المقال رقم 1 من 3 في سلسلة التقويم المصري القديم

يدور نقاش منذ أكثر من مئة عام داخل الأرثوذكسية حول قضيتين هامتين ومترابطتين:
الأولى هي إصلاح ال، والثانية هي توحيد موعد الأعياد بين الكنائس الشرقية والغربية.

يرى الداعون إلى الإصلاح أن التقويم القبطي للشهداء يعاني من خطأ متراكم أدى إلى ابتعاد مواعيد الأعياد عن مواعيدها الصحيحة. وهم يرون أن توحيد مواعيد الأعياد الثابتة سيتحقق تلقائيًا عن طريق إصلاح التقويم، مما سيؤدي إلى تزامن التقويم القبطي مع التقويم الغريغوري الذي تستخدمه الغالبية العظمى من كنائس العالم. أما توحيد موعد الأعياد المتحركة فسيتحقق بإصلاح طريقة ال المستخدمة في حساب موعد ، والتي أصبحت تخطئ في حساب موعد العيد في معظم السنوات.

في الوقت ذاته، يرى المؤيدون لبقاء الوضع على ما هو عليه أن تقويمنا القبطي وطرقنا في حساب الأعياد هي الصحيحة ولا تحتاج إلى أي تعديل، وأنه لا يجوز توحيد موعد الأعياد مع الطوائف الأخرى التي انزلقت إلى هرطقات نرفضها، بصفتنا أصحاب الإيمان السليم.

عندما طُرح هذا الموضوع على ال للكنيسة القبطية في بداية حبرية البابا في ديسمبر عام 1959، لم يلق أي قبول، إذ قرر المجمع وقتها [1]:

لا تغيير ولا تبديل ولا تزحزح عما تم تسلّمه من الآباء الرسل الأطهار بخصوص تثبيت أعياد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية على أساس التقويم القبطي، الذي حدّد جميع الأعياد طبقًا لنصوص الكتاب المقدس وتعاليم الرسل الأطهار [ال].

(صبحي شلبي، القول الصريح في التقويم القبطي الصحيح)

وتم تأكيد نفس الموقف في قرار للمجمع المقدس في 5 مارس 1960:

قطعًا للإشاعات وبلبلة الألسن، يقرر المجمع المقدس أن الكنيسة القبطية المستقيمة الرأي؛ محتفظة بتراثها الخالد القويم، وهي أمينة على ما تسلمته من الآباء القديسين السابقين، ومحافظة على ما قررته المجامع المقدسة. ولهذا، فإن تواريخ الأعياد وتقويمها هي كما هي بترتيبها الزمني كما وضعه آباء الكنيسة الأولون، بدون تغيير أو تبديل أو مساس بها. [2]

(المجمع المقدس في ٥ مارس ١٩٦٠)

ثم إعادة تأكيد نفس الموقف على جريدة الأهرام في 7 مارس 1968 [3]:

لا تغيير في التقويم القبطي
جريدة الأهرام، ٧ مارس ١٩٦٨

يستند المعارضون للإصلاح، كلما طُرِحَ الموضوع للنقاش، على عدة أسباب، أهمها ما يلي [4]:

  1. التقويم القبطي للشهداء هو امتداد للتقويم المصري القديم الذي بدأ في العام 4241 قبل الميلاد. وكانت سنته نجمية تبدأ بشروق نجم سيريوس/الشعرى اليمانية، الذي يتزامن شروقه مع بداية فيضان النيل.
  2. التقويم المبني على السنة النجمية أكثر دقة من التقويم الذي يتبع السنة الشمسية، كالتقويم الغريغوري المتبع حاليًا في معظم أنحاء العالم.
  3. التقويم المصري الثابت منذ آلاف السنين هو التقويم الصحيح، نظرًا لتزامنه مع فصول الزراعة في مصر حتى الآن، بينما التقويم الغريغوري متغير وغير ثابت.
  4. المواعيد الخاصة بالأعياد كلها محددة في (الدسقولية)، ومنها على سبيل المثال ، المحدد له يوم 29 كيهك [5]، ولا يجوز تغيير موعده وفقًا للتقويم الغريغوري.
  5. الحساب الأبقطي الذي وضعه البابا ، البابا الثاني عشر من باباوات الإسكندرية، هو الحساب الصحيح لموعد عيد القيامة، لأنه يحقق مقررات المسكوني بشأن الاحتفال بهذا العيد. هذه المقررات هي نفس القواعد المذكورة في قوانين الرسل، وأهمها أن نحتفل بالعيد في يوم أحد وألا نحتفل بالعيد مع اليهود. بينما الحساب الذي استحدثه البابا غريغوريوس الثالث عشر، بابا روما في القرن السادس عشر، لا يحقق هذه الشروط، إذ يأتي العيد في الغرب أحيانًا قبل أو في نفس اليوم.
  6. المجمع المقدس قد تصدى لهذا الموضوع، في حبرية القديس البابا كيرلس السادس، وأصدر قراره بعدم تعديل أو تصحيح موعد الأعياد. وقرارات المجمع المقدس لا يمكن تغييرها أو تعديلها.
  7. تعامد الشمس على عدد من المعابد المصرية القديمة ومذابح الكنائس الأثرية في أعياد القديسين المكرسة لهم هذه المذابح، هو دليل على صحة التقويم وأنه لم يتغير كما يدعي المطالبون بالإصلاح.
  8. ظهور في يوم ، الذي يُحتفل به في القدس وفقًا للحسابات الشرقية المطابقة للحساب الأبقطي، هو دليل على صحة حساب الكنيسة القبطية لموعد عيد القيامة.

هل هذه الأسباب صحيحة أم لا؟

سنحاول في هذه الدراسة استكشاف ومناقشة ذلك بالتفصيل. ستنقسم الدراسة إلى قسمين: القسم الأول سيتناول التقويم القبطي، والثاني سيتناول الحساب الأبقطي.

وحتى نتمكن من الحديث عن التقويمات المصرية القديمة (لأنهم أكثر من تقويم حقيقة!)، يجب علينا وضع بعض التعريفات التي سنتعرض لها كثيرًا فيما هو قادم.

 

تعريفات ومصطلحات

منف/ممفيس: Memphis
هي عاصمة الدولة القديمة (3150 ق.م – 2181 ق.م) ومقر عبادة الإله بتاح، خالق الكون في الديانة المصرية القديمة. وتقع بقاياها حاليًا قرب قرية ميت رهينة بمركز البدرشين، بمحافظة الجيزة.

أون/هليوبوليس: Heliopolis
من أقدم مدن مصر، إذ يعود تاريخها إلى عصر ما قبل الأسرات. كانت مركزًا لعبادة الإله رع، إله الشمس. وتقع بقاياها حاليًا في حي المطرية، بمنطقة المسلة، الدقهلية، بالقاهرة الكبرى.

جزيرة إبو/إلفنتين: Elephantine
هي جزيرة في النيل، تقع قرب الجندل الأول في جنوب مصر. كانت تُعتبر الحد الجنوبي الفاصل بين مصر وبلاد النوبة. تضم الجزيرة معابد ومقياسًا للنيل من عصر الدولة القديمة، وكان معبودها الرئيسي هو الإله ، الإله الذي خلق المصري القديم من طمي النيل، وواهب الفيضان بما يجلبه من خصب لأرض مصر. اسم الجزيرة يعني “الفيل” أو “ناب الفيل”، كونها كانت ميناءً يستقبل عاج الأفيال القادم من إفريقيا عبر النيل. وهي الجزيرة المقابلة لمدينة أسوان الحالية.

Equinoxes Solstices Earth orbit diagram weatherdotgov

الاعتدال الربيعي: Vernal/Spring Equinox
هو اليوم الذي تتساوى فيه ساعات النهار والليل في جميع أنحاء الكرة الأرضية، وذلك لتعامد الشمس على خط الاستواء. ويحدث حاليًا بين يومي 19 و 21 مارس في نصف الكرة الشمالي.

الانقلاب الصيفي: Estival/Summer Solstice
هو اليوم الذي يشهد أطول نهار وأقصر ليل في السنة، وذلك نتيجة تعامد الشمس على مدار السرطان. ويحدث هذا عادةً بين يومي 20 و22 يونيو في نصف الكرة الشمالي.

الانقلاب الشتوي: Hibernal/Winter Solstice
هو اليوم الذي يشهد أطول ليل وأقصر نهار على سطح الأرض، وذلك نتيجة تعامد الشمس على مدار الجدي. ويحدث عادةً بين يومي 21 و 22 ديسمبر في نصف الكرة الشمالي.

التقويم المدني: Civil Calendar
هو التقويم المصري القديم الذي كان مستخدمًا في شؤون الدولة وللأغراض الإدارية والرسمية. ينقسم إلى ثلاثة فصول كل منها أربعة أشهر، بالإصافة لشهر قصير في آخر العام مكون من خمسة أيام فقط.

التقويم اليولياني: Julian Calendar
هو التقويم الروماني الرسمي للجمهورية الرومانية، ثم لل، والذي بدأ استخدامه في الأول من يناير عام 45 قبل الميلاد. استمر قيد الاستخدام في أوروبا وفي المستعمرات الأوروبية في العالم الجديد حتى العام 1582 ميلاديًا، ثم استُبدل تدريجياً في دول العالم المختلفة بالتقويم الغريغوري. ويُستخدم في تأريخ أحداث ما قبل الميلاد عبر تمديده حسابيًا إلى الماضي، أو ما يُطلق عليه “التقويم اليولياني الاستباقي” أو “الراجع” (Proleptic Julian calendar).

التقويم الغريغوري: Gregorian Calendar
هو التقويم المستخدم حاليًا كتقويم مدني في جميع دول العالم، والذي نُطلِق عليه في الدول العربية “”. بدأ استخدامه في أوروبا الكاثوليكية عام 1582، ثم انتشر بعد ذلك في جميع أنحاء أوروبا والعالم.

siderealperiodar

السنة الفلكية: Sidereal Year
هو الوقت الذي تستغرقه الأرض لإكمال دورة كاملة حول الشمس، مُقاسة بالنسبة لموقع الأرض بالنسبة للنجوم البعيدة الثابتة (أي تكرار ظهور النجم في نفس مكانه في السماء). وهي، وفقًا للحسابات الفلكية الحديثة، تساوي في المتوسط 365.2564 يومًا للنجوم الموجودة في دائرة البروج (Ecliptic)، وهي المسار الذي تتحرك فيه الشمس ظاهريًا عبر السماء. بينما تكون السنة الفلكية أقصر قليلًا بالنسبة للنجوم خارج هذه الدائرة.

السنة المدارية: Tropical Year
هو الوقت الذي تستغرقه الأرض لإكمال دورة كاملة حول الشمس بالنسبة لتعاقب الفصول الأربعة، أي الفرق، على سبيل المثال، بين حدوث الاعتدال الربيعي وتكرار حدوثه مرة أخرى. وهي، وفقًا للحسابات الفلكية الحديثة، في المتوسط تساوي 365.2422 يومًا.

بدء فيضان النيل: Nile Inundation
هو بداية ارتفاع منسوب النيل، إيذانًا ببدء شهور الفيضان، وهو ما يطلق عليه نهاية “تحاريق النيل”. يبدأ هذا الحدث في مدينة منف تقريبًا حول موعد الانقلاب الصيفي، وقبل ذلك بحوالي أسبوعين في جزيرة إلفنتين.

النجم سبدت/سوتيس: Sirius
هو أسطع نجوم السماء بعد الشمس والكواكب. أسماه المصريون القدماء سُبِدت (Sopdet)، ثم أسماه البطالمة سوتيس (Sothis). أسماه الإغريق القدماء Σείριος سيريوس (Sirius)، أي “المتوهج”، وهو الاسم الذي انتقل إلى جميع اللغات الأوروبية. هو أحد نجوم مجموعة الكلب الأكبر (Canis Major)، ولذا يطلق عليه أحيانًا “نجم الكلب”. أطلق عليه العرب اسم الشعرى اليمانية [6]. يبتعد عن دائرة البروج بمقدار 40 درجة جنوبًا، ولذلك سنته الفلكية حاليًا تساوي 365.25164 يومًا.

الشروق الاحتراقي: Helical Rising
هو ظهور أي نجم في الأفق الشرقي قبل شروق الشمس مباشرة، وبعد غروبه في الأفق الغربي مباشرة، ثم اختفاؤه لفترة زمنية معينة كل عام. ويحدث هذا الظهور لدقائق معدودة، يختفي بعدها النجم عن النظر فور شروق الشمس. يختلف موعد الشروق والغروب النجمي، وكذلك مدة اختفاء النجم، باختلاف خط العرض. وتختفي نجوم السماء عن الرؤية من سطح الأرض لعدة أشهر كل عام نتيجة دوران الأرض حول الشمس.

الشهر القمري: Lunar month
هو الفترة بين يوم ظهور الهلال الجديد وظهور الهلال التالي له، أو الفترة بين يوم ظهور القمر المكتمل وتكرر ظهوره. يسمى أيضًا بالشهر الاقتراني (synodic month) كون بداية الشهر تتزامن مع اقتران وقوع الأرض والشمس والقمر على خط واحد. متوسط طول الشهر القمري الاقتراني، وفقًا للحسابات الحديثة، يساوي 29.53059 يومًا، أي 29 يومًا و12 ساعة و44 دقيقة و3 ثوانٍ.

التقويم القمري: Lunar Calendar
هو تقويم مبني على الشهور القمرية. ولأن متوسط الشهر القمري حوالي 29.5 يومًا، فإن الشهور القمرية في هذا التقويم تتراوح بين 29 و 30 يومًا. وبالتالي، فإن 12 شهرًا قمريًا تساوي حوالي 354 يومًا، أي أنها أقصر بـ 11 إلى 12 يومًا من السنة الشمسية (أو المدارية). وهذا يجعل شهور السنة تتحرك عبر الفصول، ولا تعود إلى مكانها إلا كل 33 عامًا قمريًا. مثال على هذا التقويم هو .

التقويم القمري-الشمسي: Luni-Solar Calendar
هو تقويم يعتمد على الشهور القمرية، مع إضافة شهر إضافي كل سنتين أو ثلاث سنوات لضبط التقويم مع مواعيد الفصول المدارية. نشأ هذا التقويم أولًا في بابل القديمة، ثم انتقل منها إلى الإغريق، الذين ابتكروا بعد ذلك في القرن الخامس قبل الميلاد طريقة حسابية لضبط التقويم، نُسبت للعالم الإغريقي ، وذلك في دورة مكونة من 19 عامًا. وهي الطريقة التي انتقلت إلى اليهود، ولا تزال تستخدم حتى الآن في .

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. صبحي شلبي، القول الصريح في التقويم القبطي الصحيح، أغسطس 1967 [🡁]
  2. القرار الصادر عن المجمع المقدس في 5 مارس 1960 [🡁]
  3. جريدة الأهرام، بيان من القمص ميخائيل عبد المسيح، الوكيل العام لبطريركية الأقباط الأرثوذكس: لا تغيير في التقويم القبطي، بتاريخ 7 مارس 1968 [🡁]
  4. لتلخيص أسباب الاعتراض على إصلاح التقويم القبطي، اطلعتُ على بعض الكتب والمقالات التي كتبها المعترضون على الإصلاح، وهم:
    • التحفة اللوكاسية للمتنيح الأنبا لوكاس، أسقف منفلوط وأبنوب (1930-1965): الجزء الثالث، ص. 50-52.
    • صبحي شلبي، القول الصريح في التقويم القبطي الصحيح، أغسطس 1967.
    • لبيب يعقوب صليب، الجغرافيا الفلكية للكتاب المقدس أو التقويم القبطي المصري، 1969.
    • حنا جاب الله أبو سيف، القول الوجيز في شرح النفيس، 2015.
    • فادي نبيل كامل، استحالة تحريك الأعياد القبطية، يونيو 2019.

    [🡁]

  5. العيد الأول هو يوم ميلاد الرب، تكملونه في اليوم الخامس والعشرين من الشهر التاسع للعبرانيين، الذي هو التاسع والعشرين من كيهك، الشهر الرابع لأهل مصر.
    تعاليم الرسل: الدسقولية، إعداد وتعليق: ، 1989، الفصل التاسع والعشرين، ص646. [🡁]
  6. ورد ذكر النجم الشعرى في القرآن الكريم، في سورة النجم، آية 49: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ التقويم المصري القديم[الجزء التالي] 🠼 التقويم المصري: من إليفنتين إلى راكوتي
تامر شفيق
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎