كان للإمبراطور قسطنطين (الذي عمدته أمه قبيل وفاته) ثلاثة أبناء، واشتعلت الحرب بينهم فور وفاته. ما يهمنا في هذا المقال هو طفل في السادسة من عمره، شهد إعدام كل أسرته المسيحية بواسطة عمه المسيحي، ونجا من الموت بأعجوبة. كان هذا الطفل اسمه جوليان / يوليان / يوليانوس، وإما عمه فكان "قسطنطين الابن".
الطفل يوليان ظل تحت رعاية إفسابيوس، أسقف نيقوميذية، وعندما توفى الأسقف تم نفيه 6 سنوات في قيصرية، ثم بعدها تم نفيه 7 سنوات أخرى في القسطنطينية، ثم بعدها تقرر إعادته إلى نيقوميذية.
تسلم يوليان مقاليد الحكم الإمبراطوري بعد موت “قسطنطين الابن” في ظروف عصيبة جدًا، وفي زمن الاستقواء المسيحي الغوغائي. فكما اضطهد الرومان المسيحيين قديمًا، عندما تحول الرومان للمسيحية أخذوا معهم تراث العنف واضطهدوا المعتقدات الوثنية العتيقة وأتباعها.
أما الإمبراطور الشاب “يوليان” فقد كان ضد كل هذا العنف، فترك هذه المعتقدات اللاسلمية العنفية وعمل على استصدار أول قانون مدني علماني يقف على مسافة متساوية بين المعتقدات كلها، ويعطي كل مواطن روماني الحق في أن يعبد ما يشاء دون إكراه أو عنف أو معاملة تحقيرية.
هل سمعت بالقاعدة القانونية: “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”؟ الإمبراطور “يوليان” هو من صكها في تاريخ القانون المدني. وكل متهم بالظنون نال براءته من عقاب ظنّي ظالم لعدم اﻷدلة ضده، مدين ببراءته في الضمير الإنساني لمن وضع هذه القاعدة. والذي كان يعيش مُطلقًا لحيته كناسك عرفاني [العرفانيون، هو مصطلح للتعبير عن التصوف اللاديني].
في وقت تعرض الإمبراطورية الرومانية لغزو الفرس، خرج الإمبراطور الشاب “يوليان” لصد خطرهم (أغلبنا يعلم قصة الصراع الدائم بين الفرس والروم) وفي الطريق تعرض للخيانة من أحد جنود حرسه الخاص، وطعنه بطعنات نافذة من الخلف بكل خسة، ومات الإمبراطور الشاب غدرا.
هذا القاتل الخائن الخسيس، مشهور شعبيًا تحت اسم: القديس العظيم فيلوباتير مرقوريوس، أبو سيفين
حيكت حول خيانة الاغتيال تلك، عشرات القصص المقدسة، ظهرت بأشكال مختلفة في التقاليد الكنسية المتعددة، وكلها هدفها تبرأه فاعل هذا العمل الإجرامي وإضفاء القداسة على عملية الاغتيال، لأنها تمت بتحريض من القديس “باسيليوس الكبير”، وبمباركة هؤلاء الذين تقلصت وحشيتهم بمرسوم الشاب “يوليان”، الذي أسموه في التاريخ الكنسي: يوليان المرتد / الكافر / الجاحد.
عن التقاليد الكنسية المنحازة معرفيا
ﻻ توجد مصادر تاريخية، أو باﻷحرى موضوعية، تربط بين الشهيد “فيلوباتير مرقوريوس” (224 م. – 250 م.) وبين اﻹمبراطور “يوليانوس” (331 م. – 363 م.)، وذلك لسبب بسيط وعقلاني يتضح من نظرة واحدة لتاريخ ميلاد وموت كلا منها.
كلاهما لم يعش في زمن واحد ولم يتشاركا الحياة في نفس القرن.
لكن التقاليد الكنسية الشرقية كلها تنسب جريمة اغتيال سياسي ضلع فيها القديس “باسيليوس الكبادوكي”، وذلك بالصلاة أمام أيقونة الشهيد المسيحي القديم، والذي غادر أيقونته في بعض القصص ثم عاد لها وسيفه ملوث بدماء الإمبراطور يوليان. بطريقة أخرى: القديس باسيليوس يصلي، وشهيد يعود للحياة وينفذ جريمة قتل، استجابة من الله لصلوات الكراهية الحارة.
إن كانت مصادرنا للمعرفة هي التاريخ وليست أقاويل اﻷجداد القديسين، فما لدينا يمكن حصره فيما كتبه المؤرخ المعاصر لحدث الاغتيال “ليبانيوس”، أن من اغتال اﻹمبراطور يوليانوس هو أحد رجال حرسه اﻹمبراطوري المسيحيين الديانة. سنجد أيضا المؤرخ “يوحنا مالالاس” يربط بين جريمة الاغتيال لكونها صادرة من حارس مسيحي، وبين تحريضات سابقة قام بها “باسيل” (باسيليوس الكبير) رئيس أساقفة الكبادوك.
(Ref.: John Malalas, Chronographia, pp. 333–334. Patrologia Graeca XCII, col. 496)
التاريخ أيضا ينقل لنا أشياء جديرة بالتوقف عندها عن علاقة “يوليان” بأساقفة الكبادوك، إذ فور إعدام أبويه [المسيحيين] بواسطة عمه [المسيحي]، كان مقررًا ذبحه أيضًا لولا تدخل إفسابيوس، أسقف نيقوميذية، الذي تعهده بالحماية في حياة ديرية نسكية متبتلة، وخلالها تقابل مع “باسيل” قبل أن يصير أحدهما إمبراطورًا واﻵخر بطريركًا كبادوكيًا. إلى هنا فالمتوقع لـ”يوليان” حياة مسيحية مليئة بالتقوى، وربما هذا بعض ما حدث فعلا، إﻻ أن ذبح أسرته أمام عينيه وهو طفل قد شكّل لديه موقفًا ﻻ عنفيا تفوق فيه على المسيحيين الرومان المولعين بالعنف. لم يعودوا أمامه “مسيحيون” بعد، بل “جليليون” [نسبة إلى “الجليل” بفلسطين، مسقط رأس المسيح] وكتب فيهم كتبًا نقدية أشهرها ثلاثية: “ضد الجليليون”، ويقصد هنا نسخة المسيحية المبنية على العنف والاستقواء الديني. أثار هذا غضب البطريرك “باسيليوس الكبادوكي”، وشرع الرهبان في تأليف اﻷكاذيب عنه حتى رماه غوغاء أنطاكيَة بالتراب وبالحجارة، ومع كل هذا الاستفزاز لم يجنح مرة إلى اضطهادهم وكان يقول: يجب ألا يستشهد أحد
.
ربما يكون “باسيليوس الكبادوكي” قد اختلق قصة الصلاة أمام أيقونة فليوباتير مرقوريوس ونشرها شعبويًا، وذلك لإضفاء سمة القداسة على حادث الاغتيال وتبرأة الجندي المسيحي، لا أحد يعلم كيف بدأ هذا، لكن المؤكد أن هذه القصة الشعبية ستترسخ كمعجزة على يد المؤرخ الكنسي “سوزمين” الذي كتب عن البطريرك ومرقوريوس بعد أكثر من 80 عامًا من اغتيال اﻹمبراطور يوليان. ومن كتابات “سوزمين” الكنسية، ستصبح هذه القصة مصدرًا في التقاليد الشرقية المتعددة لسيرة الشهيد فيلوباتير مرقوريوس، بل حتى أيقوناته الطقسية، التي يظهر فيها وهو يقتل “يوليان” من ظهره، وفي الخلفية يقف القديس “باسيليوس الكبادوكي” وهو يصلي بوداعة.
ﻻ مقدس فوق النقد
بأعين عصرنا الحالي، نرى الإمبراطور يوليان متسقًا مع قيم العدالة والمساواة وحرية الاعتقاد، بينما القديس باسيليوس مجرد بلطجي استقواء. وﻻ يصح أن نفترض تدخل الله في جريمة اغتيال وسفك دم غادر لمجرد أن “قديس” يختلف مع “كافر” في تبني قيم السلمية واللا عنف. الله لو ساعد البلطجي يبقى بلطجي! فإن كان البعض يؤمن بهكذا إله، إذن فلدينا مشكلة إيمان، وليس مشكلة تاريخ!
النسخة القبطية من فيلوباتير مرقوريوس تتفرد بأسطورة السيف الثاني، ومنها لقب “أبو سيفين” ومختلفة عن التقليد الشرقي عند الأرثوذكس الروم، وتشير لكنيسة محلية مهزومة، تؤمن بإله محارب هداياه سيوف! وليس إله قال
من يعش بالسيف فبالسيف يقتل
. أتصور هذه القصص على أنها تكتب بعد النصر. إذ بعد الهزيمة لا نرى مثل هذه الانحيازات الإلهية لمعارك البشر. الكل يقول أن حربه نبيلة، شريفة، دفاعية، مقدسة. كلهم بما فيهم “داعش” تقول نفس الكلام! بل قصة استشهاد فيلوباتير مرقوريوس تقول هذا الكلام بوضوح،
لقد حارب مرقوريوس المسيحي بجوار الوثني جنبًا إلى جنب لصد خطر البرابرة، ونجح كلاهما في ذلك فلماذا استشهد فيلوباتير مرقوريوس؟ لأن الإمبراطور الوثني [ومرقوريوس أيضًا] كل منهما يعتقد أن إلهه سبب الفوز على البربر الأشرار ذوي الإله الأضعف! أصر الإمبراطور الوثني أن تقدم الذبائح لإلهه الذي نصره على البربر، وخالفه مرقوريوس المسيحي في تأويل سبب النصر لإله آخر! كل من يشارك مرقوريوس الاعتقاد في أن الله عضده، فسيرى مرقوريوس مؤمن عن حق. وكل من يشارك اﻹمبراطور الاعتقاد فسيرى الإمبراطور أيضا مؤمن عن حق. والفرق بينهما في اختلاف تأويل الإله المحارب الذي كان سببا للنصر.
لو كان مرقوريوس مات في الحرب ضد البربر، لصار شهيد الدولة ﻻ شهيد المعتقد. لكن لأن هذا لم يحدث، ولأنه فعليا قُتِل بسبب مسيحيته، فهو هكذا شهيدًا للمسيحية وليس الدولة الرومانية. لكن هذا لا يجعل منه قديسًا. القديسون لا يحملون السيف أصلا! ولعمري، ما سمعت كلمة “حرب مقدسة”، دون أن أرى في ذلك نصبًا باسم الله في المسألة.
إيمان الكنيسة الأولى في تجريم العسكرية
الكنيسة الأولى كانت تعي هذا، ووضعت القوانين بحيث لا تحارب إلا مضطرًا. وإن حاربت مضطرًا، فلابد أن تكون مدنيًا [علمانيًا ولست ضمن الإكليروس] وسيتم اعتبار كل قتالك [الاضطراري]: خطية، تحرمك من التناول والشركة إلى أن تتوب. المسيح نفسه كان هكذا، وهو الذي أسس لهذه الفلسفة. ورغم إدراكنا جميعًا أن هناك لحظات اضطرارية يمكن تجبرنا على القتال، لكننا سنفعلها بعيدًا عن لصق اسم المسيح أو الله. سنقاتل على مسؤوليتنا ونحن مُكرهين ونشعر أنها “خطية”، نتمنى زوالها بالسلام.
إن كان أسقف، كاهن، او شماس منخرطًا في أعمال عسكرية، ويبتغي أن ينتمي للرومانية كما للمنصب المقدس، فهو يسقط من منصبه الكنسي(القانون ٨٣ من قوانين الرسل)
إن كان إكليروس وقع في دنس القتل، حتى لو دفاعا عن النفس، يسقط من الكهنوت الذي دنسه هو بهذه الجريمة البشعة(القانون الخامس من قوانين القديس غريغوريوس النيسي)
الإنسان المسيحي لا يتجند. لا يجب أن يصير المسيحي جنديًا إلا إن تم اجباره من رئيس أن يحمل السيف. لا يحمّل ذاته خطيّة الدماء. وان شارك في سفك الدم، لا يشترك في الأسرار، إلا إن خضع لتأديب، وتوبة، وبكاء ودموع، ولا يأتي للكنيسة مخادعًا بل في خوف الله(القانون ١٤ من قوانين هيبوليتس، القرن الرابع)
شخصيًا لا أؤمن بقداسة أبو سيفين. هو شهيد نعم، لكنه ليس قديسًا وفق أي تعريف نظري للقداسة. لا يوجد “قاتل قديس”، وكل هذه أوهام يجب أن تزول.
الشهيد: هو من استقبل الموت، دون خوف، مسؤولًا عن قراره. قد يقرر المرأ تعريض حياته للموت في مقابل “إحياء قيم” يراها أهم منه شخصيًا. قد تكون وطنه، قد تكون دينه، قد تكون حياة آخر يحبه، والبعض يضيف الدفاع عن النفس في حالة الاستحالة، مثل أن يهاجمك مجموعة يستحيل انتصارك عليهم، فتقرر الموت وأنت تقاتل بدلا من الموت مستسلمًا لهم.
هذا اللقب: “شهيد”، لا يناله إلا من مات. إذ لا يكفي التعرض للخطر والنجاة مثلا. الاستشهاد ثمنه حياة.
القداسة موضوع آخر، فهي لا تتعلق بالموت وإنما بالحياة وفق نسق أخلاقي موصوف بالقداسة. مثلا لو رأيت الحب مقدسًا، إذن فأنت لا تكره كيلا تفسد قداستك. لو رأيت الحياة مقدسة إذن فأنت لا تقتل. الصدق مقدسًا إذن فأنت لا تكذب. وهكذا.
في حين يتعلق الاستشهاد بالموت في سبيل القيم، تتعلق القداسة بكيفية الممارسة لهذه القيم.
قد يستشهد إنسان وهو ليس قديسًا. قد يتقدّس إنسان ولا يموت شهيدًا. لا علاقة بين الإثنين.
القاتل ليس قديسًا… ﻻ يصح مثل هذا الادعاء، ولكل دوره في الأرض. مش ضروري يعني كل حاجة نلطع عليها “قديس” فنفقد القداسة معناها! غاية ما أستهدفه هنا هو ضبط مصطلحاتنا، حتى ﻻ تصير المسألة مجرد توزيع “نياشين” فاقدة المصداقية.