بمناسبة ذكرى نياحة القديس البابا كيرلس السادس في 9 مارس، الذي كان علامة فارقة في تاريخ كنيستنا القبطية الأرثوذكسية المعاصرة، أود أن أتحدث قليلًا عن هذا القديس المعاصر في مقالة بسيطة هي عبارة عن مجموعة خواطر طرقت ذهني.
بالرغم من أن غالبية الشعب يعرف الكثير عن حياة البابا كيرلس السادس، وقد كُتب عن حياته تقريبًا كل شيء، إلا أنني سألقي نظرة سريعة على بعض النقاط لنعرف الفرق بين رجل الله الحقيقي والذئب الذي يقتنص المنصب؛ بين من يستسلم لقيادة الروح القدس في حياته وبين من يثق بقدراته ومواهبه؛ بين من لم يتكلم عن نفسه رافضًا مديح الناس، ومن يملأ الدنيا كلامًا عن إنجازاته التي لم يسبقه إليها أحد.
القديس البابا كيرلس السادس بكى كثيرًا حينما وقعت عليه القرعة الهيكلية، وقال عبارته الشهيرة: كنت أود أن أعيش غريبًا وأموت غريبًا، ولكن لتكن إرادة الله.
والقديس البابا كيرلس السادس لم يرشح نفسه للكرسي البابوي، ولكن الذي رشحه بقوة هو القائم مقام البطريرك المتنيح الأنبا أثناسيوس، مطران بني سويف الأسبق. وكان يثق به تمام الثقة، وأسند إليه سابقًا رئاسة دير الأنبا صموئيل المعترف بجبل القلمون. وبعد الصلوات الطقسية للرسامة، جلس الأنبا أثناسيوس على عتبة الهيكل، وهو رجل مسن، قائلًا: دلوقتي أستريح مطمئنًا أن الكنيسة أصبح لها راعي صالح.
وحينما يتزاحم الناس حول البابا، كان الأنبا أثناسيوس ينتهرهم قائلًا: سيبوه يستريح، إحنا صدقنا ما لقيناه.
القديس البابا كيرلس السادس هو الوحيد في القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين الذي نال الرسامة القانونية بوضع اليد، حيث كانت رتبته قمصًا وعُرف باسم القمص مينا المتوحد. أما من سبقه في القرن العشرين ومن أتى بعده، فقد تم تجليسهم على الكرسي دون رسامة، لانتقالهم من إيبارشية لأخرى، بما فيهم البابا تواضروس الثاني، لأنه كان أسقفًا عامًا على الكرازة دون اختصاص معين.
البابا كيرلس كان رجل الله بحق، يخاف الله في كل تصرفاته. وكان أحيانًا يصلي بمفرده -دون أساقفة أو كهنة- حتى لا يترك مذبحًا دون صلاة بسبب غياب الأب الكاهن. ولم يكن يستحي أن يطلب الحِلّ من كاهن صغير حديث الرسامة من أولاده، ويطلب منه بإصرار قائلًا له: حاللني يا ابني.
كان يصفّي ضميره يوميًا قبل إقدامه على صلاة القداس الإلهي وتقديم الذبيحة المقدسة يوميًا. تسبحة، وبخور باكر، والقداس، والعشية، يوميًا دون كلل أو ملل. الآن، قد نرى الأسقف المُعاصر يدخل الكنيسة بعد رفع بخور باكر ليقدم الحمل، وكأنه أكبر من أن يشارك في رفع بخور باكر.
البابا كيرلس السادس احتمل الكثير جدًا حتى من أولاده، ولم يظلم أحدًا في حياته. وإذا اكتشف أنه كان قاسيًا على أحد بسبب الوشاية أو لأي سبب آخر، يرد للمظلوم كرامته بعد أن يطلب منه الحل والسماح بكل اتضاع، لأنه كان صاحب قلب نقي من الداخل.
كان لا يُفرِّق بين من هنأه بأحد الأعياد أو عيد رسامته وبين من لم يُهنِّئه. كان عملاقًا له هيبة ووقار لا يستطيع الإنسان النظر طويلًا إلى عينيه. ويلجأ إليه الآباء في مشاكلهم عن حب واحترام وتقدير، وليس عن خوف من العقاب، لأنه كان يتحد بالرب يسوع المسيح، له المجد، كل يوم في الذبيحة المقدسة، فكانت مهابته من الله وليست من البشر. ولذلك، بعد أربعة وخمسين سنة على نياحته، لم تظهر له عيوب تُذكر، بل كل يوم يرفعه الرب بطريقة عجيبة حتى أصبح لكل بيت مسيحي، وأحيانًا غير مسيحي، قصة مع البابا كيرلس السادس، إما في حياته أو بعد نياحته.
أخيرًا، يتصف رجل الله بروح الأبوة الحقيقية، ومثالنا هنا القديس البابا كيرلس السادس الذي كان ينادي الشخص بلقب يا حبيب أبوك
، وهو لقب اقتبسه عنه بعض الآباء.
أرى أن الرب رفعه لأنه يرفع المتواضعين ويعطيهم نعمة. وذلك لأنه لم يتكلم عن نفسه، وكان يرفض المديح، وكان سريع التأثر والبكاء حينما يمدحه أحد.
لنترك الحديث عن هذا القديس قليلًا، إذ لا يختلف اثنان على قداسة هذا الرجل، وعلى ما تحقق في عهده من إنجازات رغم قصر مدة جلوسه على كرسي مار مرقس الرسول. ولنتحدث الآن عن “الذئب” أو “طالب المنصب”، الذي يسعى إليه بأي ثمن ويحارب من أجل الوصول إلى الكرسي البابوي. فذئب المنصب هذا تجد فيه الصفات الآتية:
١. يثق بنفسه وقدراته كثيرًا، ويعتمد على ذكائه بدلًا من الاتكال على عمل الله والمعونة الربانية.
٢. غالبًا ما يكون ذئب المنصب نرجسيًا، لا يرى أحدًا يضاهيه في إمكاناته وقدراته. وإذا وجد شخصًا مميزًا، يحاربه أو يتخلص منه بأي طريقة، ويكيل له الاتهامات.
٣. تظل عينا ذئب المنصب على الكرسي، ويفعل أي شيء للوصول إليه. لا يستحي أن يرشح نفسه، معددًا مواهبه وقدراته دون خجل أو تواضع.
٤. غالبًا ما يكون ذئب المنصب دكتاتورًا، بمجرد وصوله إلى الكرسي ينتقم ممن كانوا ضده، ولا يحتمل أي معارضة في قرار يتخذه. ومهما تبين له خطأ قراره، لا يتراجع ويسوق المبررات.
٥. ذئب المنصب متكبر، وإذا أظهر بعض التواضع، فإنه يكون تواضعًا مصطنعًا حتى يمدحه الناس ويمجدوه.
٦. يستمتع ذئب المنصب بالمديح، ويظل يعدد إنجازاته، وفي النهاية يقول: هذا عمل الله، وحتى هذه يقولها ليثير إعجاب الناس به.
٧. ذئب المنصب الأجير يسرق إنجازات كل من سبقوه وينسبها لنفسه دون خجل، ولا يتحمل مدح عمل أي شخص غيره.
٨. يفرح ذئب المنصب ببهرجة المنصب، والاحتفالات، والاستقبالات، والتكريم. ويقيس أحقية الشخص لأي منصب كنسي بمقدار الخدمات التي قدمها إليه، مما يدفع المتملقين أن يربطون سيور حذائه حتى يرضى عنهم.
٩. يتهكم ذئب المنصب على الناس ويستهزئ بهم وبأفكارهم، غير مبالٍ بفروق التربية والثقافات.
نصلي إلى الله أن يعطي حكمة علوية للبابا تواضروس الجالس على كرسي مار مرقس، حيث نرى فيه الكثير من صفات رجل الله.
بركة صلوات رجل الله الحقيقي، القديس البابا كيرلس السادس، تشملنا وتشملكم جميعًا.