أجّلت كتابة هذا المقال حتى تتضح الأمور في قضية مقتل الرهبان الثلاثة، بخصوص الجناة وهويتهم وبداية المحاكمة رسميًا في جَنُوب إفريقيَا، حيث وجهت تهمة  القتل إلى "سعيد" طالب الرهبنة، والراهب . ولا تعنيني هذه الحادثة تحديدًا، بقدر ما يعنيني ردود فعل قطاع واسع من الأقباط الذين دائمًا ينكرون أن يكون الجاني من أصحاب الرداء الأسود، كما حدث في مقتل الأنبا ، وقد آن الأوان للنضج والفطام عن هذه الصورة الطفولية البريئة المُتخيلة عن المسيحيين عمومًا وال من كهنة وأساقفة ورهبان على وجه الخصوص.

مع كون تعداد الأقباط يقدّر بالملايين، يضعهم ذلك كأهم مجموعات الأقليات في منطقة ، وخلال ما يقترب من ألفي عام، استطاعوا الحفاظ على هويتهم من خلال التمسك بكنيستهم والاحتماء بها خاصة في الأوقات الصعبة، وعرف عنهم مجموعة من الصفات الجيدة مثل الأمانة والصدق، ولكن وأنت تتكلم عن شعب أو أقلية عرقية يتراوح تعدادها بين 20 إلى 25 مليون شخص داخل وخارج مصر، فهذا يفوق شعوب سكان دول مجتمعة في المنطقة المحيطة بنا، ومن الطبيعي -كأي شعب طبيعي- ألا يكون كلهم على نفس الشاكلة، بل يوجد بينهم اختلاف وتباين وتنوع.

قطاع كبير من الأقباط يرون أنهم ملائكة لا يخطئون، والصورة المتخيلة لديهم عن أنفسهم وعن الكنيسة -لا أقصد المفهوم الإنجيلي أنها جماعة المؤمنين بل المؤسسة التي يسودها الهيراركي الأكليروسي من البابا والأساقفة والكهنة والشمامسة وخدام التربية الكنسية- أنها صورة بيضاء نقية مثل الثلج ولا تشوبها شائبة، متناسين أنهم بشر، وجزء من الطبيعة الإنسانية هو ارتكاب الأخطاء وليس الأخطاء العادية بل ربما تصل لحد الجرائم مثل القتل.

أتذكّر في واقعة مقتل الأنبا إبيفانيوس، أسقف بوادي النطرون، وقت أن كُنت أقدم تغطيات صحفية، وأتابع سير التحقيقات، أن كان رد فعل كثيرين من الأقباط فور معرفة هُوِيَّة الجاني أنه [الراهب سابقًا] هو الإنكار والرفض وعدم التصديق، بالرغم من تنفيذ حكم الإعدام في الجاني، إلا أن الكثيرين لا زالوا لا يصدقون ويبحثون عن أي أسباب لإسقاط التهمة عنه، حتى مع انتشار ما يثبت أن إشعياء -المجرد من الرهبنة بقرار من ال قبل توجيه اتهام رسمي له- أنه كان راهبًا فاسدًا.

نفس ما حدث من ادعاءات بعد مقتل الأنبا إبيفانيوس، وأنّ غرباء من خارج دير أنبا مقار تسللوا للدير وقتلوه، تكرر في واقعة مقتل رهبان جَنُوب إفريقيَا، فكثيرين تناقلوا الخبر، ومن بينهم صحفيين ومثقفين، وقبل ورود أي معلومة أشار البعض إلى تنظيم الإرهابي باعتباره نشط في جَنُوب إفريقيَا، والبعض الآخر  أشار إلى أنها عصابات إجرامية منتشرة هناك قتلت الرهبان، والذين تم وصفهم فورًا بأنهم “شهداء”، ثم كانت الصدمة بعدما تم اكتشاف أن مرتكب الواقعة من داخل الدير وأحد طلاب الرهبنة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل هناك راهب آخر متهم ويحاكم معه.

الأقباط لا يرون أنفسهم إلا في موقع الأقلية المضطهدة، وأنهم مجموعة مثالية لا يوجد بينهم خاطئ واحد، مع أنهم مجموعة بشرية كبيرة ومتنوعة ومتباينة ومتعددة الثقافة، بين المقمين في مصر والمهاجرين للخارج في قارات العالم الست المأهولة بالسكان، وفي رأيي يعود هذا لمنظومة التعليم الكنسي أو “الخطاب اللاهوتي” الذي تعرضت له مثل بقية الأقباط في طفولتي وصباي وشبابي وتأثرت به، فقد كانت لدينا صورة ذهنية متخيلة عن خادم “أنه شخص خجول خفيض الصوت، يحض على قراءة الكتاب المقدس خلال مروره بالشارع وفي الكنيسة ويحني كتفه، لا يتفوه بالشتائم، ولا يدخن، ولا يجلس على المقاهي، ولا يشاهد التلفزيون (خلال التسعينيات)”، ونفس الأمر بالنسبة للخادمات في مدارس الأحد، والجميع هنا يبدو أنهم مشاريع رهبان وراهبات وكهنة ومكرسات.

وفي حين أننا جميعا نحاول رسم هذه الصورة المثالية “البلاستيكية”، إﻻ أننا بشر عاديين، ونعيش حياتنا بشكل طبيعي، فهناك من يمارس كرة القدم وينفعل ويسب ويلعن مثل أي لاعب كرة خلال اللعب أو مشاهدة مباريات كرة القدم، والبعض يذهب للجلوس على المقاهي، لكنه يختار أماكن بعيدة عن الكنيسة حتى لا يراه أحد، مع أن الجلوس على المقهى لا يعيب صاحبه في شيء، من هنا ترسخت صورة مثالية طوباويّة في أذهان عموم الأقباط عن أنفسهم، وبعض من يعانون هذا الازدواج دخلوا الأديرة وصاروا رهبانًا وأساقفة اليوم. يمكنهم أن يفعلوا ما يحبون ولكن دون أن يعرف أحد وعلينا جميعا أن نحافظ على الصورة المتخيلة عن أنفسنا.

أعتقد أنه آن الأوان أن يدرك الأقباط أنهم مجموعة من البشر ليسوا مثاليين، ويجب أن يحرروا أنفسهم من “الإحساس النفسي بأنهم أقلية مضطهدة”، وهذا لا ينفي ما وقع عليهم من اضطهاد وضغوط كبيرة طول تاريخهم وحتى الآن. لكن لابد من الفطام والنضج، حتى تستطيع هذه المجموعة المهمة والمكونة لجزء كبير من الشعب أن تكمل طريقها ويكون لها مستقبل.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

بيتر مجدي

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- ، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "" () لشبونة 2022.

‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎