الكنيسة أمنا، أم الشهداء التي تربينا بين أسواراها وتذوقنا حلاوة عذوبة السيد المسيح عند أقدام آبائنا الأتقياء، وسط ألحانها وسير قديسيها، عشقناها ومن تعاليم آبائنا الأول فهمنا الكتاب المقدس والعقيدة، وزاد تعمقنا أكثر عندما أدركنا أن الليتورجية تشرح تلك العقيدة، بالمنطق والعقل وبالتصديق والإيمان معا أدركنا جمال وعظمة كنيستنا.
وفيما نحن ندرك عظمتها أدركنا أيضا أنه على مدار قرون مرت أحيانا بفترات ضعف، تارَة بسبب الاضطهاد وتارَة بسبب الانقسامات المسكونية وتسرب مع هذا الضعف بعد التعاليم الشعبوية، سواء عن جهل ولكن بحسن نية أو عن عمد لإثبات رأي شخصي وكأنه عقيدة إلهية، ويمر الزمن وتتأصل التعاليم الشعبوية -غير الدقيقة- في وجدان الناس وكأنها هي التسليم الآبائي، فيتساوى عندهم الرأي مع العقيدة فمن يعترض على رأي كأنه اعترض على الإيمان، ومن طرح رأيًا مخالفا يتساوى مع أريوس ونسطور.
تجد الناس غير مدركين الفرق بين الثيؤطوكيات والتمجيدات، وبين الرأي الذي أجمع عليه الآباء والرأي الفردي لأحدهم الذي رفضته الكنيسة بالرغم من إقرارها قداسة قائله، تجد أن البعض لا يميز بين الأسرار المقدسة وأدوات ممارسة السر، فمن يرفض استخدام “المستير” -ملعقة التناول- في زمن الكورونا يتهم بمهاجمة الإفخارستيا، ومن يوافق على طريقة طبخ الميرون الجديدة يتهم بعدم إدراكه لأهمية سر التثبيت (الميرون).
أصبحت في غفوة من البعض القلنسوة السيريانية هي القبطية والأصوام المزيدة أصوامًا رسمية، حتى إن من المضحكات المبكيات عندما أشار جناب القس كيرلس كيرلس في كتابه أصوامنا بين الماضي والحاضر عن أن الكنيسة في فترة من فتراتها أرادت تخفيف عدد الأصوام عن كاهل الشعب فانبرى أسقفين شيخين دفاعا عن التخم التي وضعت على كاهلنا ليتضح بعد ذلك أن هذين الأسقفين كانا لا يصومان كل الأصوام نتيجة أمراضهم الكثيرة.
فجأة تجد الكنيسة لا تتكلم عن النعمة ولا عن مواهب الروح القدس وكأن النعمة هربت من كنيستنا ومواهب الروح القدس فجأة أصبحت محل اتهام، بالطبع نحن ندرك تماما أن الكثيرين يتاجرون كذبًا بمواهب الروح القدس ولكن هذا يعود في المرتبة الأولى إلى أننا من أهملنا تعاليم الآباء عن الروح القدس ومواهبه.
ترهيب وإرهاب لكل شخص يبحث أو يناقش وكأن لسان حالهم يقول “لا تناقش ولا تجادل يا أخ علي” فتطفو على السطح مقولات وتأخذ قوة وكأنها آية “ابن الطاعة تحل عليه البركة”، و”بينما يتجادل اللاهوتيين، يتسلل البسطاء إلى الملكوت”، مقولتان يبدوان في ظاهرهما البساطة ولكنهما يغتالان النقاش والتفكير، والعقل أيضا، يحثان على طاعة عمياء كان يطلبها الكتبة والفريسيين وكهنة اليهود في زمن المسيح، ورفضها المسيح شخصيا بل كال الويلات لهم لأنهم كانوا يحملون الشعب أحمالا عسرة، كانوا يحكمون الشعب بسلطان الحل والحرمان وتركهم الجموع وتبعوا يسوع لأنه كان يعلمهم بسلطان مختلف عن سلطان الكتبة والفريسيين، سلطان لم يمارسوه لأنهم ببساطة لم يعرفوا أنه سلطان الحب وليس سلطان الإرهاب والتكفير والتخوين.
العجيب يا صديقي أن معظم ما رفضته الكنيسة في عقيدتها مارسته في سياستها، فأصبحت الكنيسة القبطية على مدار أكثر من خمسين عاما، كنيسة بابوية أكثر من شقيقتها الكاثوليكية، فتجدها تهاجم عقيدة عصمة البابا الكاثوليكية، وتمارسها على أرض الواقع فما يقوله البطريرك عقيدة وأقواله الشخصية آية وقراراته جميعها الإدارية والسياسية والشخصية غير قابلة للنقاش أو إبداء الرأي في حياته أو بعدما رحل.
أصابنا هزل شديد من ضعف التعاليم فتجد أن كنيسة الإسكندرية التي أخرجت للعالم أثناسيوس الملقب بالرسولي، وكيرلس عمود الدين، وأوريجينوس المظلوم وديدموس الضرير وغيرهم، أصبحت تعاليمها خليط من اللاهوت الغربي الممثل في معظمه في تعاليم أغسطينوس ابن الدموع أسقف هيبو، وبين تعاليمها الإسكندرية الشرقية الأصيلة.
وفي كل هذا وبينما نحن نسعى جاهدين من أجل وحدة الكنيسة نتهم نحن بتقسيمها وتشويهها ونشر ضعفاتها على صفحات السوشيال ميديا، وكأن لسان حالهم مع أخاب الملك الظالم عندما تقابل مع إيليا بعد المجاعة قائلا “أأنت هو مكدر إسرائيل؟”، ولكننا نجيب مع إيليا النبي “لم أكدر إسرائيل بل أنت وبيت أبيك بترككم وصايا الرب وسيركم وراء البعليم“.
الكنيسة يا إخوتي هي أمنا جميعا، وإيمانها وتعاليمها ليست حكرا على أحد ليتولى الدفاع عن إيمان يعتقد أنه إيمانها، يكفر ويرهطق ويشنع ويقلل ويسفه من أي شخص لا ينتمي لمجموعاتهم الشيطانية.
سنظل نزرع النور مهما كان هناك ظلام، وسيكون سلاحنا الحب مهما حاربنا الكارهين، سنسعى عن المسيح كسفراء وكأن الله يعظ بنا نقول تصالحوا مع الله، سنحارب الظلم والجهل والتعاليم الغريبة والتعاليم المزيدة، سنحارب تأليه الأشخاص وعبادتهم أحياءا كانوا أو أموات، سنجذب شبابا يتم ترهيبهم بسلطان الحل والربط، بسلطان الحب الذي كان يكرز به المسيح، سنحارب فساد البيزنس والمصالح والسلطة، سننادي بعودة كنيسة الرسل الذين رأوا أن خدمة الموائد تعطل خدمة الكلمة، وبحثوا عن شمامسة أمناء ليهتموا بخدمة الموائد ليتفرغوا هم لخدمة الكرازة والكلمة، سنجاهد من أجل أن يعود آباء الكنيسة لخدمة المؤمنين وليس للإتجار بهم وبمعاناتهم واحتياجاتهم من أجل جني حفنة من المال لعمل مشروع هنا أو هناك.
سنحارب سلطان كل ظالم ترك العالم طواعية بحثا عن الفقر الاختياري ليخرج علينا من صومعته بحساب بنكي وسيارة فارهة ومقر مملوء بعطايا الشعب لإخوة المسيح ليتصرف بها وكأنها ميراثه الشخصي ليس هذا فقط بل ليتجبر على هذا ويصرخ في وجه هذه، مانحا الرضا والبركات لمن يهلل له، ويصب الويلات واللعنات في وجه من يعترض.
إن كانت الكنيسة الكاثوليكية عانت في العصور الوسطى من بطريرك واحد أذاع وسط الناس عصمته، فإننا نعاني اليوم أن كل أسقفا صار بطريركا كاثوليكيا بل وأعظم، ربما بعضهم ينافس المسيح في عصمته، هؤلاء ليس لهم إلا قول المسيح نفسه عندما قال:
فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَتَظُنُّونَ أَنَّ هؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هذَا؟ كَلاَّ! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ.
(إنجيل لوقا 13: 2-3)