطقس نفسه لدى البعض مجرد “وليمة جماعية”، ولدى البعض الآخر “مائدة ذبائحية”؛ وكل جماعة مسيحية تنظر إلى “العهد الجديد” بوصفه المصدر لعقائدها وعبادتها وطريقة حياتها.
وهذا التنوع في ممارسة طقس “الإفخارستيا” ومفهومه يؤكد على وجود طرق متعددة لقراءة محتوى “العهد الجديد”، كما يُظهر أن التقليد الكنسي له تأثير قوي في تشكيل موقف المسيحي تجاه الحقائق الجوهرية للإيمان. ولكي نتمكن من الوصول إلى المفهوم الحقيقي لآيات الإنجيل بخصوص الإفخارستيا، يتعين علينا أن نجري فهمًا واسعًا للآيات على ثلاثة مستويات:
أولها: مستوى الأناجيل الإزائية.
ثانيها: مستوى إنجيل يوحنا.
ثالثها: مستوى رسائل بولس الرسول.
وعلى ذلك يمضى التحليل التالي محاولاً الفهم العميق على نحو متصاعد مع أقوال يسوع في الإفخارستيا، وكل نصوص الكتاب المقدس التي ارتبطت بها.
الشركة على المائدة مع شخص هي قُربى خاصة يجب صونها. لكنها مع المسيح ليست شركة طعام فحسب، بل شركة حياة يقدم فيها يسوع ذاته للجميع. عشاء الرب يسوع الأخير مع تلاميذه أظهر هذه القُربى، كما أظهر الانفتاح والخدمة بطريقة عملية. يركز لوقا ويوحنا في إنجيليهما على الخدمة، حتى أن لوقا يضع نزاع من هو الأعظم ضمن أحداث العشاء، بينما يكشف يوحنا عن الخدمة في مشهد غسل الأرجل. ثم أخيرًا تبلغ الخدمة والقُربى والانفتاح على الآخر ذروتها في شركة الخبز والخمر بتقديم يسوع لهما “جسده” و”دمه”.
لقد استخدم يسوع “الوليمة” في تعاليمه، مما يجلب أهمية إسخاتولوجية لولائمه، فحضر وسط تلاميذه “وليمة عرس” [12]، ومن يُضيف الجميع على مائدته سيكافأ في قيامة الأبرار [13]، ومن يحذو حذوه في الخدمة على المائدة يأكل ويشرب معه في الملكوت [14]. وهذا التركيز الإسخاتولوجي تم تضمينه في العشاء الأخير من خلال وعد يسوع بأنه لن يأكل أو يشرب منه حتى يأتي ملكوت الله، ما يفسره بولس بأن عشاء الرب هو البشارة بموته إلى أن يجئ [15]. يمكننا كذلك أن نرى إشباع يسوع للجموع كمقدمة للعشاء الأخير وممارسة الكنيسة له من بعده، فالجميع شبع وفضل عنهم الطعام كرمز للامتلاء والوفرة الذي في الملكوت المسياني الذي بدأه يسوع، حيث في المعجزتين: بارك ثم كسر… وأعطى تلاميذه
[16]، وشكر وكسر، وأعطى تلاميذه
[17].
توجد أربع روايات للعشاء الأخير، ثلاث في الأناجيل الإزائية وواحدة في الرسالة الأولى إلى كورنثوس، تصف تأسيس الإفخارستيا، بينما لا يذكر إنجيل يوحنا شيئًا عن تأسيس الإفخارستيا عند العشاء، لكنه يسجل إجراء غسل الأرجل الذي لم يُذكر في أي موضع آخر. ورغم ذلك، فهنالك تعاليم إفخارستية جاءت في يوحنا [18] أثناء الحديث عن خبز الحياة [19]. كل الروايات الأربع تتكلم عن “عهد” يرتبط بالكأس، حيث “العهد الجديد” هو عهد يسوع، الذي وعد به الرب على فم إرميا.
ها أيام تأتي، يقول الرب، وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا. ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر، حين نقضوا عهدي فرفضتهم، يقول الرب. بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب: أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا. ولا يعلمون بعد كل واحد صاحبه، وكل واحد أخاه، قائلين: اعرفوا الرب، لأنهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب، لأني أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيتهم بعد.[20](إرميا ٣١: ٣١-٣٤)
هناك بعض الاختلافات في القصص الأربع مابين تقليد “مرقس/متى” وتقليد “بولس/لوقا”، لكن الأحداث المتطابقة تتحد فيما يلي: أخذ خبزاً وكسره وقال “هذا هو جسدي”، وأخذ كأساً ثم فَسَّر معنى هذه الكأس، كما أن جميع الروايات تجعل لهذا العشاء مضامين إسخاتولوجية، فتتكلم الأناجيل الإزائية عن تحقيق حضور الملكوت، أما بولس فيتكلم عن مجيء الرب القائم.
كذلك كل القصص تذكر أن العشاء كان ليلة موت الرب يسوع على الصليب، غير أنه يوجد غموض كبير حول تاريخ هذا العشاء. ففي الأناجيل الإزائية نجد هذا العشاء هو وليمة الفصح، تُعد في أول ليلة من الفصح، في حين كانت الحملان تُذبح في الهيكل. أما في إنجيل يوحنا، تزامن موت المسيح على الصليب مع ساعة ذبح خروف الفصح، أي أن العشاء كان في ليلة تسبق بيوم واحد الميعاد الذي حددته الأناجيل الإزائية.
في إنجيل يوحنا، يرتبط موت يسوع بالفصح، في حين أن العشاء الأخير ليس وليمة فصح. وتتحدث القصص الأربع عن “عهد” يرتبط بالكأس. والإشارة في مرقس/متى ترجع في الأساس إلى عهد سيناء [21]. أما سردية بولس/ لوقا فتتكلم عن “العهد الجديد بدمى”، وترجع لوعد الرب بالعهد الجديد على فم أرميا [22].
الاختلاف في الكلمات التي تعبر عما قاله يسوع على الكأس نموذج للمعضلات التي يواجهها المرء عند محاولته اكتشاف ما فعله يسوع بالضبط، وما قاله بالحرف. هل كانت هناك كأس واحدة كما جاء في القصص الثلاث، أم كأسين كما في قصة لوقا؟ وهل شرب الرسل منها قبل كلمات التأسيس كما جاء في مرقس، أم بعدها؟ وهل قال الرب يسوع إن دمه يُسفك «من أجل كثيرين»، أم «يُسفك عنكم»؟
على أن الخطوط العريضة للعشاء الأخير، والكلمات والأفعال التي قام بها يسوع، قد بُسّطت وقُولبت في الاستخدام الليتورجي لعشاء الرب. ومن داخل تقليد العشاء الأخير في الممارسة الليتورجية، ازدادت سلطته قوة عن ذي قبل، وبالتالي عندما نتناول قصص الأناجيل عن العشاء الأخير، لا نرى تقريرًا عن حدث تاريخي فحسب، بل نتلقى مفهومًا كنسيًا متطورًا لأهمية العشاء الأخير قد ازداد عمقًا بفعل الروح القدس بعد القيامة.
وخلاصة هذا كله أن الصورة العامة لما قاله كَتَبَة العهد الجديد عما حدث في العشاء الأخير هي كالتالي: وقت وليمة عيد، عشية موت يسوع على الصليب، والتي قد تكون وليمة فصح، أعطى يسوع تفسيرًا جديدًا لطقس ديني اجتماعي أسري يهودي معتاد، وأثناء الوليمة قام بدور المُضيف، أو رب العائلة، وتلا البركة على الخبز، وكسره وأعطاه لتلاميذه قائلاً: “هذا هو جسدي”. وبعدها أخذ كأس خمر (الكأس الثالثة أو الرابعة في وليمة الفصح)، وباركها كما فعل مع الخبز، وأعطى للآخرين بكلمات تُعَرِّف الخمر بأنها دمه. ولقد فهم التلاميذ بذلك أن يسوع كان يشاركهم ذاته من صميم القلب (الإفخارستيا = شركة). وفهموا كذلك أن يسوع كان يشاركهم الاعتقاد الذي بدأ في روايات العشاء يتضمن فهم أن يسوع ينبئ بموته، الموت الذي سيجلب مغفرة الخطايا، وأن يسوع يُنشئ عهدًا جديدًا، وهذه المائدة هي عربون المائدة المُعدة في الملكوت، وأنه يقدم لهم شيئًا ليفعلوا مثله (أي يقدم لهم الشركة ليفعلوا مثلها فيخلدوا ذكره).
كان العشاء الأخير وليمة وداع مثل الولائم المذكورة عند موت الآباء البطاركة الاسرائيليين فى الأدب اليهودى، وكلمات المسيح وأفعاله وقت العشاء كانت تعبيرات رمزية عن معنى حياته وموته، ونرى هنا أن الرب يسوع أعطى وجوده المسياني وعمله إظهارًا مركزًا لبركة ليست مرئية فحسب بل إنها أيضًا مأكولة، ثم أورثها للكنيسة كَسِرّ
، وفي النهاية صار تعبير الإفخارستيا (الشكر) هو المصطلح التقني المفضل للإشارة إلى إقامة المسيحيين لهذا التذكار، إلا أن معنى “البراكاه” (البركة) اليهودي ظل هو المفتاح لتفسير المصطلح المسيحى [23].
ويجسد كتاب هيرمان باتش: العشاء الأخير ويسوع التاريخي
[24] ثقة المفسرين المتنامية في إمكانية اكتشاف قصد الرب يسوع المسيح، ومعنى كلماته وأفعاله في العشاء الأخير، فقد وضع باتش أهمية كبيرة على حديث يسوع الفدائي المذكور في إنجيل مرقس [25]، الذي يشير فيه إلى ما جاء في سفر إشعياء [26] للتعبير عن مغزى خدمته، ويتردد صدى حديث يسوع هذا في الكلام عن الكأس في إنجيل مرقس [27].
استنتج باتش عددًا من المعاني اللاهوتية المتضمنة عن اشتراك التلاميذ في العشاء الأخير، وعن شركة المسيحيين العتيدين في عشاء الرب:
فعبر الاشتراك في الخبز والكأس، نال التلاميذ نصيبًا في حياة الرب يسوع وعمله.
وهكذا، تأسس الجانب السرائري برسوخ على النص الكتابي وعلى حياة الرب يسوع،
فما هو الجانب السرائري إذن؟
إنه نصيب المؤمنين في حياة الرب يسوع وعمله.
وكيف يكون هذا النصيب؟
بالاشتراك في الرب والكأس.
فعلى أى نحو هذا الاشتراك؟
على نحو الشركة في الرب، التي تمتد إلى الشركة فى المؤمنين.
إذن جوهر الإفخارستيا هو اتحاد المؤمنين معًا، باتحادهم بيسوع في شركة جسده ودمه، التي تجعل المؤمنين ينالون نصيبًا في حياة يسوع وعمله.
فماذا يكون الخبز من جسده؟
وماذا تكون الكأس من دمه؟
بدعوته المقدسة أن الخبز هو جسده، وعصير الكرمة فى الكأس هو دمه.
وكيف يتأتي هذا المثال إذن؟
هذا هو الجانب السرائري الذي نحتاج أن نعرفه أكثر في مقال قادم.
