المقال رقم 5 من 3 في سلسلة كرازة المسيح في الجحيم

نستمر في عرض آراء آباء الكنيسة حول كرازة المسيح في الجحيم.

غريغوريوس النزينزي

يتحدث ق. غريغوريوس عن كرازة المسيح في الجحيم لخلاص الجميع أو لخلاص المؤمنين به مخاطبًا المستمعين كالتالي: [1]

وإنْ نَزلت إلى الجحيم فأِصعد معه، تَعرفُ أسرار المسيح الموجودة هناك أيضًا ما هو التدبير، والسبب من أجل النزول مرتين؟ ببساطة ليخلص الجميع بظهوره، أو ليخلص المؤمنين به فقط.

(، عظات القيامة)

ويشير ق. غريغوريوس في قصيدة ”عن نفسه“ إلى نزول المسيح للجحيم، وتدميره لبوابات الظلام في الجحيم، وتحريره للنفوس التي كانت هناك كالتالي: [2]

اليوم، قام المسيح العظيم من الأموات، مع مَن كان مختلطًا به، وشفى لدغة الموت، وسحق بوابات الظلام في الجحيم المرعب، وحرَّر النفوس. اليوم، بعدما قام من القبر، ظهر للناس. الذين وُلِدَ لأجلهم، والذين لأجلهم قد مات، والذين لأجلهم قد قام من الأموات. لكي ما يصعدوا [إلى السماء] متجددين ومتحررين من الموت، مع مَن يصعد إلى [هناك].

(” Gregory of Nazianzus, Hymn “on himself)

ويتحدث ق. غريغوريوس في مسرحيته ”الآم المسيح وقيامته“ على لسان العذراء والدة الإله بأن الابن الأزلي سيُطلِق جميع الموتى الذين كانوا في الجحيم كالتالي: [3]

والدة الإله: […] إنه الابن الأزلي للآب الأزلي، فكيف يستطيع أن يهلكه سلطان الظلمات الجهنمية؟ أظن أنه بالحري سيُطلِق جميع الموتى الذين احتوتهم الجحيم، واحتجزتهم في ظلمات مهاويها.

(غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“)

ويتحدث ق. غريغوريوس على لسان والدة الإله أيضًا في نفس المسرحية عن سطوع نور المسيح في الجحيم عندما نزل إليه كالتالي: [4]

والدة الإله: يا ابني، يا حبيبي، أيها الوجه الإلهي، متى أراك؟ أين أراك في شقوتي؟ يا ابني، تعال إليَّ بسرعة النور، تعال! دع مأوى الأموات، وأبواب الظل، المكان المظلم الذي جعلت فيه الجحيم مقرها، والذي شاهد تألقك الساطع، عندما انحدرت إليه. تعال، تعال، وأظهر سابقًا نور النهار. فجميع الكائنات تستقبلك لها إلهًا، إلهها الذي يسود السماوات.

(غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“)

ويتحدث ق. غريغوريوس أيضًا على لسان الملاك في نفس المسرحية السابقة عن هزيمة الجحيم وخروج المسيح من القبر حيًا، وخلاص الأموات مبتهلين لله قائلًا: [5]

الملاك: […] إن الجحيم قد غُلِبت، وإن المسيح خرج من القبر حيًا. لقد دُحرِجَ حجر القبر بشدةٍ، فاستولى الذعر على الحراس، فتركوا بوابات جهنم، ولاذوا بالفرار. الأموات فيها ذهبوا إلى أرض النور مبتهلين إلى الله الذي خلَّصهم: بفضله تحطمت القيود، وانحلت الرباطات جميعها.

(غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“)

غريغوريوس النيسي

يتحدث ق. عن الكرازة بموت المسيح وخلاصه للمأسورين قائلًا: [6]

في هذا اليوم نقض أوجاع الموت [7]، أصبح ذا اليوم بمثابة استقبال للبكر من بين الأموات [8]، في هذا اليوم سُحِقت أبواب الموت الحديدية [9]، وكُسِّرت مصاريع الجحيم ية. اليوم فُكت أربطة الموت، اليوم يُكرَز بإطلاق المأسورين [10]، اليوم العميان يُبصِرون [11]، اليوم يُشرِق النور السمائي على الجالسين في الظلمة وظلال الموت [12].

(غريغوريوس النيسي، عظات آبائية على قيامة المسيح)

يوحنا ذهبي الفم

يتحدث ق. يوحنا عن نزول المسيح إلى الجحيم، وتحطيمه لطغيان الموت وقوته كالتالي: [13]

لأن الحياة الحاضرة هي حقًا أوان المحادثة الحقة، أما بعد الموت فتكون الدينونة والعقاب. قيل: في الهاوية مَن يحمدك؟ [14]. كيف إذًا كسَّر مصاريع نحاس وقطع عوارض حديد؟ [15]. بواسطة جسده؛ إذ أظهر أولاً جسدًا خالدًا محطمًا طغيان الموت. ويشير أيضًا هذا إلى تحطم قوة الموت، وليس إلى حل خطايا الذين ماتوا قبل مجيء المسيح. وإن لم يكن الأمر هكذا، بل خلَّص جميع الذين كانوا قبله في الجحيم، فكيف يقول: ستكون لأرض […] حالة أكثر احتمالًا [16]؟ لأن هذا القول يفترض أن أولئك سيُعاقبون أيضًا ولو بصورة أخف. ومع أنهم قاسوا هنا أيضًا العقاب لأقصى شدةً، فرغم ذلك، لن يخلصهم حتى هذا. وإنْ كان الأمر معهم على هذا النحو، فبالأولى كثيرًا مع الذين لم يقاسوا شيئًا.

(يوحنا ، شرح إنجيل متى ج2)

إبيفانيوس أسقف سلاميس

يذكر ق. بقبرص -المعروف بلقب ”صائد الهرطقات“، ومن أبطال المسكوني 381م- الكرازة في الجحيم وأنها كانت للجميع، ولكن الذين خلصوا هم الذين آمنوا بالمسيح آنذاك قائلًا: [17]

إذًا، فلننزل معه ونتعلم مما نعلم عما هناك من أسرار. ولنعرف العجائب الخفية، غير المنظورة، التي تحت الأرض، ولنتعلم كيف كرز للذين هم أيضًا في الجحيم. ولكن، ماذا سيحدث عندما ينزل المسيح إلى الجحيم؟ أ بنزول الإله إلى الجحيم يخلص الجميع بدون استثناء؟ لا، لأنه كما على الأرض، هكذا أيضًا هناك يخلُص الذين آمنوا به.

( أسقف سلاميس، عظة نزل إلى الجحيم من قِبل الصليب)

ويتحدث ق. إبيفانيوس -مثله مثل الآباء السابقين عليه مثل الروماني و السكندري- عن كرازة في الجحيم كتمهيد لكرازة المسيح في الجحيم، مثلما كان يفعل على الأرض كالتالي: [18]

هناك أيضًا ذلك الفائق يوحنا، الأعظم من كل الأنبياء، جالسًا في ظلمة الجحيم كما لو كان في رحم أمه المظلم [قبل ولادته] يكرز بالمسيح لكل الذين في الجحيم، وهو السابق والكارز للأحياء والأموات معًا. وعندما قُطِعَ رأسه، أُرسِلَ من سجن هيرودس إلى سجن الجحيم، إلى الأبرار والمظلومين الراقدين منذ الدهور.

(إبيفانيوس أسقف سلاميس، عظة نزل إلى الجحيم من قِبل الصليب)

كيرلس السكندري

ويتحدث ق. كيرلس عن إبادة المسيح للجحيم وكرازته للأرواح التي في الجحيم، وهكذا قد صار هذا برهانًا على محبته للبشر بإعطائه الخلاص لا للأحياء فقط، بل للأموات أيضًا بكرازته لغفران الخطايا كالتالي: [19]

فالآن إذ اقترب زمن موته الذي سيجعله غير مرئي بالنسبة لتلاميذه لفترة قصيرة إلى أن يقوم بإبادة الجحيم، ويفتح الأبواب لخروج أولئك الذين كانوا هناك، ثم يبني بعد ذلك هيكل جسده؛ لأنه بعد ذلك أظهر نفسه لتلاميذه، ووعدهم أنه سيكون معهم دائمًا إلى انقضاء الدهر كما هو مكتوب [20]. فرغم أنه غائب بالجسد، إذ قد مضى إلى الآب، وجلس عن يمينه لأجلنا، فهو لا يزال يسكن بواسطة روحه مع أولئك الذين هم جديرين به، وهو على اتصال دائم مع قديسيه؛ لأنه قد وعد أنه لن يتركنا بدون عزاء. ولأنه كان هناك وقت قليل قبل أن تبدأ آلامه، فهو يقول: بعد قليل لا تبصرونني؛ لأنه كان سيختفي عن الأنظار بواسطة الموت لفترة قصيرة، ثم يقول: ثم بعد قليل أيضًا ترونني. لأنه قام في اليوم الثالث بعد أن كرز للأرواح التي في السجن [21]

لذلك، صرخ: قد أُكمِل، فقد أتت الساعة التي يذهب فيها ليبشر الأرواح التي في الجحيم. لأنه افتقدهم، لكي يكون هو رب الأحياء والأموات؛ ولأجلنا قابل الموت نفسه، وتحمل النصيب المشترك لكل البشرية، وذلك حسب الجسد، رغم أنه كإله هو الحياة بالطبيعة، لكي يسبي الجحيم، ويجعل العودة إلى الحياة ممكنة للطبيعة البشرية، وبذلك يتبرهن أنه باكورة الراقدين [22]، والبكر من الأموات [23] بحسب الكتب.

(، شرح إنجيل يوحنا مج2)

‎ ‎ هوامش ومصادر: ‎ ‎
  1. غريغوريوس النزينزي، عظات القيامة (العظة الفصحية الثانية)، ترجمة: القس ، القاهرة: الأرثوذكسي، 2015، 45: 24، ص 41. [🡁]
  2. Gregory of Nazianzus, Hymn “on himself”, (PG 37: 1328 a) [🡁]
  3. غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“، ترجمة: الأب ، لبنان: منشورات ، 2000، ص 81. [🡁]
  4. غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000، ص 84. [🡁]
  5. غريغوريوس النزينزي، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية ”المسيح المتألم“، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000، ص 86. [🡁]
  6. غريغوريوس النيسي، عظات آبائية على قيامة المسيح، ترجمة: د. ، القاهرة: ، 2017، عظة ”وقام في اليوم الثالث“، ص 174. [🡁]
  7. سفر أعمال الرسل 2: 24 [🡁]
  8. رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 1: 18 [🡁]
  9. مزمور 107: 16 [🡁]
  10. سفر إشعياء 42: 7 [🡁]
  11. إنجيل لوقا 1: 79 [🡁]
  12. سفر إشعياء9: 2 [🡁]
  13. يوحنا ذهبي الفم، شرح إنجيل متى ج2، ترجمة: د. ، لبنان، 1998، عظة 36: 3، ص 132، 133. [🡁]
  14. مزمور 6: 5 [🡁]
  15. مزمور 107: 16 [🡁]
  16. إنجيل متى 10: 15 [🡁]
  17. إبيفانيوس أسقف سلاميس، عظة نزل إلى الجحيم من قِبل الصليب، ترجمة: د. ، القاهرة: مؤسسة القديس باسيليوس، 2008، ص 21، 22. [🡁]
  18. إبيفانيوس أسقف سلاميس، عظة نزل إلى الجحيم من قِبل الصليب، ترجمة: د. جوزيف موريس، القاهرة: مؤسسة القديس باسيليوس، 2008، ص 34. [🡁]
  19. كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. وآخرون، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015، 10: 2، تعليق على (إنجيل يوحنا 16: 16)، ص 336، 337. [🡁]
  20. أنظر إنجيل متى 28: 20 [🡁]
  21. أنظر رسالة بطرس اﻷولى 3: 19). وبهذا صار البرهان على محبته لجنس البشر كاملًا تمامًا، بإعطائه الخلاص ليس فقط للأحياء، بل أيضًا لكرازته بغفران الخطايا لأولئك الذين ماتوا، والذين كانوا يجلسون في الظلمة في أعماق الهاوية بحسب الكتاب.

    (كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2)

ويؤكد ق. كيرلس في موضع آخر أن المسيح بعدما أتم عمله الخلاصي على الصليب ذهب ليبشر ويفتقد الأرواح التي في الجحيم بالخلاص، بالتالي، يثبت أنه رب الأحياء والأموات كالتالي: ((كيرلس السكندري، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015، 10: 2، الكتاب الثاني عشر، تعليق على (يو 19: 30)، ص 478. [🡁]

  • رسالة بولس اﻷولى إلى كورنثوس 15: 20 [🡁]
  • رسالة بولس إلى كولوسي 1: 18 [🡁]
  • كيف تقيّم هذا المقال؟

    ← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

    المتوسط الحالي 0 حسب تقييمات 0 من القراء

    كن أوّل من يقيّم هذا المقال

    بما أن المقال أعجبك..

    ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

    من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

    دعنا نعمل على تحسين ذلك

    أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

    ‎ ‎ جزء من سلسلة: ‎ ‎ كرازة المسيح في الجحيم[الجزء السابق] 🠼 الآباء والكرازة في الجحيم [٣]
    أنطون جرجس
    بكالوريوس اللاهوت اﻷرثوذكسي في    [ + مقالات ]

    صدر للكاتب:
    ترجمة كتاب: "الثالوث"، للقديس أسقف هيبو [٢٠٢١]
    كتاب: عظات القديس غريغوريوس النيسي على سفر الجامعة [٢٠٢٢]
    ترجمة كتاب: "ضد "، للقديس غريغوريوس النيسي [٢٠٢٣]
    كتاب: الطبيعة والنعمة بين الشرق والغرب [٢٠٢٣]
    كتاب: مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة [٢٠٢٤]