يونان لم يذهب ليكرز إلى نينوى كأمر الرب، بل اعتفى عن ينفذ العمل، وهرب من وجه الرب ذاهبا إلى ترشيش ونام نوما ثقيلا في جوف السفينة.
آراء كثيرة قيلت لتفسير سبب اعتفاء يونان وهروبه من وجه الرب:
(1) أنه نبي متكبر، يعلم رحمة الله وأنه سيرجع في كلامه بهلاك نينوى، لذلك هرب لأن كلمته بخراب المدينة لن تتحقق.
(2) أنها مهمة مستحيلة ولا فائدة منها، لأن نينوى كانت العاصمة المدنية والروحية لمملكة أشور العظيمة، فذهابه وكرازته كمِثل كرازة مبشر بدين آخر غير الإسلام في مكة، ودعوته لأهلها بأن المدينة ستنقلب إن لم يرجعوا إلى الله. فلسان حال يونان: إنهم سيقتلوني.
(3) يونان نبي رقيق فهرب لمرارة الرسالة، واعتفى من أن يكون رسول هلاك، ورأيه في الله أنه “إله رؤوف ورحيم وبطيء الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر”، وسيعفو عن نينوى، ولن يسمح للحياة أن تُهزَم من الخطيئة والموت.
هنا يونان كمثال للمسيح الذي عبَّر عن مرارة الرسالة في جثسيماني قائلًا: يا أبتاه إن أمكن أن تعبر عني هذه الكأس
، وذلك بسبب المرارة المطلقة لقبول السيد المسيح حكم الموت وهو الحياة نفسها أنا هو الطريق والحق والحياة
إن هذه التفسيرات الثلاثة لشخصية يونان مهما تباينت إلا أنها تشترك في نقطتين أساسيتين هما :
(1) “موت “يونان بدخوله جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال ثم قيامته عندما خرج من جوف الحوت كمثال لموت الرب يسوع المحيي وقيامته.
(2) ثم الإشارة الواضحة إلى مكانة “الأمم” في تدبير الله الخلاصي، فهنا نجد يونان اليهودي يبشر نينوى الأممية إشارة إلى أن الله اختار بني إسرائيل ليكرز للعالم أجمع بواسطتهم بالخلاص الذي يبلغ كماله في كرازة المسيح الذي من اليهود وللعالم أجمع.
هذا المقال هو اعتراف بفيض ونعمة روح الله القدوس لرجاءٍ لم يخب على مدى أكثر من خمسين سنة بقراءة السفر كل موسم كنسي لاستعلان قصد الرب في يونان النبي.
* يونان في حواره مع أهل السفينة :
كان له منظر الخاطئ (حتى اليوم في نظر الكثير من المفسرين)، وكذلك السيد المسيح؛ صُلِبَ كمذنبٍ في أيامه (وحتي اليوم هو كذلك في نظر اليهود أنه مُضِّل).
* يونان نبي الحب والفداء:
طَلب أن يُلقى في البحر لكي لا يَهلَك سكان السفينة، لقد بَذل ذاته كمذنبٍ، فعاش هو، وعاش أهل السفينة، المسيح “ذاق” الموت على الصليب كمذنبٍ، وبقيامته حيّاً انتصرنا على الموت.
* الثمن في إرسالية الخلاص:
كما كان صلب المسيح وقبره ثلاث أيام، مثلما كان يونان في بطن الحوت ثلاث أيام.
* صوم أهل نينوى وتوبتهم :
هو أيقونة للشجاعة النادرة للإنسان وتحدي إنذار الموت بقراره أن يرجع إلى الله أبيه دون أن ينثني تحت صِغَر نفس كاذب أو روح فشل، التوبة شجاعة، مثل مَن يواجه الموت ويرميه أرضًا، إنها شجاعة الموت عن الخطية والارتفاع على الصليب “(صليب المسيح) الذي به صُلِبَ العالم لي وأنا للعالم”.
* مِن أين لأهل نينوى بهذه القوة على هذه التوبة والتغيير الجذري؟:
أليس بسماعهم بآية يونان النبي وكيف كان في جوف الحوت ونصرته على الموت وقيامته حيًا بعد ثلاث أيام، ففي ظننا أنه من المؤكد أن يونان النبي جاء إلى نينوى وقصته معه.
إن الرب يسوع المسيح صام في البرية أربعين يومًا وتحدَّى الشيطان في التجربة على الجبل وطرحه أرضًا فرفع عنا حكمَ موتٍ -يشبه ”انقلاب مدينة نينوى“ نتيجة شر أهلها- كان قد صدر من الآب بخصوص العالم نتيجة شروره، ونحن ننال قوة وعافية على التوبة والرجوع عندما ننظر إلى شخص الرب يسوع ونستمد من غلبته غلبة لنا على الخطية والموت، فنتمثل بأهل نينوى في توبتهم بسبب كرازة يونان وآيته.
* تصوم الكنيسة القبطية أربعين يومًا كتذكار لصوم المسيح في البرية. وهو يعقب ثلاث أيام صيام تذكارًا ليونان في بطن الحوت وصوم أهل نينوى:
إن هذا الصوم وهذه التوبة والغلبة لأهل نينوى قد أتمَّها الرب يسوع المسيح ابن الإنسان من أجلنا، بصومه المقدس في البرية أربعين يومًا وأربعين ليلة، ثم نصرته على الشيطان في التجربة على الجبل، وبشركتنا مع المسيح في الصوم الأربعيني المقدس ننال استحقاقات نصرته على الشيطان.
* الإصحاح الثاني، مزمور يونان وصلاته من جوف الحوت إلى الله:
هو رمز وإشارة إلى حوارٍ دار بين ابن الله الذي تجسد وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها وحمل خطايانا على خشبة الصليب، حوار مع الآب لم نسمع منه إلا القليل في كلمات المسيح على الصليب. هذا الحِوَار تنبأ عنه أيضا داود في المزمور 143، قائلًا على لسان المسيح بالنبوة: استجب لي يا إلهي عاجلاً فقد فنيت روحي
. ومعناها: لقد جزت الموت من أجل الإنسان لكي يحصل هو على البراءة في عينيك أيها الآب. فالآن أستجب وأقبله ثانيةً إليك، لأني أكملت هذا العمل من أجله قد أُكمِل
.
وها هو يونان، بالنبوءة، يسمع استجابة الله وينظر خلاص الإنسان أعود أنظر إلى هيكل قدسك
أي عودة بالإنسان إلى حضن الآب في شخص الابن القائم من الموت والصاعد إلى السماء، الذي كان يونان مثالًا له، من أجل هذا تقرأ الكنيسة القبطية صلاة يونان إلى الله من جوف الحوت في طقس صلوات يوم الجمعة العظيمة كمثال للسيد المسيح على الصليب في حواره مع الآب من أجلنا.
* كان يونان إنسانًا تقيا شديد التمثل بإلهه في عدله ورحمته:
هذا يفسر لماذا أغتاظ وأغتم يونان غمًا شديدًا مرتين، عندما لم تنقلب المدينة، وأيضا عندما أكلت الدودة اليقطينة (نبات الخروع).
– في عدله: لأن يونان لم يجد عدلًا في الصفح عن نينوى لأنها خاطئة، ومَن يخطئ يموت، وهكذا سلك هو عندما طلب من البحارة أن يلقوه في البحر إذ أدرك خطأه.
– في رحمته : لأنه لم يجد سببًا لموت اليقطينة وقد فعلت به حسنًا إذ ظلَّلت عليه وحمته من جفاف الشمس.
* يونان أمام مضادة الحياة والموت:
إن شخصية وسلوك يونان النبي كان استعلانًا لهذه المعضلة، فموت الإنسان بسبب فساد طبيعته بالمعصية كان لا حلَّ له بنظر يونان، لذلك كان اليهود يدعون الأمم “كلاب” نظرًا لنجاستهم الناشئة من الابتعاد عن الله. ولكن اختبار الخلاص الذي عاشه الشعب اليهودي مع الله خلال تاريخهم معه وعنايته بهم في عبور البحر الأحمر، وأثناء التيه في البرية أربعين سنة جعل يونان يؤمن أن الله حتمًا لن يترك هِبَّة الحياة للإنسان تنهزم مِن الموت، ولكن كيف؟ هذه كانت معضلة يونان، التي بسببها تضاربت مواقفه من النقيض إلى النقيض، مِن استعداد المحبة الباذلة في قبوله أن يُلقَي في البحر لتخلُص السفينة وأهلها، و إحساسه المرهف عندما أغتم من أجل موت اليقطينة بلا ذنب، إلي النقيض الآخر عندما أغتم بسبب عدم تنفيذ حكم الموت في أهل نينوى المدينة الخاطئة، إن شدة هذه المعضلة تلقِي الضوء على سبب هروب يونان ونومه العميق سواء في جوف السفينة أو تحت اليقطينة.
* إن الله في مسيرته مع يونان يريد أن يقول له ولنا :
يونان يا حبيبي، إن الله لا يرجع في كلامه بل هو عادل، وكلامه حق، ولكنه يحتمل بنفسه الثمن من أجل أحبائه. هذا لم تره أنت وقتها بالرغم من أنك كنت مثاله، فأنت أيقنت أن تموت عن أهل السفينة ليحيوا، ولكنك احترت فيمَن يموت و يفتدي أهل نينوى، ولم تعلم أنك أنت كنت هو النبي الفادي لأهل نينوى “على مثال الآتي” يسوع المسيح.
إذ دون موتك وقيامتك من بطن الحوت بعد ثلاث أيام “على مثال الآتي” يسوع المسيح، وسماع أهل نينوى بهذه الآية لمَا أمكنهم أبدًا أن يصدقوا رسالتك ويؤمنوا بإلهك ويتوبوا عن خطاياهم. لذلك أنا أحببتك، بل أنت الوحيد الذي ذكرتك بالاسم كمثال لعمل الخلاص الذي أنا تمَّمته “في ملء الزمان” -بالتجسد الإلهي في يسوع المسيح ابن الله الحبيب الذي ذاق الموت بالجسد وقام بعد ثلاث أيام.
فَأَجابَ وَقَالَ لَهُمْ: «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ.(إنجيل متى 12: 39)
جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ». ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَمَضَى.(إنجيل متى 16: 4)
وَفِيمَا كَانَ الْجُمُوعُ مُزْدَحِمِينَ، ابْتَدَأَ يَقُولُ: «هذَا الْجِيلُ شِرِّيرٌ. يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةُ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ آيَةً لأَهْلِ نِينَوَى، كَذلِكَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا لِهذَا الْجِيلِ.(إنجيل لوقا 11: 29- 30)
* سفر يونان يوضح الفرق بين الآية والمعجزة:
المعجزة: هي مِثل شفاء الله لمرض مستعصي بطريقة معجزية، ولكن من الممكن أن تتم أيضًا بواسطة العلم.
الآيـــــة: هي أمر لا يمكن أن يصنعه إنسان بل اللـــه، مثل إقامة لعازر من الموت، وخروج يونان حيًا من بطن الحوت.
فأحداث سفر يونان النبي كانت آية من حيث أنها تشير إلى المضادة الكبري في حياة الإنسان وموته، التي لا حل لها إلا بفداء المسيح وموت ابن الله البار على الصليب الذي وهب الحياة والخلود للعالم إذا أمنوا به وتابوا كما أمن أهل نينوى وتابوا بمناداة يونان مثال المسيح في موته وقيامته.
* اغتم يونان في موقفين متناقضين تمامًا:
عندما صفح الله عن نينوى، إذ لم ير يونان من فدائهم ليخلصوا. و لا يعرف على أي أساس تمَّ هذا. بالرغم من أنه لا يُسّر بهلاكهم، كما ظهر في هروبه من وجه الرب أولًا.
عندما أكلت الدودة اليقطينة فماتت، فكيف تنهزم الحياة من الموت ويستمر شقاء الإنسان.
* يونان كان مؤمنًا برحمة الله وأنه سيعفو عن نينوى.. ولكن كيف؟:
كانت هذه معضلة يونان.. ولم يعرف أن موته وقيامته كمثال المخلص هما السبب في توبة أهل نينوى إذ أمنوا بإلهه. فبدون هكذا آية لما أمكن أن يقبلوا دعوته، وربما كانوا قتلوه بسبب تبشيره.
* يونان هو نبي الحب والرحمة و الفداء وهو رمز المسيح في قبوله الموت لفداء أهل السفينة وأهل نينوى:
فلا نجد أي إشارة أن الله غضب على يونان بسبب اعتفائه عن المهمة والرسالة القاتمة أولاً، أو غيظه في النهاية السعيدة للمهمة والرسالة، إن الله تَفهَّم موقف يونان وأعلن له أن الله لن يترك الحياة تنهزم من الموت لأنه الخالق الذي أوجد الحياة، بالتالي هو المخلِّص الذي سيفدي هذه الحياة.
* يونان كان شديد الإيمان بعدل الله ورحمته ولكنه لم ير حينئذ كيف أن محبة الله هي السبيل إلى التوفيق بينهما:
لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.(إنجيل يوحنا 3: 16)
فأعتفي يونان بالرغم من أنه كان مثالًا لربه في التوفيق بينهما عندما أرتضي وطلب أن يُلقَي في البحر، فكان نبي الحب والرحمة والفداء.
(تمَّ بنعمة الله، فله السُبح).
بقلم الدكتور/ رءوف ادوارد