+«ويل لك يا كورزين، ويل لكِ يا بيت صيدا، لأنه لو صُـنعت في صور وصيدا القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديمًا في المسوح والرماد»
(إنجيل متى 11: 21؛ إنجيل لوقا 13:10)
يقول سفر التكوين:
«وكانت الأرض خربة وخالية»
(سفر التكوين 2:1)
هكذا توصف الأرض حين لا يكون فيها إنسان يرعاها ويحرسها، وهكذا تُسمى بقايا تلك المدن التي كانت ذات شأنٍ أو شأو، ثم ولَّى ومضى. نرى ذلك بوضوح في “خربة كرزة” التي تقع على بعد 3 كيلومترات شمال كفر ناحوم، وتوصف بأنها موقع بلدة كورزين التي صنع فيها الرب يسوع أكثر قواته ولكنها لم تتب.
وقد تكلم الرب يسوع عن المدن التي لم تقبل ملكوت الله هكذا:
«وأية مدينة دخلتموها ولم يقبلوكم فاخرجوا إلى شوارعها وقولوا: حتى الغبار الذي لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم. ولكن اعلموا هذا إنه قد اقترب منكم ملكوت الله. وأقول لكم إنه يكون لسدوم في ذلك اليوم حالة أكثر احتمالاً مما لتلك المدينة»
(إنجيل لوقا 10:10-12)
هنا نجد الرب قد ربط بين سدوم والمدن التي لم تقبل البشارة. وهذا يجعلنا نتساءل عن السبب في ذلك. والجواب نجده واضحًا جليًا في نبوة حزقيال النبي حيث يقول:
«وكانت إليَّ كلمة الرب قائلة: يا ابن آدم عرِّف أورشليم برجاساتها… هذا كان إثم أختك سدوم: الكبرياء والشبع من الخبز وسلام الاطمئنان كان لها ولبناتها ولم تشدد يد الفقير والمسكين»
(سفر حزقيال 1:16و2و49)
إذن، هكذا قال الرب وهكذا كان، أن تلك المدن وشعبها بالتالي كان قد أصابهم الكبرياء -إذ كانت مدنًا تجارية على طريق الأمم- فرفضت المسيح المتواضع الذي جاءهم ببشارة الملكوت. وبذلك يكونوا قد قطعوا حبل التواصل بينهم وفاديهم، فآلت مدنهم إلى خرابها ودمارها، كما حدث مع سدوم قديمًا، وهنا في بلدة كورزين، كما نرى الآن.
وتكملة كلام نبوة حزقيال يؤكد ذلك: «الشبع من الخبز وسلام الاطمئنان كان لها ولبناتها»، أي أنها كانت مدنًا غنية تحيا في سلام واطمئنان -سواء سدوم أو أورشليم أو كفر ناحوم وكورزين وبيت صيدا- ولكنها «لم تشدد يد الفقير والمسكين»، أي لم تهتم وتحنّ أحشاءها على الفقير والمسكين، فترعاه وتسدد احتياجاته حتى لو كان من إعوازها.
لذلك نجد أن كنيستنا الناظرة إلى رعاياها ترعاهم وتحرسهم، تقرأ الفصل الذي يَرِد فيه ذكر الويلات التي حذَّر بها الرب هذه المدن في عدة مناسبات، منها يوم أول طوبة، وهو تَذْكار شهادة القديس استفانوس رئيس الشمامسة، صاحب الروح الناري الذي خاطب به مجمع اليهود ووبخهم على عدم إيمانهم بالرب يسوع قائلًا:
«يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان، أنتم دائماً تقاومون الروح القدس. كما كان آباؤكم كذلك أنتم»
(سفر أعمال الرسل 51:7)
كما تقرأ الكنيسة هذا الفصل أيضًا (إنجيل متى 20:11-30) في إنجيل باكر يوم الخميس من الأسبوع الثاني من الصوم الكبير، حيث تدور القراءات حول التوبة والتعريف بالوصايا.
كما تقرأ الكنيسة فصلًا آخر (إنجيل متى 20:11-24) في عشية يوم الجمعة من الأسبوع الثالث من الخمسين المقدسة، حيث تدور القراءات عن مواجهة الرب يسوع مع اليهود التي تمَّت في الهيكل في أورشليم، ووبخهم فيها قائلًا:
«الحق الحق أقول لكم: إنَّ كل من يعملُ الخطية هو عبدٌ للخطية»
(إنجيل يوحنا 34:8)
موقع مدينة كورزين
أما تلك المدينة كورزين، فتقع على بُعد 3 كيلومترات شمال كفر ناحوم. وقد ذكر يوسابيوس أسقف قيصرية في القرن الرابع، وهو أبو التاريخ الكنسي، ذكر أنه لم يَرَ إلا بقايا تلك المدينة. وقد بُنيت المدينة مرة أخرى في القرن الخامس، بما فيها من مجمع لا زالت بقاياه موجودة حتى الآن. والبلدة مذكورة في التقليد العبراني على أنها مدينة “متوسطة الحجم”، ونتيجة لجودة نوع القمح الذي يُزرع هناك، فقد ذكرت مرتبطة بتقدمة الحصاد الأولى (راجع:T. Makkot 3:8; b. Menahot 85a ).
أما البقايا التي وُجدت من تلك المدينة فهي:
1 – بقايا مجمع يهودي اكتُشف عام 1905 بواسطة العالمَيْن H. Kohl & C. Watzinger، وقد بُني من الحجر البازلتي الصلب، مثل ذلك المبني به مجمع كفر ناحوم.
2- معاصر زيت ومنازل قديمة وحمامات. وكل هذه مبنية أو مصنوعة من الحجر البازلتي الصَلِب المنتشر هناك.
3- وفي عام 1926 اكتُشف كرسي من الحجر البازلتي الأسود المزخرف، مكتوب عليه عبارة باللغة الآرامية، وهي لتكريم ومباركة ذكرى يودان بن يشماعيل الذي صنع الكرسي والدرجات التي تؤدي إليه. والآراء كثيرة حول هذا الكرسي، هل هو كرسي موسى الذي قال عنه الرب يسوع: «على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه» (إنجيل متى 2:23 و3)؟ أم أنه كرسي يوضع عليه مخطوط التوراة حين يُقرأ؟ أم أنه الموضع الذي يجلس عليه من يقرأ التوراة ليفسر ما قد قُرىء، مثلما حدث مع الرب يسوع في مجمع الناصرة (إنجيل لوقا 16:4-21)؟ ولم يستقر العلماء حتى الآن بخصوص هذا الأمر.
مما سبق نستنتج أن هذه المدينة قد ضَعُفَ فيها الإيمان المسيحي أو كاد ينعدم، فلم يبقَ فيها شيءٌ يذكر عن الأماكن المقدسة المسيحية.
وقد كانت كورزين على تل صاعد، تطلُّ منه على بحيرة جنيسارت بمائها الأزرق الجميل، وكلها محاطة بالأعشاب الخضراء. نسمع ذلك من القديس مرقس الرسول:
«فأمرهم أن يجعلوا الجميع يتكئون رفاقًا رفاقًا على العشب الأخضر»
(إنجيل مرقس 39:6)
وذلك حدث حين خاطب الرب يسوع الجموع بالعظة على الجبل، وأتى معجزة إشباع الجموع الخمسة آلاف. فقد كان هذا الجبل قريبًا جدًا من موقع مدينة كورزين، على مشارف البلدة. ولكن انزوى اسم هذه البلدة ولا زال ما حدث على مشارفها من معجزات وعظة هي دستور الحياة المسيحية، لا زال حتى الآن ينهل منه المؤمنون ينابيع الخلاص.
عزيزي القارئ، ها قد خرجنا من هذه المدينة سالمين، فلنتضرع إلى الرب أن نجد مدينة أخرى أكثر دفئًا، نرى فيها عمل الله وقبول بشارة ملكوت ربنا يسوع المسيح.