- التمايز في شرح العقيدة المسيحية [١]
- التمايز في شرح العقيدة المسيحية [٢]
- التمايز في شرح العقيدة المسيحية [٣]
- كيف دخل مفهوم العدل الإلهي في لاهوت الغرب
- الموت كحالة، لا عقوبة، في فكر أثناسيوس الرسولي
- جسد المسيح السري في المفهوم الأرثوذكسي
- ☑ التبرير في المفهوم الأرثوذكسي
- ذبائح العهد القديم في اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي
قلنا في المقالات السابقة إن آباء الشرق جميعًا قرأوا رومية [1] بأن موت وفساد الطبيعة الإنسانية انتقل من آدم إلى ذريته بالوراثة، وليس خطيئة آدم. وبالتالي، ركّزوا على سر تجسد المسيح ابن الله كأساس لخلاص الإنسان المحتاج لتجديد طبيعته، المحكوم عليها بالموت، إلى طبيعة جديدة أسسها ابن الله عندما تجسد.
بينما ركّز الغرب في العصر الوسيط في أوروبا، ثم حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، على صليب المسيح كأساس للخلاص. حيث جاء الغرب بنظرية “البديل المُعاقَب” أو “البديل الخلاصي” لتشرح كيف أن المسيح، وهو البار، حمل خطيئة الإنسان وصلب كفاعل شرٍ واحتمل عقوبة الموت بحسب الناموس. وبذلك قَدّم الترضية للآب ووفّى مطالب العدل الإلهي، فنال حكم البراءة والعفو من الآب كإنسان باستيفاء أحكام شريعة موسى، ثم أعطى لنا حكم البراءة والبر.
إن الغرب رأى أن تبرير الإنسان هو نتيجة لحفظ المسيح للناموس وسلوكه به، ثم قتله بارًا وظالمًا على الصليب. فتبرير المسيح للإنسان في اللاهوت الغربي هو نتيجة استيفاء المسيح للعدل بمفهومه الأرضي؛ سن بسن وعين بعين. بينما اللاهوت الشرقي، كما قلنا سابقًا، لم يضع نظريات لاهوتية بل اعتمد على ما هو مكتوب في الكتاب المقدس.
أولًا: من حيث أن المسيح لم يُصلَب كفاعل شرٍ، بل ظلمًا وحسدًا وبشهود زورٍ؛ وأن الموت لم يأتِ إلى المسيح على الصليب بسبب خطيئة صنعها، فهو البار، ولكن بسبب أنه وُلِدَ من امرأة تحت الناموس، أي كان يحمل طبيعة آدم بعد السقوط، والتي حَكَم الناموس عليها بالموت.
ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني.(غلاطية ٤: ٤-٥)
فالمسيح وُلِدَ في شبه جسد الخطيئة: فاللهُ إذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيّةِ، دَانَ الْخَطِيّةَ فِي الْجَسَدِ
[2]، بمعني أن يسوع البار الذي لم يصنع إثمًا، أخذ طبيعتنا التي عليها حُكم الموت بسبب خطية آدم. وأن المسيح صنع هذا بسبب محبته لنا: ابن اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي
[3]. وأن المسيح لم يخضع للشيطان أو الموت: لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا
[4]. بل قَبِل أن يدخل بيت القوي (الموت) وينهب أمتعته (البشرية التي تحت سلطان موت الخطيئة) [5].
إن العدل الإلهي الذي يقضي بموت الخاطئ، ورحمة الله التي تقضي بخلاص الخاطئ، لا يمكن أن يكونا على طرفي نقيض، أو أن يعمل أحدهما ضد الآخر كما في الإنسان المنقسم على ذاته [6]. فعمل الله كامل ومتكامل وليس فيه تناقض وانقسام. فالعدل الإلهي هو الجانب الآخر لرحمة الله، فهو عدل يُعيد ما ضاع ويجدد ما أصابه الموت. وقد ألمح الرب بنصيحته في إنجيل لوقا [7] بسمو عدله فوق عدل الإنسان وفوق الناموس.
ثانيًا: إن التعبير اللاهوتي في رسالة غلاطية يصبغ اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي كله.
إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع المسيح، آمنا نحن أيضا بيسوع المسيح، لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس. لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما.
لست أبطل نعمة الله. لأنه إن كان بالناموس بر، فالمسيح إذا مات بلا سبب!(غلاطية ٢: ١٦، ٢١)
لأنه يثير السؤال: هل بر المسيح الذي بَرَّرنا به، هو بره كإنسان نَفَّذ وقام بكل ما هو مطلوب منه كإنسان حسب الناموس والشريعة؟ الإجابة بكل يقين: لا. بالرغم أن المسيح تَمَّم كل بر [8]. فالناموس أو الشريعة وُضِعَت للبشر، وهي لا تَخُصُّ واضع الشريعة لأنه لا يستمد برَّه من الشريعة، بل من كماله الإلهي. فلو كان بر المسيح الذاتي من الناموس، لَتَحَوَّل بر المسيح إلى قدرة إنسانية لا تكفي سوى الإنسان يسوع المسيح، ولا تكفي الإنسانية كلها من آدم إلى آخر الدهور.
إن ق. بولس في رسالة رومية [9] لا يقارن موت آدم بموت المسيح، بل يقارن بين موت آدم وبين النعمة التي بالمسيح كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيّةُ فِي الْمَوْتِ، هكَذَا تَمْلِكُ النّعْمَةُ
. ولا يقارن بين خطية آدم وبين تنفيذ المسيح لوصايا الناموس، بل الهبة والنعمة وَلكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيّةِ هكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ … وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيّةُ ازْدَادَتِ النّعْمَةُ جِدّا
.
فلا مجال هنا لعدالة الناموس سن بسن وعين بعين أو عدالة البشر في محاكمهم. فهي ليست مبادلة ولا موت نيابي يُدفَع فيه ثمن خطية. التبرير لم يكن قرارًا إلهيًا جاء نتيجة حفظ المسيح للناموس والشريعة اليهودية. بل أُعلن كنعمة تُوهَب للإنسان بسبب صلاح الله وليس صلاح الإنسان يسوع، بالرغم من أنه البار الّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ
[10]. لذلك فنحن أخذنا البر الإلهي كنعمة من الإله يسوع المسيح.
هنا نري معني ما قاله ق. أثناسيوس الرسولي: أعطانا الذي له، وأخذ الذي لنا
.
المسيح لم يأت بقرار عفو عن الخطاة -فهذا لا يتطلب تجسد الله- بل جاء لتغيير الطبيعة الإنسانية إلي مجده و برّه علي سبيل النعمة وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرّبّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيّرُ إِلَى تِلْكَ الصّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرّبّ الرّوحِ
[11]. هذا المجد لا يعرفه الناموس ولا علاقة له به.
وفي رسالة تيطس: حتى إذا تبررنا بنعمته، نصير ورثة
[12]، نرى أن التبرير بالمفهوم الإنجيلي الشرقي هو تغيير الطبيعة كضرورة لميراث الملكوت. كان بولس بحسب الشريعة و الناموس بلا لوم. ولكن اعتبر بره الذي بالناموس نفاية أمام البر الذي له من الله والذي ليس حسب الناموس.
من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم. لكن ما كان لي ربحًا، فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة. بل إني أحسب كل شيء أيضا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي، الذي من أجله خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح، وأوجد فيه، وليس لي بري الذي من الناموس، بل الذي بإيمان المسيح، البر الذي من الله بالإيمان. لأعرفه، وقوة قيامته، وشركة آلامه، متشبهًا بموته، لعلي أبلغ إلى قيامة الأموات.(فيلبي ٣: ٦-١١)
إن عظمة بر المسيح أنه هو هو بر الله، برٌّ واحدٌ لا ينقسم، وهو يفوق كل ما يقرره الناموس كثمرة لإرضاء العدل الإلهي، وثبّته بعقوبات من أجل استقرار العلاقات الإنسانية. والدليل أن عيني بولس كانتا على القيامة والحياة الأبدية، أشياء لم يُرَد بخصوصها شيءٌ بالمرة في شريعة موسى ولا في نظام الذبائح.
فالتبرير بالروح في المسيح ليس إعلان براءة الخاطئ، ولكن هو الانضمام إلى المسيح أي الكنيسة لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ..وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً. حَتّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرّبِّ
[13]. هنا يَظهر المسيح نفسه كأقنوم حيث تتوالى أسماؤه: الحكمة، القداسة، البر، الفداء، لتؤكد أننا إزاء علاقة شخصية تجعل عدل الله وبر الله هو شخص المسيح، وليس مبدأ قانوني يُطَبق حسب قواعد الشريعة.
والسُبح لله.
