لا طلاق إلا لعله الزنا

(ال)

أزمة حبّ "ميرنا ماهر" 1مقولة البابا شنودة تلك التي رُددت كثيرا داخل البيوت القبطية لسنوات كثيرة باعتبارها خطأ “آية”، بل قانون. فهي الرد الموجز المنجز لكل المشاكل الزوجية. ولكن المعنى الفعلي للمقولة في “بعض” البيوت القبطية ليس في حصر قبول الطلاق إلا في حالة زنا أحد الطرفين، بل هي صك ملكية أُعطى لـ “بعض” الأزواج بضمان شفهي مقدس من فم البطريرك السابق. ذلك الوعد بعدم الطلاق إلا لعلة الزنا يجيز لك ضمنياً ارتكاب ما تشاء من الأخطاء في ذلك الزواج ماعدا أن تزني بامرأة أخرى.

أزمة حبّ "ميرنا ماهر" 3يمكنك ضرب زوجتك وتعنيفها .. يمكنك اﻻعتداء عليها جسدياً ونفسياً .. أملك جسدها بيدك، أو بحزامك، أو حذائك .. فلك من جسدها ما شاءت، الأهم ألا تمسّ جسد امرأة أخرى .. هنا فقط تسقط شرعيتك. فإقناع الزوجة بأنك صليبها وعليها تحملك حتى تصل إلى فردوس يفصلها عنك أمر هين، ولكن كيف يقنعوها إن ارتباطك بامرأة أخرى “صليب” أخر.

أزمة حبّ "ميرنا ماهر" 5مين العاقل فينا، مين مجنون؟
مين اللي مدبوح من الألم؟
مين اللي ظالم فينا، مين مظلوم؟
مين اللي ما يعرفش غير كلمة “نعم”؟

(عبد الرحيم منصور، حدوته مصريّة)

المرأة في تصور أغلبية مجتمعنا المصري ملك لأسرتها وزوجها، ولذلك حين تطلب الطلاق يجب أن تحصل عليه من الجميع. تقاطعها أسرتها قبل مجتمعها الذي ينبذها تباعاً احتراماً لأب وأم نبذوا ملكيتهم الخاصة. فـ “بعض” الحب ببلادنا مشروط حتى حب الأهل، حب مشروط بالطاعة.

أزمة “ميرنا” ليست في أسلام أو مسيحية، أزمة “ميرنا” أنها أرادت الحب من والديها قبل زوجها. ذلك الحب الذي يشفي الجروح ويطيب الروح أصبح عملة نادرة في بيوت اليوم. لن يفرق كثيرا إذ ما كان ذلك البيت يصلى “يوم الجمعة” أو “يوم الأحد” بل كيف يحب أفراده بعضهم البعض. الحب دائما هو الاختيار. فجميعنا نهرب إلى مرافئ الحب أي كانت بلاده. الأزمة ليست على أي دين اختارت أن تكون “ميرنا”، بل على أي حب حصلت “ميرنا” وعن أي قسوة ابتعدت “ميرنا”. جميع القصص متشابهة، بطلتها ليست “وفاء” وﻻ “كاميليا” ولا “مريم” ولا “ماري” ولا “ميرنا ماهر” بل الحب المفقود. الحب الذي لم يستطعن الحصول عليه من آبائهن وأمهاتهن قبل أزواجهن.

أين الرجال من تلك القضية؟ الحقيقة أني لم أر رجلا أسلم أو تنصّر وأثار مشكلة أو قاطعه أهله، بل كان الباب دائما مفتوح لهم. فعلى مدار عمري عاصرت قصص كثيرة أبطالها رجال أسلموا ولم نسمع عنهم في أي أخبار. أحد تلك القصص التي عرفت أصحابها بعد أن توفى بطل القصة، الذي تزوج بسيدة مسيحية، وأنجب منها طفلا، ثم تركها وأسلم وتزوج بمسلمة، وأنجب منها أكثر من طفل، ثم ترك اﻹسلام وعاد للمسيحية، وتزوج بامرأة مسيحية أخرى، حيث إن زوجته الأولى توفت، وأنجب من المسيحية الأخيرة. ذلك الرجل لم ينبذه مجتمعه، وعاش أبنائه المسيحيين والمسلمين علاقة طيبة يتقابلون في المناسبات حتى بعد وفاة والدهم.

أزمة حبّ "ميرنا ماهر" 7أيضا خير مثال هو المخرج الراحل “” الذي أسلم من أجل زواجه بالفنانة “” ولم يتبرأ منه أهله ولا قاطعوه. الكثير من الرجال يعبرون يومياً مابين فريقي الهلال والصليب في مصر ولم يسمع أحد عنهم.

إذا لماذا السيدات فقط من يعاني؟؟ لأنهم في العقل الجمعي “للأغلبية” في مجتمعنا هم ملكية خاصة، أيا كانت ديانتها. يسلمهن آبائهن لأزواجهن راجين عدم عودتهن تحت أي ظرف. حكت أحدى السيدات لي، عبر صفحتي الخاصة، وهي متألمة أنها سمعت والدها بالصدفة يتحدث مع طليقها، راجياً إياه أن يرجعها حتى لو “خادمة”. وصفت لي السيدة مرارتها بعد أن اهتزت صورة والداها في عينيها مسببة غصّة في قلبها وشعور بالغضب تجاه جميع من خذلوها في الحياة وأولهم والدها الذي حسبته سنداً.

أزمة حبّ "ميرنا ماهر" 5بمد إيدي لك، طب ليه ما تقبلنيش؟
لا يهمني اسمك.. لا يهمني عنوانك..
لا يهمني لونك.. ولا بلادك.. مكانك..
يهمني الإنسان.. ولو ملوش عنوان.

(عبد الرحيم منصور، حدوتة مصريّة)

أزمة حبّ "ميرنا ماهر" 11كيف يجوب هؤلاء الإباء والأمهات وسائل الأعلام مناشدين بناتهم العودة لحضن المسيح بدلا من أن يناشدهن العودة لأحضانهم! لم أر في عيون الكثير من الإباء والأمهات في تلك القضايا حب ورغبة حقيقية في ضم بناتهم لأحضانهم مرة أخرى بل رغبة في عودة السيطرة مع الانتقام من بناتهم الذي كسروا صورتهم مجتمعياً. لو كان هؤلاء يحبون بناتهم عن حق لأحبوهن متزوجات أو مطلقات… مسيحيات أو مسلمات. الحب النقي لا يعرف شروطا. لو أحبوهن حقاً لدعموهن، ولم يجبروهن على حمل صلبانٍ أثقل منهن، بل لحملنها عنهن.

لم أتعاطف يوماً مع أب، أو أم، أو زوج، (من أيّا من الفريقين) تتركهم أبنتهم إلى طريق تعلم هي ألا عودة منه.. دائما ما يدور برأسي نفس السؤال.. ماذا فعلوا لها حتى تركت لهم كل شيئ.
“الحب”.. كلمة السر والسحر هي الحب. قيل لكم أحبوا أعدائكم فكم بالأحرى بناتكم وزوجاتكم.

كيف نضجر وللسماء هذه الزرقة، وللأرض هذه الخضرة، وللورد هذا الشذا، وللقلب هذه القدرة العجيبة على الحب، وللروح هذه الطاقة اللانهائية على الإيمان. كيف نضجر وفي الدنيا من نحبهم، ومن نعجب بهم، ومن يحبوننا، ومن يعجبون بنا

()

حين شاهدت فيديو “ميرنا” لم أجد أمامي فتاة مغيبة أو مخدرة أو مخطوفة، بل سيدة هاربة من ألم لم تعد تحتمله، راجيه أهلها بتركها لحالها حتى لا تفصح عما تكنه الصدور على الملأ. للأسف “ميرنا” وأخواتها من الجانبين هم مثال مؤلم على أزمة مجتمع ينقصه الحب. أزمة مجتمع متربص لا يمرر الحب إلا من “خرم” إبرة. مجتمع مكبوت عاطفياً، ناكرا للحب حتى في أكثر صوره براءة لذلك لا تعجب حين ينفرط عقده موحلاً في الضياع.

أزمة حبّ "ميرنا ماهر" 5يا ناس، يا ناس يا مكبوتة، هي دي الحدوتة
حدوتة مصرية..
حدوتة مصرية..

(عبد الرحيم منصور، حدوتة مصريّة)

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

فيبي أنور
‎ ‎ نحاول تخمين اهتمامك… ربما يهمك أن تقرأ أيضًا: ‎ ‎