- مارتن لوثر ليس رجلا من قش
- أين يقع «رجل القش» لاهوتيا؟
- Sola Scriptura
- بين النظرية والتطبيق
- ☑ المصلحين الأوائل
في فكر وممارسة لوثر وكالڤن: طبّق المصلحون الأوائل مبدأ Sola Scriptura بصورة عملية في خدمتهم وتعليمهم، وإن واجهوا تحديات في ذلك. أعلن مارتن لوثر بوضوح في مناظرته مع رجال الكنيسة أن السلطان الأعلى يعود لكلمة الله المكتوبة فوق أي سلطة بشرية. ففي مجلس ورمز (Worms) عام 1521م رفض التراجع عن تعاليمه قائلًا: ما لم أقتنع بشهادة الكتب المقدسة أو بحجة واضحة… فإن ضميري أسير لكلمة الله. لا أستطيع ولن أتراجع، إذ ليس من الآمن ولا من الصواب أن يرفض المرء ضميره
[1].
بهذا أكّد لوثر عمليًا أن الكتاب المقدس هو الحَكَم النهائي حتى على قرارات الباباوات والمجامع التي أخطأت وتناقضت
[2]، [3]. وقد جسّد ذلك حين ترجم الكتاب المقدس إلى الألمانية ووضع التفاسير، ليمكن للشعب فحص كل تعليم على ضوء الكتاب [4].
الكتاب ضمن جماعة الإيمان
بالرغم من موقفه الجريء ضد سلطان روما، لم يكن لوثر رافضًا لإجماع الكنيسة عبر التاريخ. ففي نقاشاته اللاهوتية استشهد كثيرًا بآباء الكنيسة ولم يعتبرهم رسلًا للمسيح الدجّال
كما فعل بعض الراديكاليين [5]. حتى أنه في رسالة عام 1532م أكد أن عقيدة حضور المسيح الحقيقي في العشاء الرباني تستند إلى إيمان الكنيسة الجامعة منذ 1500 عام، وأن من يشكّك في ما اتفقت عليه الكنيسة جمعاء إنما يطعن في كنيسة المسيح نفسها.
هذا التصريح يظهر مدى احترام لوثر لإجماع الآباء حيث لا يتعارض مع الكتاب، واعتباره عامل تثبيت للإيمان لا مصدرًا فوق الكتاب. وكذلك شدّد المصلح اللوثري مارتن كيمِنِتز (تلميذ ميلانكتون) على ضرورة عدم اتكال أي شخص على حكمته المنفردة في تفسير النص المقدس، بل استخدام شروحات الآباء باحترام والاعتبار بشهادة الكنيسة القديمة في فهم الكتاب فهمًا صحيحًا. وينتقد كيمينتز من يخترع تفسيرًا جديدًا مناقضًا لكل ما شهدت به الكنيسة عبر التاريخ.[6]
أما چون كالڤن، فمنهجُه أظهر أيضًا اتزانًا في تطبيق Sola Scriptura، فقد أكّد في مقدمة كتابه مبادئ الديانة المسيحية (طبعة 1559م) تقديره العميق لقرارات المجامع الأولى، فقال: نحن نعانق باحترامٍ كمقدّسةٍ المجامع القديمة الأولى (نيقية، القسطنطينية، أفسس، خلقدونية…) لأنها قدّمت بحق التفسير النقي للكتاب المقدس
. ورأى كالفن أنّ تلك المجامع، حين دافعت عن عقائد أساسية كالثالوث وطبيعة المسيح ضد الهرطقات، لم تفعل سوى إعلان حقائق الكتاب بوضوح وحكمة الروح القدس.
بل صرّح بأنه عند نشوء خلاف عقائدي خطير: فإن أنجح علاج هو عقد مجمع من الأساقفة الحقيقيين يفحص التعليم المختلف عليه
. هذا يعكس إيمان كالفن بدور مجامع الكنيسة في حل الخلافات على أساس الكتاب. لكنه في الوقت ذاته شدّد على المبدأ الأساسي: أي تعليم بشري -مهما كان- يجب اختباره بلمسة الكتاب الفاصلة؛ فإن وافقه قبلناه، وإن ناقضه رفضناه. وقد قال كالفن بوضوح: إن أقوال الآباء أنفسهم يجب أن تُمحَّص بالكتاب؛ فكتاباتهم تُقدَّر ما دامت تستند إلى الكتاب، لكنهم ليسوا معصومين في كل شيء [7]
بين النظرية والتحديات العملية
بوجهٍ عام، اتسقت ممارسة المصلحين مع نظريتهم حول مرجعية الكتاب المقدس. فقد أعادوا تشكيل العبادة والتعليم في كنائسهم بحيث تتمحور حول قراءة الكتاب وشرحه للشعب، وتحرّروا من عقائد وممارسات كاثوليكية رأوا أنها تفتقر للأساس الكتابي الواضح (مثل صكوك الغفران، وشفاعة القديسين، وحجب الكأس عن الشعب في العشاء الرباني [8]، والنظر إلى القداس كذبيحة عن الأحياء والأموات [9]، وإلزامية بتولية الكهنة [10]، وقوانين الاعتراف والتكفير والتمييز في الأطعمة [11]، ونذور الرهبنة [12]، والارتباط المالي بالذخائر والحج وخزينة الاستحقاقات [13]. ومع ذلك، ظهرت بعض التوترات العملية في التطبيق:
حفظ ما هو مفيد رغم عدم وروده حرفيًا
تبنّى لوثر قاعدة مرنة وهي الإبقاء على ما لا يتعارض مع الكتاب حتى لو لم يُذكر فيه صراحة، فلم يُلغِ مثلاً كل الطقوس والتقليدات الليتورجية القديمة دفعة واحدة، بل أبقى ما رآه نافعًا ومتوافقًا مع روح الإنجيل (كالصلوات الطقسية وترتيب القراءات الكنسية، التراتيل الشعبية، الأبانا وقانون الإيمان، خدمة العشاء الرباني بالكأس للشعب، وبعض الألحان التقليدية مثل الـ Kyrie وGloria) [14]، [15]، [16]، [17]، [18]، [19].
إعتبر لوثر هذه الأمور “أدْيَافُورَا” (أي ثانويات غير أساسية) [20]. رآها وسائط يمكن استعمالها بحرية ما دامت لا تناقض تعليم الكتاب. على النقيض، ذهب مصلحون آخرون (مثل زوينجلي والراديكاليين) إلى وجوب حذف أي ممارسة ليست منصوصة في الكتاب، مما أدى إلى اختلافات بينهم ولوثر. هذا الخلاف لا يعني أن لوثر حاد عن Sola Scriptura، بل يبين اختلاف فهم نطاق كفاية النص: هل يجيز ما لم يُمنع صراحة أم لا يجيز إلا ما أُمر به. وفي كلتا الحالتين كان الاحتكام الأخير إلى ضمير مستنير بشهادة الكتاب.
تعددية التفاسير ووحدة الكنيسة
أدرك المصلحون سريعًا خطر التفاسير الفردية الجامحة. فبينما أعلنوا حق المؤمن في فحص الكتب بأنفسهم [21]، شدّدوا أن هذا الفحص يجب أن يتم ضمن جماعة المؤمنين وبروح الخضوع لكلمة الله. لذلك وضعوا اعترافات إيمان واضحة لتكون إطارًا مشتركًا يمنع الانحرافات. فعلى سبيل المثال، أصدرت الكنيسة اللوثرية اعتراف أوجسبورج (1530م) لتلخيص التعليم الكتابي، وأصدر الإصلاحيون اعترافات مثل إقرار إيمان جنيف (1536م) ثم اعتراف وستمنستر (1646م) في الأجيال اللاحقة.
لكن هذه الوثائق لم تُعتبر أبدًا مساوية للكتاب، بل كانت أدلة بشرية تخضع بدورها للمراجعة على ضوء الكتاب [22]، ومع ذلك ألزمت المعلمين وضبطت التعليم لتفادي التفاسير الشاذة. قد يرى البعض تناقضًا شكليًا بين شعار “الكتاب وحده” ووضع قواعد إيمان بشرية، لكن المصلحين رأوا العكس تمامًا: فإقرار الإيمان هو إعلان جماعي لما يعلّمه الكتاب في أهم القضايا، ورجوعٌ إلى إجماع الكنيسة على حق الكتاب، وليس إضافة لمضمون الإعلان الإلهي [23]. في الواقع، اعتبروا رفض كل إيمان جامع تقليدي والإصرار على حق الفرد المطلق في تفسير الكتاب انعزالًا خطيرًا يقود إلى الفوضى العقائدية والانقسامات، وهو ما نبذوه بقوة [24].
انتقادات كاثوليكية
واجه المصلحون اتهامات من الكنيسة الكاثوليكية بأنهم باستبدالهم سلطة الكنيسة بتفسيرهم الخاص للكتاب، قد جعلوا كل فرد بابا لنفسه. ردَّ المصلحون بأنهم لا يدعون كل مؤمن ليخترع عقيدته، بل ليحتكم مباشرة للوحي الإلهي ضمن مجتمع الإيمان. قال المصلح تشارلز هودج في القرن 19 معبّرًا عن الموقف البروتستانتي التقليدي: صحيح أن هناك تيارًا متصلًا من الحق يجري في كنيسة المسيح عبر العصور؛ فلا يمكن أن يكون شيء مضاد تمامًا لإجماع الكنيسة صحيحًا. نحن لا نقف كأفراد منعزلين بعقائد خاصة بكل واحد منا… بل نشترك في إيمان واحد جامع، ورفض هذا الإيمان أو أي جزء جوهري منه يعني قطع الشركة مع جسد المسيح
[25].
باختصار، سعى المصلحون الأوائل إلى تفعيل سلطان الكتاب عمليًا بالوعظ التفسيري المنتظم، وترجمة الكتاب إلى لغة الشعب، ووضع مناهج للتعليم تستند إليه، وتنقية الحياة الكنسيّة بحسب معاييره. ورغم ظهور تباينات تطبيقية واجتهادات مختلفة، ظل المبدأ الإرشادي واضحًا: “الكتاب هو الحكم الأخير”؛ وتبقى الكنيسة والتقليد في دور الشاهد والخادم لكلمة الله. وإن ظهرت فجوات أحيانًا بين النظرية والتطبيق (كما في بقاء بعض العادات غير الكتابية أو في إساءة بعض الأتباع فهم الحرية المسيحية)، فإن الجوهر العام كان التزامًا بأن “كل ما نعلّمه ونمارسه يجب أن يستند إلى كلمة الله”.
