- التمايز في شرح العقيدة المسيحية [١]
- التمايز في شرح العقيدة المسيحية [٢]
- التمايز في شرح العقيدة المسيحية [٣]
- كيف دخل مفهوم العدل الإلهي في لاهوت الغرب
- الموت كحالة، لا عقوبة، في فكر أثناسيوس الرسولي
- جسد المسيح السري في المفهوم الأرثوذكسي
- التبرير في المفهوم الأرثوذكسي
- ☑ ذبائح العهد القديم في اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي
لقد تجسد إبن الله الكلمة وصار رئيس كهنتنا الأبدي الذي قدَم جسده الذاتي بإرادته وحده ذبيحة أبدية أسس بها عهده الجديد مع الإنسان. لذلك هو الكاهن والذبيح معًا للعهد الجديد.
أما عن ذبائح العهد القديم تِلْكَ شَرِيعَةُ الْمُحْرَقَةِ، وَالتّقْدِمَةِ، وَذَبِيحَةِ الْخَطِيّةِ، وَذَبِيحَةِ الإِثْمِ، وَذَبِيحَةِ الْمِلْءِ، وَذَبِيحَةِ السّلاَمَةِ،الّتِي أَمَرَ الرّبّ بِهَا مُوسَى فِي جَبَلِ سِينَاءَ، يَوْمَ أَمْرِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِتَقْرِيبِ قَرَابِينِهِمْ لِلرّبِّ فِي بَرِّيّةِ سِينَاءَ
[1]، فإن الليتورجيات (الصلوات) الأرثوذكسية لم تقدم أية إشارة إليها، أي ذبيحة الإثم، المحرقات بكل أنواعها، ذبيحة الخطية، ذبيحة السلامة، تقدمة خبز الوجوه.
إن غياب هذه الذبائح في الليتورجيات الأرثوذكسية ليس مجرد مصادفة. ذلك لأن قلب وجوهر الطقس والعقيدة الأرثوذكسية لا يمكن أن تشرحه ذبائح العهد القديم تلك. وقد أوضح القديس بولس الرسول والقديس أثناسيوس الرسولي هذه الحقيقة. فرسالة العبرانيين ١٠ تتكلم عن أن الله لَمْ يُسَرّ و لم يطلب أصلاً ذبائح الشريعة الموسوية لأَنّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا
، بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيّةِ لَمْ تُسَرَّ
، ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ وَلكِنْ هَيّأْتَ لِي جَسَدً
[تجسُد المسيح].
يشرح ق. أثناسيوس [2] كيف أن الشريعة لم تأمر أولًا وفي البداية بتقديم الذبائح، وأنه لم يكن هذا هو تدبير الله الذي أعطي الشريعة أن تُقَدَم له المحرقات: لأَنّي لَمْ أُكَلّمْ آبَاءَكُمْ وَلاَ أَوْصَيْتُهُمْ يَوْمَ أَخْرَجْتُهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ جِهَةِ مُحْرَقَةٍ وَذَبِيحَةٍ
[3].
ولكنه أوصي الشعب بأن يعرفوه أنه الإله الحقيقي وكلمته، وأن يحتقروا هؤلاء الآلهة الكاذبة التي تُدعَي كذبًا آلهة. وأظهر الله ذاته لشعبه بشكل ظاهر، وجعلهم يعرفون أنه هو الذي أخرجهم من أرض مصر.
ولكن عندما اختاروا أن يعبدوا البعل، وتجاسروا على أن يقدموا الذبائح لمن لا وجود لهم، ونسوا المعجزات التي تمَت في أرض مصر، وعوضًا عن الحَمَل (الفصح) الذي أُعطِيَ لهم أن يقدموه، تعلموا كيف يذبحون للبعل، بل وفكروا في العودة إلي مصر، هنا فقط جاء الناموس بالوصية الخاصة بالذبائح حتى يتعلموا كيف يعبدون الله حسب وصايا الناموس وبذلك يتركون الأوثان.
أما عن الحَمَل الذي أُعطِيَ لهم، والذبيحة الواحدة التي تَجُب كل الذبائح، فهي ذبيحة عيد الفصح، وهي المناسبة التي أسَس فيها ربنا يسوع المسيح سر تقديم جسده ودمه بخبز وخمر. لذلك فإن مركز وقلب التعليم الأرثوذكسي هو حَمَل الفصح؛ لأن حَمَل الفصح أَبعد ملاك الموت وحَوَل الُمهلك عن شعبٍ بأكمله، مثلما حَوَلت ذبيحة الرب على الصليب الموت والفساد عن الجنس البشري كله.
والعلاقة بين حَمَل الفصح وموت الرب تتلخص في أن ذبيحة حَمَل الفصح: أبادت الموت / كانت للخلاص من الموت والعبودية / هي الوحيدة التي يأكلها الشعب كلها / هي عن الشعب كله / يقدمها الشعب كله / لا يُقَدَم منها شيئ على المذبح ليُحرَق بالنار، لأنها لم تكن لمغفرة الخطايا.
فعلى خلاف رؤية اللاهوت الغربي لذبيحة المسيح على الصليب، نجد أن حَمَل الفصح لا علاقة له بما يمكن أن ُيقال عن حَمْل عقوبةٍ، أو موتٍ نيابي عن خطيئة آخر، أو استيفاءٍ لعدل الله أو ترضيةٍ لغضب الله مِن جهة ذنب إنسان. هذا الفكر هو مِن وَضْع مدارس لاهوت العصر الوسيط في أوروبا و بتأثير من الفكر القانوني السائد ذلك الوقت عن عدم وجود مغفرة مجانية.
وأيضًا بسبب تفسير الغرب أننا ورثنا خطية آدم وليس طبيعته المائتة، مما استوجب عقابَ شخصٍ بديلٍ عن البشر -وهو يسوع المسيح- يحمل العقوبة عنهم استيفاءاً لعدل الله الذي ظنوه عدلًا لا يختلف عن عدل محاكم البشر، وربما أقل لأن القانون البشري لا يعاقب بريء عوضًا عن المذنب.
أما اللاهوت الشرقي فبحسب الكتاب [4] اعتقد بوراثة الطبيعة المائتة لآدم وليس خطيئته. لأن فعل الإنسان لا يُوَرّث بل نتائجه. أي فساد الطبيعة البشرية نتيجة خطية آدم، مما تطَلب شفاء الطبيعة البشرية بتجسد المسيح.
ولقد أُلصِقت فكرة موت البديل البريء عن المذنب بدايةً بالعهد القديم، ثم وصلت إلي المسيح نفسه و جَعلت منه خاطئ، حاشاً له. فهو قدوس القديسين، حتى يدفع ثمن خطايا البشرية موتًا على الصليب. مع أنه لا يوجد نص ٌواحدٌ في العهد القديم، ولا في المصادر اليهودية السابقة علي المسيحية، أو في المسيحية الشرقية، يقول إن الخطية تنتقل بوضع يد مُقرّب الذبيحة إلى الذبيحة.
أما بخصوص ما ُذكِر في سفر اللاويين عن ذبيحة المُحرَقة: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الْمُحْرَقَةِ، فَيُرْضَى عَلَيْهِ لِلتّكْفِيرِ عَنْهُ
[5]، فإن السفر لم يذكر أية علاقة بينها وبين الخطية بالمرة؛ بل إنها تقدمة اختيارية حيث يبدأ السفر بكلمة “إذا”: إِذَا قَرّبَ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ قُرْبَانًا لِلرّبّ
. كما أنها رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرّبّ
ولا علاقة لها بالخطية. ولكن المُقرّب يضع يده علي رأس الذبيحة، لكي يؤكد فعل التقديم حسب شرح كل علماء المسيحية واليهودية.
إن خرافة انتقال خطية الإنسان إلى حيوان بريء لا يَعرف فكر الإنسان ولم يشاركه خطيته، حاول بها شيعة ”الإخوة“ وغيرهم، شرح ما جاء في رسالة بطرس: الّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرّ
[6]، في حين أنهم يجهلون الأصل اليوناني للفعل ”حَمَلَ“ وأنه بمعني”رفع“ أو ”أزال“ الخطية كعائق، وليس أضاف إلى نفسه ومَلَك ما لا يمكن امتلاكه، وهو الخطية.
الله لا يقبل موت إنسان عن إنسان وإلا كان استجاب لشفاعة موسي عن بني إسرائيل أن يموت بديلًا عنهم: وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيّتَهُمْ، وَإِلاّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الّذِي كَتَبْتَ
. بينما كان رّد الله له: مَنْ أَخْطَأَ إِلَيّ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي
[7]. ويقول المزمور: الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفّارَةً عَنْهُ
[8]. إن مصطلح أن ربنا يسوع المسيح قُدّمَ مُحرَقةً للآب
لم يذكره أيٌ من الآباء، و هو مصطلح غائب عن العهد الجديد.
أما نص أفسس: وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبّةِ كَمَا أَحَبّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيّبَةً
[9]، فقد فسره ق. كيرلس الكبير: صار المسيح رائحةً زكيةً، لأنه أعلن في ذاته الطبيعة الإنسانية التي صارت بلا خطية
. فلا يجب أن يُشرَح النص علي أساس ما جاء في العهد القديم من الذبائح التي لم يُسَرّ بها الله، بل استنادًا إلي شرح الآباء واستنادًا إلي القاعدة اللاهوتية أن تفسير العهد القديم يجب أن يتم علي أساس إعلانات العهد الجديد وليس العكس: فَإِنّ شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النّبُوّة
[10].
لذلك، كانت ذبيحة الفصح ويوم الكفارة وتقدمة إبراهيم لأسحق وتقدمة ملكي صادق من الخبز والخمر هي فقط التي ارتبط ذكرها بذبيحة المسيح في الليتورجيا الأرثوذكسية القبطية.
والسُبح لله.
