حاول مارك زوكربيرغ، مؤسس فيسبوك، تقريب مفهوم "ميتافيرس" خلال إعلانه عن بداية انطلاق عصر الواقع الافتراضي: "عندما تكون في اجتماع عبر ميتافيرس، ستشعر وكأنك داخل الغرفة مع الآخرين، وتتواصل بعينيك، وتمتلك إحساساً مشتركاً بالمساحة، وليس مجرد النظر إلى شبكة من الوجوه على الشاشة". تخيُّل الفكرة نفسها ومحاولة فهم ما تعنيه خروج الحواس المادية إلى عالم آخر سيقودان إلى تصورات لا نهائية عن أشكال الحياة مستقبلاً.

ومع ذلك، فالحديث عن نظم التعليم في السنوات القادمة، وتغير أساليب التواصل الإنساني، وحتى الصعود إلى الفضاء، ليست هي الموضوعات الأكثر جاذبية لمن لا يزال الجنس والرومانسية حبيسَي ذهنه. وبالمقارنة مع تابوهي السياسة والدين في مصر، تظل محاولات فهم العلاقات الجسدية المنطقة الأكثر خطورة على من يفكر في الاشتباك معها بأي طريقة، فالوصم بالإباحية أو سوء السلوك جاهزان على كل حال.

ومنذ انطلاقة فكرة “ميتافيرس”، لازمها تفاعل على السوشال ميديا حول شكل العلاقات العاطفية والجنسية المتخيلة، وبسبب القيود التي يتضاعف ثقلها على النساء يصبحن مكتفيات بمشاركة هذه الميمز على الجروبات الخاصة، إذ يعتبرنها مساحة آمنة مقارنة بالصفحات العامة.

 

حلم

في عامها الـ 36، أدركت فريدة (اسم مستعار)، كاتبة تسكن في القاهرة، أن عدم ممارستها للجنس من قبل، لم يعد أمرًا هينًا، فقراءاتها جعلتها تشعر بعظم احتياجها لرجل في حياتها. تعيش كعازبة صراعًا ضخمًا بين رغبتها في اختبار مشاعر يحق لمن في عمرها فهمها، وبين تعاليمها الدينية والتقاليد التي تحول دون معاشرتها لرجل بلا زواج.

ميتافيرس هو حلم جميل، ليته يصبح متاحاً لي اليوم قبل الغد، لن أندم أو أشعر بالذنب إذا مارست علاقة جسدية كاملة مع من أختاره، فمن غير المعقول أن يحدنا الحلال والحرام حتى في خيالاتنا أو واقعنا الافتراضي

(فريدة)

أطلق ميتافيرس العنان أمام التخيلات المُكبلة داخل عقول بعض النساء، فبات فرصة ومساحة للحديث عما تخشى الكثيرات البوح به، حتى لأنفسهن أمام المرايا في الغرف المغلقة. وفي ظله تمسكت فريدة بأحلامها، وتتخيل أن يكون المكان المحتضن لتجربتها الجنسية الأولى غابة مليئة بالأشجار، وفي نهايتها بحر وشمس هادئة، تلامس أشعتها مسام بشرتها، وتخبرها بأن اليوم لا يزال أمامها وفي انتظار المزيد لتؤديه.

أتخيل نفسي وقد رجعت لعامي السادس والعشرين، هو العمر الأقرب لي، يجمع بين الأة والبراءة، ألتقي هناك حبيباً سابقاً لم يحالفني الحظ باستكمال حياتي معه، سأعيش وإياه لمدة عام بطريقة المساكنة الكاملة قبل الزواج، نشاهد التلفاز، نجرب شراء الخضروات والفاكهة من السوق، نقوم بأبسط التفاصيل التي يمكننا القيام بها إذا كنا متزوجين، نختبر أيضاً خلافاتنا اليومية، وإذا تجاوزنا كل هذا وشعرنا بالارتياح، سأنتظر منه المشهد الذي طالما داعب مخيلتي وتمنيت حدوثه، يجلس على ركبتيه، ويفاجئني بخاتم سواريه، ويطلب الزواج، وأنا سأحتضنه بقوة وأجلس بجانبه ثم أرتدي الخاتم على الفور

(فريدة)

وفق تقرير نشرته “بي بي سي”، النسخة الإنجليزية، فإن الحفلات الجنسية التي تقام عبر الإنترنت بواسطة مواقع مخصصة، أتاحت لأفراد مشاركين إعادة استكشاف حياتهم الجنسية، والتعرف على رغباتهم الخاصة، بما في ذلك الأزواج. كما أن العزلة المنزلية التي فرضتها جائحة كوفيد19 العام الماضي، ساهمت في ارتفاع معدلات زيارة الشباب والفتيات لمواقع المواعدة والتعارف، التي تفضي إلى علاقات افتراضية.

 

جنس بلا خوف

ينظر للمرأة التي تعبّر عن رغباتها ومتطلباتها الجنسية كبائعة هوى، هكذا تتربى النساء على انتظار الأزواج في تأدية ما يرغبن فيه من دون أن يفصحن عنه، “حتى السواد الأعظم من الأزواج يرفضون معرفة التفضيلات الجنسية لزوجاتهم”. هذا ما خلصت إليه شاهندا (42 عاماً)، مدرسة تعيش في الإسكندرية، في علاقتها مع زوجها إذ تصفها بالـ”متحنطة”،

في بداية زواجي تحدثت مع زوجي عما أريده بالضبط من العلاقة وعن توقعاتي تجاهه، لكن ردة فعله المهينة أخرستني، أصبح متحفزاً وقاسياً لفترة طويلة، كأنه يعاقبني على صراحتي التي اعتبرها وقاحة

(شاهندا)

تشير شاهندا إلى صديقة لها طُلقت في عامها الأول من الزواج بسبب معرفتها بطريقة التقبيل، مما أثار شكوك زوجها فيما إذا كانت قبّلت رجلًا قبله أم لا.

بتراكم المواقف تعلمت أنه ليس كل شيء يقال للرجال

(شاهندا)

خبرة شاهندا مع هذا الشكل المتكرر من الزواج في مصر، والذي يجمع بين رجل يبرر له المجتمع حق التجارب الجنسية قبل الزواج، ويحرمها على النساء، ويظل متربصًا بكل امرأة لديها تطلعات جنسية، جعلها تتخيل فوراً ما يمكن أن تفضي إليه العلاقات في ميتافيرس.

أتخيل نفسي مع رجل لا يمل الحديث عن الجنس، ويحب اكتشاف تفضيلات كل منا، فعلى رغم زواجي منذ ما يزيد على 15 عاماً، أشعر دائماً أن هناك جزءاً ما داخلي لم أفصح عنه بعد، ومتعة مكبوتة لم تنجح في الانطلاق

(شاهندا)

ترى شاهندا نفسها مع رجل يشبه أوباما الرئيس الأمريكي الأسبق، فتقول:

لديَ قناعة بأن الرجال أصحاب الأصول الإفريقية والبشرة السمراء هم الأكثر جاذبية وقوة في الأداء الجسدي

على كل حال لا أمانع في التجربة مع أوباما نفسه، ومع كثيرين غيره لأحكم بموضوعية

(شاهندا)

 

وهم

لم يعلم الفيلسوف الفرنسي أن نظريته عن ثنائية العقل / الجسد التي تميز كل منهما عن الآخر دون أن تنكر تأثير أحدهما في الآخر، ستصبح التحدي الأكبر أمام تقنيات الواقع الافتراضي التي تحاول المزج بين مجالات الرؤية الحقيقية “الحسية” والافتراضية، ومن ثم تضييق الحدود الفاصلة بين العقل والجسم إلى حد التلاشي. وفي الوقت الذي تنتظر فيه نساء في مجتمعات أبوية محافظة حول العالم فرصة هذا التلاشي، بين ما يرغبن فيه وما يعجزن عن تنفيذه، بسبب علاقات زوجية هشة، أو عدم تجربتهن للجنس من الأساس، يحذر خبراء مما اعتبروه انفصالًا عن “الواقع الحقيقي”، وينبهون إلى قيمة التلامس الجسدي الحقيقي، ودوره في فهم الإنسان قيمته، والتصالح مع جسده بعيدًا عن التخيل.

الدكتور جمال فرويز، استشاري ، أشار إلى تأثير تلاشي الفجوة بين الواقع الافتراضي والحقيقي، حتى تزداد معهما نسب الاكتئاب والعزلة الفردية،

المشاعر العاطفية والحميمية التي يمكن اختبارها افتراضياً بهذا الشكل مستقبلاً، وفي المقابل تختفي بالحقيقة، ستزيد معها الإحباطات والشعور بالخزي، لأنه في النهاية لا شيء يضاهي الواقع والتعامل المباشر مع الجنس الآخر مهما تشابه الافتراضي مع حياتنا

(دكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي)

ويوضح فرويز أن إدمان العلاقات بطريقة إلكترونية يمكن أن يحوّل الحياة إلى جحيم، حتى أن الفرد المنكب على هذه الممارسات يفقد المتعة الأصلية، ويعجز مع الوقت عن إعادة اكتشاف السعادة في واقعه المعيش.

ما قالته فريدة وشاهندا اختلفت معه ماريا (38 عامًا) المنفصلة عن زوجها منذ عامين، فهي ترى أن:

الطيبة والحنان أهم من علاقة كاملة باردة. ويمكن لعناق رومانسي، أو قبلة محملة بمشاعر الحنو والحب بين المرتبطين، أن تغني عن مغريات تجارب باردة لا طائل منها

(ماريا)

وعلى الرغم من عدم ممانعتها تخيل تجربة علاقة جنسية بالواقع الافتراضي، تشدد ماريا على قيمة العلاقات الحقيقية، وترفض أن يكون الأساس العاطفي مبنيًا على “افتراض” أو “وهم”

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

مارسيل نظمي