Search
Close this search box.
ظهر في الآونة الأخيرة فريق يدعي إن "التأله" هرطقة حاربها آباء القرون الأولى، والبعض منهم كان له رأي آخر بأن التأله بدعة أو هرطقة حديثة ظهرت في كنيسة الروم الأرثوذكس الخلقيدونية [Eastern Orthodox] ثمَ دخلت إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اللاخلقيدونية [Oriental Orthodox] في وقتنا هذا.

قبل كل شيء دعونا نرد على الفكر بالفكر، وأن نرجع إلى إيمان الكنيسة المُقدسة، المُذخر في الكتاب المقدس وتقليدها الرسولي وتعاليم الآباء، ونرى، هل هناك وجود لهذه العقيدة في القرون الأولى؟ ولو كان فهل فعلًا حارب الآباء هذه العقيدة في ذلك الزمان؟

دعونا نُعرف بالمفهوم الصحيح وليس بما يؤلف البعض من اتهامات وسذاجات لا يصدقها شخص عاقل،

يجيبنا الأب أنتوني كونيارس وهو من الكنيسة الرومية الأرثوذكسية ويقول:

يعلمنا علم اللاهوت الأرثوذكسي أن التأله ما هو إلا النمو والإزهار -الذي لا ينتهي- لصورة الله فينا، التي تنضح بجمالها من مجد إلى مجد.
التأله هو تحقيق الإمكانية التي زرعها الله فينا في المعمودية المقدسة.
التأله هو تلك العملية التي تصير فيها الصورة -بنعمة الله- على مثال الله.
كتب الأب ستانيلوي إن صورة الله لم تُفقد نتيجة للخطيئة، لكن عملية التحول ليصير الإنسان على مثال الله توقفت.، هذه العملية استأنفت الآن في المسيح. لا يستطيع أحد أن يبلغ إلى هذا الاتحاد الباطني مع الله إلا في المسيح ومن خلال المسيح بقوة الروح القدس، فهو الطريق الوحيد وليس هناك غيره

(الأب أنتوني كونيارس)

ويضيف:

التأله هو اشتراك شخصي في حياة الله من خلال الإيمان والصلاة والأسرار الكنسية.
التأله هو الإمكانية الغنية التي وضعها الله في كل إنسان مُعمد.
التأله هو اسم مسيرة الخلاص التي تبدأ بالمعمودية حيث نتحد بالمسيح ونتغير نحو شبهه.
التأله هو تغيير وتجلي أسلوب حياتنا، من حيث اهتمامنا بالقريب والمشاركة المتبادلة و المحبة، وتوظيف أنفسنا وأملاكنا والخيرات الأرضية لخدمة الله.
يكتب الأب جورج فلورفسكي ما يلي: معنى التأله هو الشركة الحميمية للبشر مع الله الحي لا أكثر. أن تكون مع الله معناه أن تسكن فيه وأن تشترك في كماله.

(الأب أنتوني كونيارس)

ويكتب الأب وهو راهب من الأرثوذكسية في كتاب :

مفهوم التأله الذي يقصده الآباء الأولين لا يعني تحوُّل الطبيعة البشرية إلى الطبيعة الإلهية، ولكن تأهيل الطبيعة البشرية للحياة مع الله في شركة المحبة، وذلك برفع الحاجز الخطير الذي يفصل حياة الإنسان عن حياة الله، أي الخطية! وذلك بتوسط غسل وتقديس دَم المسيح لنا، وتناولنا من جسده المقدَّس، لذلك، فالتألُّه أو الاتحاد بمفهومه الكامل كحياة مع الله، لا يمكن أن يتحقق إلاَّ بالقيامة من الأموات، ولكن لأنه قد أعطي لنا منذ الآن وسائط نعمة ووصايا وقوة إلهية، لكي نغلب بها الخطية والعالم وحياة هذا الدهر، لذلك، فقد انفتح أمام الإنسان باب إمكانية تذوُّق الاتحاد بالله بشركة المحبة والطاعة منذ الآن.

(الأب متى المسكين، حياة الصلاة الأرثوذكسية، ص 193)

والآن دعونا نلقي نظرة عن ما يقوله الكتاب المقدس بصدد التأله.

يقول معلمنا القديس بطرس:

كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ

(رسالة بطرس الثانية 1: 3 -4)

ويضيف معلمنا :

لأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ

(رسالة بولس إلى العبرانين 3: 14)

أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ

(رسالة بولس إلى أفسس 3: 6)

شَاكِرِينَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ

(رسالة بولس إلى كولوسي 1: 12)

فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ

(رسالة بولس إلى رومية 8: 17)

ف كما قصدها الآباء الرسل في الكتاب المقدس، معناها أن نشترك في حياة القداسة والمحبة التي هي حياة الله، وأن ننمو فيها، وأن نكون وارثين المجد والمواعيد مع المسيح.

ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي: ماذا قال آباء القرون الأولى عن التأله؟

يجيبنا في هذا الصدد القديس إ في كتاب الستروماتا ويقول:

صار كلمة الله [اللوجوس] إنسانًا حتى يتعلم كيف يصير الإنسان إلهًا

(إكليمندس السكندري، كتاب: الستروماتا)

ومن بعده يضيف العلامة ، ويقول:

أُعطيت نعمة الروح القدس للمخلوقات [البشرية] غير المقدسة بطبيعتها، لتجعلهم قديسين بشركة الروح. بهذا ينالون الوجود من الله الآب، والتعقل من الكلمة، والقداسة من الروح القدس مرة أخرى، إذ يتقدسّون بالروح القدس يمكنهم قَبُول المسيح، لأنه هو بر الله (1كو30:1). والذين حسبوا أهلا لبلوغ هذه المرحلة بتقديس الروح القدس، يتقدمون لنوال موهبة الحكمة، بقوة روح الله وعمله فيهم.

(القمص ، كتاب: “الله في فكر العلامة أوريجينوس”)

ومن بعده أب آخر من آباء الكنيسة، هو القديس ويضيف الآتي:

أنه لهذه الغاية، صار كلمة الله إنساناً، وابن الله صار ابن الإنسان، حتى يمكن للإنسان، باتحاده بالكلمة وقبوله ، أن يصير ابن الله. إذ لم تكن هناك أي وسيلة أخرى يمكننا بها أن نحقق عدم الفساد والخلود، إذ كيف يمكننا أن ننضم لعدم الفساد والخلود، ما لم يصر الخلود وعدم الفساد على ما نحن عليه أولاً؟ حتى يمكن للفاسد أن يُبتلع من عدم الفساد، والمائت من الخلود، حتى يمكننا الحصول على تبني الأبناء.

(القديس إيرينيئوس، “ضد الهرطقات”، الكتاب الثالث، الفصل الثامن عشر)

ويٌكمل قائلًا:

كيف كان يمكن للإنسان أن يذهب إلى الله، لو لم يكن الله قد جاء أولاً إلى الإنسان؟ وكيف كان يمكن للبشر أن ينعتقوا من ميلادهم الأول المؤدِّي إلى الموت، لو لم يولدوا من جديد بالإيمان بذلك الميلاد الجديد الإعجازي المُعطَى من الله كآية للخلاص (انظر إشعياء 14:7 يُعطيكم الرب نفسه آية)، أعني الميلاد الذي صار من العذراء؟ بل، وكيف كان يمكن أن ينالوا التبنِّي لله، وهم باقون في ميلادهم الأول الذي حسب البشر في هذا العالم؟ من أجل ذلك صار الكلمة إنساناً، وصار ابن الله ابناً للإنسان؛ لكي يتَّحد الإنسان بالكلمة، فينال التبنِّي ويصير ابناً لله.

(القديس إيرينيئوس، “ضد الهرطقات”، الكتاب الثالث، الفصل الثامن عشر)

ويضيف العظيم أثناسيوس:

لأن كلمة الله صار إنسانًا لكى يؤلهنا نحن، وأظهر نفسـه في جسد لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكي نرث نحن عدم الموت. لأنه بينما لم يَمسّه هو نفسه أي أذى، لأنه غير قابل للألم أو الفساد، إذ هو الكلمة ذاته وهو الله، من أجل ذلك اتخذ جسداً إنسانياً، حتى إذا ما جدَّده لنفسه [كخالق له] حينئذ يؤلِّهه في ذاته، وبهذا يُحضرنا جميعاً إلى ملكوت السموات على مثاله. [أي ما صار له بالجسد، جعله لنا أيضاً] لأن الإنسان كان لا يمكن أن يتألَّه [يتحد بالله] إن كان اتحاده يتم بمخلوق، أو أن يكون ابن الله ليس إلهاً، وكذلك لا يمكن أن يأتي “إنسان” إلى حضرة الله إذا لم يكن هو كلمته الحقيقية، ومن جوهره، وقد لبس جسدًا.

(القديس ، كتاب “”، الفصل الرابع والخمسون، الفقرة الثالثة)

نختم مقالنا هذا مؤكدين على أن ما قاله آباء ما قبل نيقية عن عقيدة التأله ليس بالتعليم غير الصحيح، مثلما يردد  البعض ويتهموننا بالهرطقة، ونرى إنهم لم يقصدوا بها أن نصير مثل الله ونشترك في جوهره، وسوف نستكمل ما ذكره آباء الكنيسة في عصر نيقية وما بعدها وفي العصور الحديثة عن عقيدة التأله في مقالات أخرى مقبلة.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟