استيقظت باكراً كعادتها بالرغم من أنها ليست في حاجة إلى ذلك، فزوجها مُسافر ولن يعود قبل ثلاثة أيام،، استيقظت ضجراً وتناولت إفطارها البسيط غصباً وجلست أمام التلفاز أمداً، تشاهد فيلما عربيا قديما سرعان ما تركته مللاً بعد أن داهمتها الإعلانات التجارية متخطية الربع ساعة بمقاييس الزمن،، تحولت عنه لفيلم أخر سرعان ما أصابه نفس الداء،، تحولت ﻵخر وآخر حتى نست أي فيلم كانت تشاهد من البداية..! مضى النهار ثقيلاً لم تأكل خلاله سوى ثمرتيّ فاكهة ليس أكثر فهي نادراً ما تتذكر نفسها حين تكون وحيدة بالمنزل.
بدأ ضجيج المارة يجتاح الشارع كعادة أيام الصيف، يخرج الجميع باحثين عن نسمة هواء تنعشهم بعيدا عن صناديقهم الأسمنتية. ضجيج الأطفال في الشارع وهم يلعبون الكرة بالحارة الجانبية ويملؤون الدنيا صياحاً مع كل هدف إلى جانب صياح أمهاتهم خوفاً من شرود الكرة إلى الشارع الرئيس وهم خلفها، وبين هذا وذاك لا يخلو الشارع من شجار كل ساعة وأخرى، فالمعلم صاحب المقهى الكائن أسفل العقار أصر على عمل مطب صناعي أمام المقهى حتى يتسنى لصبيانه المرور بهوادة يحملون الصواني المرصوصة بأكواب الشاي وفناجيل القهوة إلى الجهة الأخرى من الشارع التي أحتلها أيضا وأفترشها بكراسي المقهى، حيث يلعب فتيان الحي الدومينو والنرد يومياً كل ليلة حتى الساعات الأولى من الصباح، ومع كل سيارة تمر وتصطدم عفشتها بالمطب أو تميل على غير عمد للجهة الأخرى حتى تتحايل على المطب فتصطدم بالعربات القادمة من الجهة المقابلة إلاّ وقع شجار بسبب “مطب المعلم”!
في شهورها الأولى بالحي، كانت تجرى إلى الشرفة مع كل شجار يدور، ففي اليوم الواحد هناك عشرات المشاجرات كانت تشاهدهم جميعاً، ولكن مع مرور الوقت فقدت حماسها وانتهى بها الحال بأﻻ تتوجه إلى الشرفة إلا مرة واحدة مع أعتا شجار يدور. لذا لم تهتم اليوم بأي من المشاجرات إلا عندما استمعت لصرخات مكتومة، ولم تهتم كثيراً حتى سمعت وسط تلك الصرخات صرخة واحدة لامرأة أرعبتها، توجهت إلى الشرفة يدفعها القليل من الفضول ونظرت للأسفل حيث المطب فلم تجد أي شجار أو سيارات بالقرب منه، ولكن هناك تجمع بشرى ليس بقليل يقف على الجهة المقابلة للشارع ينظرون جميعهم لأعلى. وجهت عينيها إلى حيث أعينهم مسمره فالتقطت عيناها جسد امرأة أربعينية مدلى من شرفة كائنة بالطابق السادس ولا تمسك إلا السور بكلتا يديها. هالها الموقف فأطلقت صرخة كادت أن تكون مدوية ولكن سرعان ما وأدتها بكلتا يديها.
أخدت تنظر لجسد المرأة المدلى وتسمع صراخها المرعب. أردت أن تساعدها ولكن كيف؟ لابد وأن هناك من الجمع من يحسن التدبير لإنقاذ تلك السيدة، لكنها رأت الجموع بالأسفل يطالبونها بترك السور والسقوط لأسفل حيث يمسكون ما يشبه مظلة إنقاذ صغيرة. وحين تيقنت من ماهيتها، أدركت أنها ليست إلا شال حريري أبيض يشف ما أسفله.
أخدت تصرخ من شرفتها بأن الشال لن يتحمل جسد السيدة وأن عليهم أن يتركوا ذلك الشال، وأن يتبرع الجار الذي يسكن أسفلها بأن يمسكها من شرفته، أو أن يكسر أحدهم باب مسكنها ويرفع جسدها لأعلى، ولكن صرخات السيدة المعلّقة من الشرفة كانت أعلى منها، لم تعد تمسك السور إلا بيد واحدة، لن تتحمل ذلك الجسد الثقيل كثيراً، وصيحات الرجال بالشارع يطالبونها بأن تثق وتترك جسدها يهوى على شالهم الحريري.
لم يكن يُمسك الشال إلا أربع رجال فقط؛ أبيها وأخيها وزوجها وأبنها الأكبر، جميعهم وعلى اختلاف أعمارهم يرتدون ذات الملابس من بنطال وقميص وحذاء مدبب وحزام أسود عريض ذو حلية حديدة تتخذ هيئة رأس أسد، وجميعهم يملكون نفس الشارب الكثيف الذي يغطى أفواههم. أخد الأربعة يطالبونها بالسقوط فجلبابها قد يداعبه الهواء ولا يغطى جسدها كما يجب، وعيون الجموع تشبثت بذلك. نظر ذويها، الأربعة رجال، للجموع مطولاً حتى نكسوا رؤوسهم للأسفل، وما أن التفوا حتى رفع الجموع هواتفهم المحمولة للأعلى، هواتفهم التي سرعان ما نزلت لأسفل مع جسد السيدة المتهاوي إلى الشال الحريري الأبيض الذي كفنها إلى الأرض. أنفض الجمع سريعاً من حول جسدها الذي وراه الأربعة بأحكام الشال الحريري عليها، الذي لم يصيبه إلا قطرتين من الدماء، ثم رصوا الكراسي جوارها سريعاً لتلقي واجب العزاء، ولم يذهب وراء جسدها الذي فارقته نسمته سوى أمها الثكلى المتشحة بالسواد.
سقوط السيدة من أعلى لم يستغرق إلا ثوان، لكنه شغل أياما وأسابيع من تفكيرها، أسابيعا تراقب شرفة السيدة فتراها تسقط كل يوم من السابعة صباحاً حتى غروب الشمس، لذا قررت أن تهجر شرفتها تماماً فزوجها قد ضاق ذرعاً من حزنها حتى أنبت شاربه بكثافة وغطى على فمه غضباً وغيظاً.
سافر زوجهاً مرة أخرى لمدة أطول، ورجعت هي لعادتها القديمة المملة التي ألفتها منذ أن تركت عملها عند زواجها. مرة أخرى أصبحت تشاهد عشرات الأفلام يومياً حتى يأتيها النوم الذي أصبح يعاندها كل ليلة. جلست عشاء أحد أيام الخريف الأولى، تحتسى كوبا من الشاي، وحيدة، تشاهد مسرحية قديمة، حتى سمعت صراخا مكتوما يأتي من الشارع.. تجاهلته.. سرعان ما أزداد الصراخ شدة، فتنبيت أنه لامرأة.. تركت كوب الشاي واسترقت السمع والصراخ يزداد وهى تخشى أن تترك مكانها.. بالنهاية، تحركت حذره تجاه الشرفة التي هجرتها منذ وقت طويل، دخلت بحذر لم يشبه إلا صوت دقات قلبها المتزايدة والأكثر علوا من صوت الصراخ. نظرت وإذ بالجموع تحتل الشارع على الجهة المقابلة وينظرون للأعلى، فنظرت معهم وهي على حذر، وجدت سيدة ثلاثينية تتدلى من شرفتها بالطابق الخامس ولا يفصلها عن أرض الشارع إلا السور الذي تمسكه بشدة. هلعت وهى ترى ذلك الجسد المدلى تداعبه نسمات الخريف بلا خجل. همست لنفسها: “لا، ليست مرة أخرى، عليهم أن يحتاطوا هذه المرة”.
نظرت لأسفل لتجد ٣ رجال فقط يمسكون بشال أبيض حريري وهم أبيها وأخيها وزوجها ويطالبونها بالسقوط. الثلاث رجال يرتدون بالمثل، حذاء مدبب وحزام أسود ذو حلية حديدية على هيئة رأس أسد. وقف إلى جوار الثلاث رجال وحيدها البالغ من العمر أثنى عشرة عام، يبكى، ناظرا للأعلى، ويرجوها أن تتشبث جيدا بالسور حتى يصعد ويمسكها. لكن الثلاث رجال نظروا له نظره أرعبته، طالبوه بأن يُمسك معهم الشال. تردد الفتى كثيرا، فتارة ينظر لأعلى لتلتقي عينه بأمه باكياً، وتارة ينظر لعيون الثلاث رجال التي تلتهمه. ولكن بالأخير، تقدم خوفاً، وأمسك الشال معهم.
لم تر كيف تحول ذلك الفتى في لمح البصر إلى شاب ذو شارب كثيف يغطي فمه، مرتدياً مثلهم: حذاء مدبب وحزام أسود ذو حلية حديدية على هيئة رأس أسد. لم تطل دهشتها طويلا حتى قاطعها وصول جسد السيدة إلى الأرض يواريه الشال الأبيض الحريري وصفوف الكراسي تمتلئ بالمعزيين وسيارة الموتى تأخذ جسدها ولا يذهب خلفها إلا صغيرتها وأمها العجوز.
أصابها الهلع مجدداً تاركه الشرفة لأيام طويلة، أصبح فيها شارب زوجها أكثر كثافة خاصة بعدما أشترى ذلك الحزام الأسود ذو الحلية الحديدية على هيئة رأس أسد مثل الذي يملكه والدها. قرر زوجها أنها ولا بد من أن تضع ستائر لتلك الشرفة تمنع عنهم الأجساد المدلاة من الشرفات، لذا اشترت ستارة جديدة زاهية الألوان على غير العادة فزوجها يميل للألوان الباهتة، ولكنها أصرت عليها حتى عندما عاندها الحزام الأسود ذو الحلية الحديدية على هيئة رأس أسد.
وفي نهار شتاء دافئ على غير العادة وضعت السلم بالشرفة حتى تتمكن من تركيب الستارة، وصعدت وهى تمسك ستارتها الزاهية، وبدأت تضع حلقاتها واحدة تلو الأخرى، وزوجها ينظر للستارة الزاهية الألوان والشرر يتطاير من عينيه، ومع كل حلقة تضعها يسقط جزء من شاربه الكثيف مما جعلها تزداد سرعه وهي تراقبه، وقبل أن تنتهي من جميع الحلَقات كان شاربه قد تركه كاملاً، فتأملت مطولاً في ملامحه الهادئة، تلك التي كان يملكها قبل زواجهما، وتساءلت عن تلك الابتسامة التي هاجرت شفتاه تاركه مساحة لا بأس بها لذلك الشارب الكثيف. تحسس شاربه الذي فقده وتوارى عنها سريعاً وتركها مع ستارتها الزاهية تركب حلقاتها الأخيرة، وتفكر كيف تقنعه أن يتخلى عن شاربه المزيف للأبد وحذاءه المدبب وحزامه الأسود ذو الحلية الحديدية على هيئة رأس أسد.. وسط شرودها، لم تفطن أنها عقدت للتو الحلقة الأخيرة، وأتكأت بالخطأً على أحلامها، فوجدت نفسها معلقة من شرفتها، وجسدها مدلى للشارع، وسُلمها قد سبقها إلى أسفل.
أصابها الهلع وأخذت تنادي زوجها حتى يرفعها لأعلى، لكن لم يكن هناك مجيب. نظرت للأسفل، فرأت جموع كثيرة ينظرون لها، يقف وسطهم أبيها، وزوجها، يمسكون شالا حريريا أبيضا، ويطالبونها بالسقوط. نظرت لهم مطولاً وإلى الجموع الذين نكسوا رأسهم بنظرة واحدة، من أبيها، وزوجها، وتعجبت كيف نبت شارب زوجها بهذه السرعة مرة أخرى.. تمنت لو كانت أكثر حذرا من الأخريات.
أخذوا يطالبونها بالسقوط لكنها ازدادت تشبثاً، بل واجتهدت في محاولة رفع جسدها لأعلى السور، وكلما اقتربت من النجاة تعالت صيحاتهم أعلى وأعلى تطالبها بالسقوط.. تمسّكت جيدا ورفعت جسدها المنقوش بعلامات رأس الأسد تلك، حتى وصلت لبر الأمان داخل شرفتها تنظر لهم منتشية.. خاب ظن المارة، وانفضوا سريعاً تاركين الكراسي، دون معزّيين، ورحلت سيارة الموتى، لا تحمل سوى: شال حريري أبيض يحوي شوارب أبيها وزوجها اللذان ما زالا يطالبانها بالسقوط ولكنها أخبرتهم صارخة بأنها: لن تسقط أبداً.