أثار فيديو الاعتداء الوحشي على السيدة "ماري مجدي ونيس" من قبل زوجها "وليد سعد أيوب" المدمن للمخدرات والرافض للتعافي 8 مرات، واعتاد ترك بيته والمجيء للاعتداء على زوجته وبناته بمنتهى العنف للحصول على قروشهن القليلة من أجل المخدرات، الحديث مجددًا حول قوانين الأحوال الشخصية للمصريين عمومًا، والمسيحيين خصوصًا، بسبب موقف الكنيسة المتعسف من التطليق، وهو موقف حبيس رؤية البابا الراحل الأنبا شنودة الثالث وعبارته الشهيرة "لا طلاق إلا لعلة الزنا"، التي يتم التعامل معها على أنها نص كتابي، والنص الكتابي مختلف عن هذه العبارة، وهي رؤية تأثرت بما مر به البابا الراحل في طفولته، وبسببه تعاني الدولة والكنيسة ومن قبلهم المواطنين من مشكلات عدة معظمها تشعل نار الطائفية.
لست بصدد مناقشة موقف السلطة الكنيسة من التطليق الذي قُتل بحثا من قبل مفكرين وإكليروس مسيحيين من أجل العودة لما كانت عليه الكنيسة قبل عصر البابا شنودة، حينما كان هناك 9 أسباب للطلاق، لكني هنا أحاول إكمال ما طرحه الزميل باسم الجنوبي في مقاله المعنون: “هذا الزواج.. ما نوعه؟”، فور انتشار فيديو الاعتداء على السيدة ماري، وسأركز أكثر على مفهوم الزواج، وكيف يمكن أن تستمر مؤسسة الزواج بالرغم من التحديات العاصفة التي تقف في وجه تلك المؤسسة اليوم بما نعيشه في هذا العالم من ضغوطات ومشكلات يصعب تحملها، وهنا، ربما أكون أيضا أطرح أسئلة قد لا نجد الإجابة لبعضها. خاصة وبمنظوري الشخصي أن الكنيسة لا تهتم بهذا الجانب -أي مفهوم الزواج- بالرغم من محاولاتها في السنوات الماضية لتخصيص دورات المشورة للمقبلين على الزواج. ولكن يبدو أنها لا تؤدي دورها تمامًا، وتستمر المشكلات ويستمر البحث عن الطلاق والانفصال.
أشار الجنوبي إلى وجود نوعين رئيسين من الزواج:
التأمل في علم اﻻجتماع أيضا يجعلنا نلاحظ نوعين رئيسين من الزواج، أحاول دوما قياس كل الزيجات على النمط اﻷقرب منهما:
- زواج قائم على علاقة “خضوع مقابل إنفاق”
ويقصد به طبعا خضوع اﻷنثى مقابل إنفاق الذكر. وهو يناسب هؤلاء الذين ينظرون لعلاقة الذكر باﻷنثى أنها علاقة تتمية، أي تتمم بعضها بعضا. وهو ما نراه في الزواج الديني حتى في توزيع اللعنات على اﻷسرة اﻷولى. فالرجل “بعرق الوجه يأكل خبزه، وشوكا وحسكا تنبت اﻷرض له”، بينما المرأة “بالوجع تلد، وللرجل تشتاق، ويسود عليها” (تكوين3)
- زواج قائم على علاقة “المسؤولية المشتركة”
ويقصد به عدم توزيع أدوار معينة أو مسؤوليات محددة بين الذكر واﻷنثى، بل يترك ذلك للاتفاق بين الشريكين البالغين دون تدخل وصائي من اﻷسرة أو المجتمع أو الدولة، وهو يناسب هؤلاء الذين ينظرون لعلاقة الذكر بالأنثى أنها علاقة مساواتية. أي يتساوى فيها الذكر واﻷنثى بشكل تناظري. وهو ما نراه في الزواج بحسب اﻹعلان العالمي لحقوق اﻹنسان. (مادة16)
لا يوجد أبيض وأسود
تخبرنا العلوم الإنسانية أن ما يتصل بسلوكيات البشر لا يخضع لقواعد جامدة مثل الرياضيات، بل تختلف الأمور باختلاف الزمان والمكان والثقافة واختلاف المواقف والأشخاص أنفسهم، لذا المهم في العلاقات عمومًا ولا سيما علاقة الزواج أن يضع الأطراف الاتفاقات التي تجعل علاقتهم تستقر وتستمر، وما وجدته خلال المشاركة منذ عدة سنوات في دورة المشورة بإحدى الكنائس في نطاق القاهرة، هو أن الموضوع مجرد “تستيف ورق” مجموعات محاضرات على عدة مرات أو يوم واحد شامل كل المحاضرات، وبعده امتحان ثم شهادة اجتياز الدورة الملزمة لإتمام أوراق الزواج.
اللافت للنظر، بالرغم من أهمية المعلومات التي تُقدم، أنها ليست كافية، وكذلك لا يمكن جمع الشامي على المغربي كما يقول المثل لتلقينهم نفس الكلام، فخريجي الجامعات أو من هم في مستوى ثقافي وعلمي عال، لن ينفعهم ما يمكن أن يقدم لغير المتعلمين، أو كما وضح “الجنوبي” من يتفقون على نمط تخضع فيه المرأة مقابل الإنفاق لزوج يعمل بالخارج طوال اليوم وهي مهمتها المنزل، لن ينفع مع شخصين يعملان خارج البيت معًا ويريدان التشارك في الواجبات المنزلية مثلا، فلهؤلاء نمط حياة والآخرين نمط حياة، مشاكلهم مختلفة وحلولهم بالتبعية مختلفة. وكلٍ يختار ما يناسبه ويناسب ظروفه وثقافته، وهذا ما يقودني للحديث عن أزمة مفهوم الزواج.
الأزمة في المفهوم
ما تعريف الزواج؟ سؤال تبدو الإجابة عليه سهلة من أول وهلة، لكن في الحقيقة هو سؤال إجابته صعبة جدا. لأنه ورغم وجود بعض الأمور المجتمعية الاحتفالية والدينية الواضحة التي تقول إن هذه العلاقة “زواج” (مثل المهر والشبكة والمؤخر وعقد القران عند المصريين المسلمين، أو الشبكة ومحاضر الخطوبة والإكليل عند المصريين المسيحيين)، فإنه لم يهتم أحد بالمفهوم الخاص بهذه العلاقة؟
أو كيف يمكن لهذين الشخصين المختلفين أن يديرا اختلافاتهما وأولوياتهما في هذه العلاقة الجديدة؟ أو ما هي حقوقهما تجاه بعضهم؟ وما هو نطاق المسؤولية؟ هل تُترك للأيام كما يقول المصطلح العامي الدراج “كله بالحب”؟
سيجيبني البعض أن الكنيسة في الإكليل توصي العريس والعروس بحقوقهما ومسؤولياتهما، لكن في الحقيقة هذا نوع آخر من “تستيف الورق” الشكلي الفاقد للمعنى، فلا يركز أيا من العروسين في هذه الوصايا للانشغال بتوزيع الابتسامات على الحاضرين. وبالرغْم من تأكيد الكهنة دائما على الحضور ضرورة الاستماع، إﻻ أنها وصايا تعود لعصر إبراهيم وسارة ومفارقة للواقع الاجتماعي المتغير الذي تعلمنا الكنيسة عكسه تماما. والسؤال المهم هل هذا النمط المقولب من الوصايا المستحضرة من الماضوية الاجتماعية اليهودية يمكن أن يعد بمنزلة دستور للبيوت المسيحية القبطية الأرثوذكسية يساهم في نجاح علاقات الزواج التي تتم بواسطته؟ لا أعتقد ذلك وإلا لماذا تكثر المشكلات وحالات الانفصال ولا تجد الكنيسة حلا معها؟
هل كل إنسان وإنسانه يتفقون على الزواج، يتفقون مقدّمًا على ملامح علاقاتهم التي من المفترض أن تمتد لسنوات طويلة؟ هل يرسمون خارطة طريق لمستقبل هذه الأسرة التي ستتكون على أيديهم؟ هل يُقدرون حجم المسؤوليات التي ستقفز في وجه كل طرف منهم بعد أن يُغلق عليهم بابا واحدا؟ أم أجواء الفرح والتهنئات والفستان الأبيض ومرآة الرغبة تعيق النظر عما هو آتٍ في تلك الحياة الجديدة؟
هل علاقة الحب والزواج على شاكلة ما روجته المسلسلات التركية في السنوات الماضية، مجرد “كلام حلو” وتعبير عن المشاعر، وخروج وسفر، وكأن الحياة وردية لا توجد بها مشكلات أو مسؤوليات؟
وهل الزواج هو الانغماس في المسؤوليات وروتين الحياة الصعبة التي نعيشها اليوم دون البحث قضاء أوقات سعيدة؟
هل كل طرف من أطراف العلاقة يحدّث الآخر عن مفهومه ورؤيته لهذه العلاقة وتصوراته عنها؟ هل كانا حرين في أفكارهما في فترة الخطوبة وحرين في طرح هذه اﻷفكار؟ وهل تصورات وتخيلات المتبتلين من الرهبان واﻷساقفة المشكلين للسلطة الكنسية لها علاقة بالواقع الاجتماعي الذي لم يختبرونه ولم يختبرون تحدياته؟ أسئلة كثيرة لا أجد لها إجابة واضحة، لكنها فقط محاولة للعصف الذهني والتفكير بصوت عالٍ، وأرجو أن تفتح الباب لنقاش حقيقي من كل أطراف المجتمع.
اقرأ أيضا:

باحث وكاتب صحفي متابع للشأن الكنسي وشؤون الأقليات.
زميل برنامج زمالة الأقليات- مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان- الأمم المتحدة، جنيف/ ستراسبرج 2023.
زميل برنامج "الصحافة للحوار" مركز الحوار العالمي (كايسيد) لشبونة 2022.