إن كنا مازلنا نتكلم عن تطهير حسب العوائد اليهودية في العهد الجديد فنحن لم ننل بعد نعمة الخلاص بدم المسيح. فشرائع التطهير في الناموس هي أمر مرتبط بفساد الخطية بالسقوط والموت وليس بنجاسة في خليقة الله في حد ذاتها، فخليقة الله طاهرة وهو لا يعمل أمرًا نجسًا أو دنسًا. فاعتبارات النجاسة وشرائع التطهير في ناموس العهد القديم تقصد أن تضع الإنسان دائمًا في حالة موقف من الخطية ونتائجها.

لذلك أخدت شريعة العهد القدم موقفًا من النتائج المرتبطة بالخطية وسقوط الإنسان واعتبرتها تحمل نجاسة خاصة يجب على الإنسان تجنبها ومراعاة التطهر منها:

1- نجاسة اللحوم [1]: لأن تناول اللحوم كطعام جاء بسبب عقوبة الخطية بالطوفان فلا يوجد طاهر ونجس في الطعام النباتي لأنه طعام الإنسان الأساسي من ولكن في الحيواني فقط لأن السماح به جاء كنتيجة بعد الخطية والطوفان.

2- نجاسة الموت [2] والبرص والجذام وذي السيل [3]: لأن الموت والألم دخل للعالم بسبب الخطية – موتا تموت – وهو ما يُعتبر من أكبر نتائج السقوط بالإضافة للألم – شوكا وحسكا تنبت لك الأرض – والخطية الذي أدت لتشوه الطبيعة البشرية.

3- نجاسة المرأة [4]: الأمور الخاصة بالحبل والولادة أيضا أصبحت مرتبطة بعقوبة الخطية عندما عاقب بالوجع تحبلين وتلدين (تكوين 3). والقديس يفسر سبب شريعة تطهير المرأة في العهد القديم [5] هو أن بالولادة المرأة تغذي البشرية بالفساد الذي هو الموت – نتيجة الخطية – لأنها تلد أولادا تحت حكم الموت، لذا اعتُبِرت فترة الولادة والطمث مرتبطة بنجاسة الخطية وحكم الموت. وهو ما انتفى بالخلاص في العهد الجديد بالولادة الثانية من الماء والروح التي بها صرنا مولودين من الله.

وهذا قصد الشريعة: أن الإنسان في كل الأمور المرتبطة بالسقوط ونتائجه – اللحوم والولادة والموت والبرص والجذام والسيل… إلخ – يقف في حالة المُدان غير المستحق أمام الله ويؤكد دائمًا على حاجته للتطهير من الخطية التي تسببت في هذه النتائج.

هذه الأمور هي ما قام المسيح برفعها عنا بالفداء والقيامة إذ صنع بنفسه تطهيرًا لخطايانا فلم نعد تحت حكم هذه الشرائع لأن المسيح أكمل العمل. فلم تعد نجاسة في الطعام الحيواني ولا في الموت الذي صار مجرد انتقال لنا وبوابة العبور للسماء. لأن في العهد القديم كنا تحت الناموس أما في الجديد فقد ظهر بر الله بدون الناموس ونحن تحت النعمة. فهل حياة المسيح في التناول من جسده ودمه تتأثر بالموت أو المرض أو بأي ضعف جسدي أم هي التي تؤثر فيه بالحياة والغفران؟! هل ما يُعطى لمغفرة الخطايا يعطله أمر جسدي طبيعي؟!

لذلك بالنسبة للناموس نحن فقط مطالبين بما حدده مجمع أورشليم [6]:

إِذْ قَدْ سَمِعْنَا أَنَّ أُنَاسًا خَارِجِينَ مِنْ عِنْدِنَا أَزْعَجُوكُمْ بِأَقْوَال، مُقَلِّبِينَ أَنْفُسَكُمْ، وَقَائِلِينَ أَنْ تَخْتَتِنُوا وَتَحْفَظُوا النَّامُوسَ، الَّذِينَ نَحْنُ لَمْ نَأْمُرْهُمْ …… لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلاً أَكْثَرَ، غَيْرَ هذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ: أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبحَ لِلأَصْنَامِ، وَعَنِ الدَّمِ، وَالْمَخْنُوقِ، وَالزِّنَا، الَّتِي إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ. كُونُوا مُعَافَيْنَ.

(أعمال الرسل)

لأن تلك الأمور الأخرى اكتملت بالخلاص في العهد الجديد. فلماذا يتمسك البعض فقط بتطهير المرأة في وقت الطمث والولادة؟ في نفس الوقت الذي يتحررون به من باقي التزامات الطهارة والنجاسة!!

لذلك يشرح القديس يوحنا ويشير إلى أن الأمور المتعلقة بتطهير المرأة من جهة الولادة ليست مطلوبة منا الآن بل قد تحولت إلى الروح [7]، قائلًا:

إن الله هو الذي خلق الولادة وبذرة الجماع. فلماذا إذا تصبح المرأة غير طاهرة؟ [unclean] إلا إذا كان يقصد أن يشير لأمر ما. ما هذا الأمر؟ إنه [الله] قصد أن يجعل التقوى في النفوس ويردعها عن الفجور. لأنه إن كانت التي تلد طفل  غير طاهرة [unclean]، فكم بالأكثر تلك التي ارتكبت الزنا. وإذا كان الاقتراب من الزوجة [في هذه الفترة] أمرًا ليس نقيا بالكلية، فكم بالأكثر معاشرة زوجة رجل آخر. وإذا كان من يحضر جنازة نجس، فكم بالأكثر من يتورط في الحرب والذبح. وأنواع كثيرة من النجاسة [uncleanness] يمكن أن نجدها [في شريعة موسى]. ولكن كل هذه الأمور ليست مطلوبة منا الآن، بل كلها تحولت إلى الروح.

(القديس يوحنا ذهبي الفم، العظة الثالثة على الرسالة إلى )

لذلك علينا أن نفهم أن الناموس مؤدبنا للمسيح كما قال القديس بولس. فكل شريعة الناموس هي رمز وإعداد للخلاص فإن كنا ما زلنا نتكلم عن تطهير حسب العوائد اليهودية في العهد الجديد فنحن لم ننل بعد الخلاص بدم المسيح.


[1] سفر اللاويين 11
[2] سفر اللاويين 21
[3] سفر اللاويين 13-15
[4] سفر اللاويين 12
[5] كتاب “العبادة والسجود بالروح والحق” للقديس كيرلس السكندري – المقالة 15، الناشر: مؤسسة القديس أنطونيوس –
[6] سفر أعمال الرسل 15
[7] العظة الثالثة على الرسالة إلى تيطس للقديس يوحنا ذهبي الفم، http://www.ccel.org/ccel/schaff/npnf113.v.v.iii.html

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎